Menu

الاسرى لدى المقاومة: أهلا بكم في مطار الثورة¹

ثائر أبو عياش

شكل حجم الخسائر في "طوفان الاقصى" بالنسبة للاحتلال ضربة قاصمة للعمود الفقري للجبهة الداخلية، وخصوصاً على صعيد الأسرى التي تمكنت المقاومة من اختطافهم من داخل المستوطنات المحاذية لغلاف قطاع غزة والمواقع العسكرية أيضاً، وبحسب الاعلام العبري هناك أكثر من 150 أسير لدى المقاومة، ويتنوع  الأسرى بين من هو ضابط وجندي في جيش الاحتلال، بالإضافة إلى من هم من سكان المستوطنات المحاذية لما يعرف باسم "غلاف غزة"، يُضاف إلى ذلك وجود مجندات/ نساء في جيش الاحتلال، وبطبيعة الحال لم يُكشف حتى كتابة هذه السطور عن الرقم الحقيقي لعدد الأسرى الإجمالي سواء من طرف المقاومة أو حتى من طرف الاحتلال.

حتى نستطيع إدراك عما نتحدث نقوم بالعودة قليلاً إلى الوراء في التاريخ الفلسطيني، حيث على طوال شهر كامل في صيف 1970 أرسلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين خبراء إلى موقع "مطار داوسون" البريطاني المهجور في الصحراء الأردنية، كان ذلك بقرار حازم من الشهيد "وديع حداد"، وبالفعل أجرى المهندسون فحوصات سرية على المهبط واستنتج "وديع حداد" أن أرض المطار صلبه وتتحمل هبوط طائرات ضخمة، وقال "حداد" آنذاك: " ستكون عملية ضخمة ستهز العالم".

قبل الدخول بعمق في تفاصيل قصة "مطار الثورة" وذلك من أجل تشريح الفرق ما بين عام 2023 "طوفان الأقصى" وعام 1970 "مطار الثورة"، فقط لعب التطور التكنولوجي ووسائل الاتصال الاجتماعي وسرعة تناقل مقاطع الفيديو والصور دور كبير في جعل أرقام الأسرى التي اختطفتهم المقاومة ذات تأثير قوي على سيكولوجية الجماهير الفلسطينية، وخصوصاً على الأجيال التي ولدت ما بعد اتفاق أوسلوا، ومن زاوية أخرى تُعتبر عمليات خطف الطائرات في تلك الحقبة من أجل إشهار القضية الفلسطينية من جهة، ومن جهة ثانية من أجل تدفيع النظام الإمبريالي الثمن بدعمه للكيان الصهيوني، وعلى حد وصف المناضلة "ليلى خالد" في هذا السياق كان الهدف من هذه العمليات "إن هناك حرباً، هناك قضية في الشرق الأوسط"، وفي هذا الصدد يقول أحد مقاتلي الجبهة الشعبية للأسرى الذين كانوا داخل أحد الطائرات التي نجحت في الهبوط على "مطار الثورة": " أن خطف الطائرتين مرتبط بتحرير أسرانا، وأننا لسنا هواة خطف وترويع، بل أصحاب قضية عادلة، وأن الإمبريالية العالمية حليفة العدو الإسرائيلي، مغتصب أرضنا"، بالإضافة إلى كل ما سبق في هذا الصدد تختلف بطبيعة الحال ظروف الصراع في حقبة السبعينات عما يجري في عام 2023 "طوفان الأقصى" سواء على مستوى الإمكانيات، وأكثر على مستوى أن الثورة الفلسطينية كانت تُمارس نشاطها خارج فلسطين المحتلة وليس من داخل الأرض المحتلة.

بالعودة إلى مطار الثورة، فقط قامت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عبر عملية أمنية معقدة قادها الشهيد "وديع حداد" باختطاف أربعة طائرات من مختلف الخطوط الجوية الدولية وذلك في 6 سبتمبر/أيلول 1970، وفي هذا الصدد كانت الطائرة الأولى هي أمريكية تحمل اسم " TWA" متوجهة من "تل أبيب" إلى مدينة نيويورك، وقد تم السيطرة على الطائرة في المطار الألماني، أما الطائرة الثالثة كانت متوجهة من مدينة زيوريخ في سويسرا إلى نيويورك وتحمل اسم Swis air"" وهبطت هي الأخرى بنجاح في مطار الثورة، أما فيما يخص الطائرة الثالثة فقط كانت متوجهة من بلجيكا إلى نيويورك وتحمل اسم "Pan Am الأمريكية²"، أما طائرة العال الإسرائيلية وهي الطائرة الرابعة التي كانت تُسافر  من أمستردام فشلت بالوصول إلى مطار الثورة، واستشهد المناضل اللاتيني " باتريك ارغويللو" الذي كان برفقة المناضلة "ليلى خالد" عند محاولة خطفها، وتم اعتقال المناضلة "ليلى خالد" آنذاك في لندن.

لم تتوقف حدود القصة إلى هنا، ففي 9 أيلول 1970 قام أحد أنصار الثورة الفلسطينية _ كان يُسميه الشهيد وديع حداد بمروان وهو سوري الجنسية_ بخطف طائرة "BOAC البريطانية" بقرار فردي في مطار البحرين وتوجه فيها إلى "مطار الثورة"، وقبل هبوط الطائرة تلقى الشهيد وديع حداد إشارة بوجود طائرة تُريد الهبوط في "مطار الثورة"، وآنذاك أعتقد وديع حداد أن ما يجري خطة صهيونية للقضاء عليهم، ولذلك طلب أن يقول الخاطف كلمة السر، وبالفعل قال الخاطف الكلمة والتي كانت "ورق عنب وكوسا"، حيث كانت الشهيد وديع حداد يُحب هذا النوع من الطعام.

تمكنت الجبهة الشعبية من تنفيذ هذه العملية بعد إضاءة مدرج المطار بما يعرف "بتنكات المازوت" على طول مهبط المطار، وكان طعام المقاتلين معلبات من لحم وجبن وