"كلّ عـــلاقةٍ بإســرائيل: اعتراف، أو صُـلح، أو تطبيع، ... تعامل، ... تعايش، ... إلخ.. هي الخيانة بحذافيرها" (الدكتور جمال حمدان).
يتجسّد جوهر نهج "التسوية" و"التطبيع" الراهن في فرض الوقائع الطارئة، المُدّعاة، المبنية على (حقائق) "الأمر الواقع" الآني، الناتجة عن اختلال موازين القوي النسبيّة، والمرحليّة، على الشعب الفلسطيني والجماهير العربيّة، وإسباغ وضعية "الحالة الطبيعية" على وضعٍ شاذٍّ، وأمرٍ مُصطنع، مُتمثّلٍ في وجوب الاعتراف والقبول بمشروعية اغتصاب العدو الإسرائيلي للأرض الفلسطينيّة العربيّة، ومنحه صك القبول والإذعان، باعتبار أن ذلك هو "الوضع الطبيعي"، والنهائي، الذي يحظى بالقبول من الأطراف العربية والمُحيط الإقليمي، والعالم كله.
ويستهدفُ هذا التوجُّه الرضوخ تحت سيف التهديد الدائم بحتميّة الانتقام لإرادة العدو الصهيوني، باعتباره سيّد هذه المنطقة، ومرجعيته الأولى، السياسية والاقتصادية والثقافية، بل و"العقيدية" أيضًا، حسبما يطمح دعاة "الإبراهيمية الجديدة"، و"المُهرولون الجدد" من أنظمة النفط للارتماء في الأحضان الصهيونية، وهو الأمر الذي سبق وأن أعلنه "بنيامين نتنياهو"، رئيس الوزراء الصهيوني، مُبكّرًا، في كتابه الأشهر: "مكان تحت الشمس"، بقوله: "إنّ السلام الذى تستطيع دولة إسرائيل أن تتوقع الحصول عليه هو "سلام الردع" فقط، أي تسويات سلمية منوطة بقدرة إسرائيل على ردع الطرف الثاني عن خرق هذه التسويات، وشن حرب جديدة عليها، فالسلام مع مصر، شأنه شأن اتفاق السلام مع الأردن، تحقّقا نتيجة اعتراف زعماء هاتين الدولتين بعدم وجود احتمال لوحدة عربية قادرة على إلحاق الهزيمة بإسرائيل في ساحة الحرب"!
أي إنّ "التسوية" المُستهدفة، بتعبيرٍ آخر، هي عملية شاملة، ومُستدامة، تستهدف إعادة بناء منظومة القيم والمُعتقدات والهُويّة العربيّة وفق المنظور الإمبريالي الصهيوني، وتنهض على ترويض وعينا باليقين في استحالة هزيمة المشروع الاستيطاني الإحلالي، والقبول بإمكانيّة الحياة في ظلّ الانصياع لإملاءاته، والخضوع لشروطه، وفي الحيّز الذي يرتضيه، أو بحسب تعبيرات "إسحق شامير"، الإرهابي الصهيوني العتيد: "إنّ التسوية لن تتحقّق قبل أن ينتزع العرب من عقولهم ما يُحَدِّثُ بالعداء للصهاينة"!
ومن المعلوم أن هجمات "التطبيع" (العربي - الصهيوني)، شهدت ثلاث موجاتٍ مؤثّرة متوالية، الأولي: في أعقاب اتفاقية "كامب ديفيد" التي وقَّعها النظام الساداتي عام 1979، مع الكيان الصهيوني، والثانية: في التسعينات في أعقاب اتفاقية "أوسلو" 1993، والاتفاقية الأردنية - الإسرائيلية عام 1994، والموجتان انطلقتا تحت شعار "الأرض مُقابل السلام".
أمّا الموجة الثالثة فهي الموجة الأخيرة التي شهدت "تطبيعًا" كاملًا للعلاقات بين عددٍ من أبرز دول الخليج (الإمارات، و البحرين ) والكيان الصهيوني، ومصدر الخطر الأكبر في هذه الموجة أنها أتت مع دول ليست من دول "الطوق"، ولم تكن، في يوم من الأيام، في اشتباكٍ مُباشر مع العدو، والأخطر أنها "تطبيع" مجاني تم مقابل "اللاشيء!"، مع دول الخليج التي تمتلك المخزون الأكبر من احتياطي النفط والغاز العالميين، ومن القدرات المالية الهائلة، وهي بهذا تُحقق المطامع الإسرائيلية الأساسية التي عبر عنها ببلاغة "اسحق رابين"، الزعيم الصهيوني الأسبق، في معرض انتقاده لمعارضيه من حزب "الليكود": "إن هؤلاء يقيسون قوة إسرائيل بمساحة ما تستولي عليه من أراض. أما نحن، فنقيس قوة إسرائيل بمساحة ما تُسيطر عليه من أسواق" (جريدة "الأهرام، 14 / 11 / 1994).
ويُشير بعض الخبراء إشارةً صحيحةً إلى وجه التشابه بين إجراءات عملية "التطبيع" الحالية، ومكوّناتها ومقوّمات "التحالف الاستراتيجي"، ذي البُعد العسكري والأمني، بقيادة الكيان الصهيوني، لتحقيق السيطرة الأمريكية - الإسرائيلية على المنطقة ومُقدَّراتها، وهو ما قد أُشيع عن قُرب التوصل لعقده مع نُظمٍ عربيةٍ أخرى. في السابق، تحت مُسميات عدة، منه "الناتو" العربي؛ الأمر الذي يمنح العدو الصهيوني ميزات عديدة، منها التماس مع مواقع استراتيجية فائقة الأهمية، في البحر الأحمر وباب المندب والمُحيط الهندي، مما يُمكِّنها من الإشراف المُباشر على مجموعةٍ من أهمّ طُرق الملاحة البحريّة الدوليّة، ويُتيح للعدوّ عُمقًا استراتيجيًّا في البحر الأحمر يتمكن عبره من رصد أي نشاط عسكري عربي في المنطقة، ويكسر بواسطته العزلة التي فُرضت عليه في السابق، بواسطة الحصار العربي الاقتصادي والسياسي.
ومعلوم أن هذا التطور السلبي في الموقف العربي، يُزيد من حدة الخلافات الداخلية والبينية العربية، ويُعمق من مظاهر تفكيك الجسد العربي الواهن وانقساماته العميقة، ويُضاعف من المخاطر الوجوديّة التي تتعرّض له أكبر الدول العربيّة وواحدة من أهم مقوّمات تماسكها: مصر، التي تُحاصرها تهديداتٌ عميقةٌ من الجنوب: (الحرب الأهليّة في السودان ، ومخاطر سدّ النهضة الأثيوبي)، والغرب: (الانقسامات الليبيّة والمخاطر البيئيّة)، والشرق: (الأطماع الصهيونية والإرهاب الكامن)، والشمال (مخاطر الهجرة غير الشرعية)، فضلًا عن المشكلات الداخليّة المُتراكمة: الفقر والبطالة والديون وتدهور الخدمات والتضخم والاحتقان المُجتمعي... إلخ، وهي أمورٌ تصب، بالكامل، في غير صالح شعوبنا، وتدفع تجاه تراجع الدور الريادي المصري التقليدي في المنطقة لصالح العدو الصهيوني، وتحت هيمنته وقيادته، وعلى حساب المصالح الوطنية والقومية العليا، ويؤثّر سلبيًّا، وبشدّة، على مجمل أوضاع ومسارات القضيّة الفلسطينيّة، ويدفع المسار تجاه صالح عدونا التاريخي!
ومن هنا فلا غرو من اعتبار مناهضة مشروعات "التطبيع" وإفشال مُخططاتها الراهنة والمُستقبلية، هي المدخل الطبيعي لهزيمة المشروع الصهيوني المُتلمّظ لافتراس ضحيته، وهو مقدمة أساسية، لا غنى عنها، لعملية إحياء حركة المقاومة الشعبية العربية في مواجهة مشروع الهيمنة الصهيو - أمريكية على المنطقة ومواردها وإرادتها أيضًا.
وتكتسي "التجربة المصرية" في مقاومة "التطبيع" بكل أشكاله ومستوياته، أهمية كبيرة في هذا السياق، فهي تجربة ناجحة بشكلٍ ملحوظ، بالنظر إلى أن النظام المصري الرسمي كان أول من أقدم على فعل "التطبيع" المشين، ورغم ذلك فقد جعلت حركة المثقفين الوطنية، التي انضمت لها جموع الشعب عبر عشرات النقابات والهيئات العُمالية والمهنية والجماهيرية، التي استنكرت وأدانت ورفضت هذا المنحى الخطر، وصمدت منذ أواخر سبعينات القرن الماضي وحتى الآن، في مواجهة ضغوط هائلة من السلطة والولايات المتحدة ودول الغرب والعدو الصهيوني، وأشياعهم، وظلت مُحافظة على تماسكها في مواجهة "التطبيع" حتى الآن. ومن جماع دروسها وخبراتها، يمكن استخلاص هذه الأفكار المُفيدة التي تسهم في بناء "جبهة عربية لمقاومة نهج التسوية والتطبيع":
• يتطلب النجاح في إنجاز هذه المُهمة المصيرية إعادة بناء منظومة الوعي العربي بوجوب هزيمة مُخططات الإلحاق، والتبعية، والهيمنة الإمبريالية وتجلياتها الصهيونية في بلادنا، وأبرز مظاهرها: جهود "تطبيع" الوضع مع العدو الرئيسي للأمة، وهو أمر يحتاج - إضافةً للجهد المُستدام لتعظيم أنشطة مقاطعة كل ما يمت للعدو بصلةٍ على المستوى الاقتصادي - تكثيف الجهد لحماية الثقافة العربية من المحاولات الدائبة لاختراق مناعتها، انطلاقًا من مقولة "ميلان كونديرا" التي تُعَرِّفُ "الثقافة" باعتبارها: "ذاكرة الشعب، وتفريغ أمّة من ثقافتها، أي من ذاكرتها، وأصالتها، يعني الحُكم عليها بالموت".
• ومن نافل القول: إعادة التأكيد على أنّ بوابة الولوج لهذه المداخل هو النجاح في تجاوز حالة الانقسام في الصف الفلسطيني، وتحقيق وحدة الإرادة الفلسطينيّة، وفق برنامجٍ وطني ثوري لقيادة النضال، ينهض على تأكيد الحقوق الفلسطينيّة الثابتة، وإصلاح أوضاع منظّمة التحرير الفلسطينيّة، وتنظيم صفوف الجموع الفلسطينيّة في الداخل والخارج، وبما يضمن استعادة الزخم الكفاحي الفلسطيني، والتأثير الفاعل في تقرير مصير القضية.
• وينبني على ما تقدَّم صحّة التأكيد أنّ أفضل سُبل حصد التضامن العربي والإقليمي والعالمي، يكمن في تصعيد وتيرة الكفاح الشعبي الفلسطيني على كلّ الجبهات، وبكل الأسلحة والأدوات، فهذا وحده الذي يجذب الأنصار، ويجمع المُتعاطفين، ويفتح أبواب التضامن مع القضية العادلة للشعب الفلسطيني في شتى الأنحاء.
• وفي هذا السياق ينبغي الانتباه إلى الأهمية القصوى لوجود الشباب الفلسطيني الثائر ودوره داخل الأراضي الفلسطينية المُحتلة منذ عام 1948، الذي أثبت فاعليته في الفترة الأخيرة، هو الذي كان الكيان الصهيوني يُراهن على عمق دمجه في المنظومة الصهيونيّة، ولصالحها!
• ومن الضروري الاهتمام المُكثّف بالشباب الفلسطيني في شتي مراكز الشتات، فانتشاره في أغلب بلدان العالم، وإتقانه للعديد من اللغات الأجنبية، ومستوى وعيه وتعليمه، يؤهله لتأدية دور كبير في الدعاية المنهجية للقضيّة، وتنظيم صفوف الأنصار ودعمه من أربعة أركان المعمورة، كما أنّه يمثّل أحد ركائز استمرار القضيّة حيّة وفاعلة في المراحل القادمة.
• ويجب أن يمتد الاهتمام بالشباب ودوره؛ لكي يشمل كل قطاعات الشباب في الوطن العربي، باعتبارها الفئات الأكبر عدديًّا، والأنشط فسيولوجيًّا، وهي صاحبة المُستقبل وحاملة مسؤولياته، وفي هذا المجال ينبغي التركيز على استخدام وسائل التوعية الحديثة، وأدوات التواصل الاجتماعي وما سيطرحه الذكاء الاصطناعي من سُبل وآليات للتوعية والتنظيم، باعتبارها الأقرب لهذه الأجيال، والأسهل في التفاعل معهم.
• ويُفيد في هذا السياق دراسة الكيفية التي يُمكن من خلالها الاستفادة من حالة التفكك البنيوي التي اعترت المشروع الصهيوني في الفترة الأخيرة، وتجلّت واضحةً في التظاهرات المستمرّة التي عمّت الأراضي المُحتلة لشهور مُمتدة، وفي المخاوف التي واكبت صعود قوي التطرُّف العنصري وتصدرها المشهد الصهيوني المُعاصر في الفترة الأخيرة!
• ومن الضروري إعادة بناء حركات مقاومة الصهيونية، و"التطبيع"، ونُصرة القضية الفلسطينية، في شتى الأقطار العربية، وإحيائها، بعد أن هدأت وتيرة أنشطتها وأصاب بعضها الوهن، مُنذ الانفجارات الاجتماعية والسياسية التي عمّت أغلب الدول العربية منذ مطلع العقد الماضي.
• الاهتمام بفضح مُمارسات العدو الصهيوني الإرهابية والعنصرية وتسجيلها، والربط بينها وبين التراث الإجرامي النازي والفاشي، ومُمارسات الفصل العنصري (الأبارتهايد)، واستخدام أدوات التواصل الحديثة لنشر هذه المواد التوثيقية بين القوى الديمقراطية العالمية، والتجمعات الشبابية في الدول الأجنبية.
• الاستفادة من تجربة "لجنة الدفاع عن الثقافة القومية" المصرية، التي تكونت في مواجهة اتفاقية "كامب ديفيد"، وترأستها الكاتبة القديرة د. "لطيفة الزيّات"، وركّزت جهدها تجاه تدعيم الوعي القومي بأبعاد القضية، ومواجهة الأفكار الانهزامية الداعية لقبول الصلح مع العدو التاريخي للأمة.
• استعادة زخم "لجان مُقاطعة البضائع الصهيونية والأمريكية"، التي انتشرت في مصر وأغلب البلاد العربية في أعقاب الانتفاضتين الفلسطينيتين: الأولي والثانية، التي حظيت بإقبال شعبي كبير، ودعم لجان مُقاطعة بضائع المستوطنات وتأسيس حركات المُقاطعة الأكاديمية في الجامعات الأوروبية، وما شابه.
• حفز الأحزاب السياسية والنقابات العُمالية والمهنية، وتجمعات المثقفين والفنانين والأدباء والرياضيين، في شتي البلاد العربية، للإعلان المستمر عن موقفهم المُقاوم لـ "التطبيع"، لما لهم من نفوذ معنوي كبير على قطاعات واسعة من المواطنين، والطلب إلى الأفراد ذوي الحيثية الاجتماعية والشعبية الواسعة (كالمغنين، وأبطال الرياضة، والأدباء المشهورين، وغيرهم) إعلان مواقفهم المؤيدة للنضال الفلسطيني العادل، واحتجاجاتهم على الممارسات الإرهابية الصهيونيّة.
• إنشاء موقع إليكتروني تفاعلي، لمُتابعة الأنشطة "التطبيعية" في شتى البلاد العربية، والتعريف بطرق وأساليب مقاومتها، وربط أشكال العمل القومي المضاد لها، والتنسيق في المناسبات للعمل المُشترك بين لجانها في شتى الأقطار العربية... إلخ.
• تنشيط دور لجان الدعم المادي للشعب الفلسطيني، من أجل تكثيف حملات الإمداد بالأدوية والأغذية، وأطقم الأطباء والاختصاصيين، ومد دوائر الكفاح الفلسطيني بما يقويها على الاستمرار في المعركة، ويسهم في صمودها واستمرار حركتها.
• تنشيط الحملات الاحتجاجية أمام سفارات الدول الأجنبية في الوطن العربي، التي أعلنت عزمها على نقل سفاراتها لدى العدو الصهيوني إلى القدس المحتلة، لإشعارها بتكلفة هذا الإجراء المرفوض بإعلان مقاطعة بضائعها، وإدارة الظهر لشركاتها ومُنتجاتها.
• توفير الإمكانات الضرورية لإنشاء مراكز مُتخصصة لمُتابعة الأنشطة التطبيعية الصهيونية، وكشف العناصر المُتعاونة مع الدوائر الصهيونية، في البلاد العربية، ولفضح البرامج المُموّلة أمريكيًّا وغربيًّا للعبث في المُقررات التعليمية والإعلامية العربية، والترويج للأفكار الصهيونية، ولنشر الدعاوى الكاذبة عن "ثقافة السلام"، وعوائد "التطبيع"، ومكاسب العلاقات مع العدو الصهيوني.
• دراسة خبرات نضال الشعوب وأساليبهم ضدّ العنصرية والاحتلال، التي تكلّلت بالانتصار، (كجنوب أفريقيا وفيتنام على سبيل المثال)، للاستفادة منها في دعم الروح المعنوية لجماهيرنا، وفي ابتداع طرق جديدة للكفاح، وأساليب مُبتكرة للمقاومة.
• الإعداد لعقد مؤتمر قومي لمقاومة "التطبيع" مع العدو الصهيوني، يضم مُمثلين لجميع اللجان العربية الشعبية العاملة في هذا المجال، لكي يصيغ، تنظيميًّا وفكريًّا، إطار العمل في هذا المجال المُهم، ويكون مسؤولًا عن التنسيق بين جهود مكوناته، وتطوير حركتها، والتخطيط لأنشطتها ذات الطابع العربي الجماعي.

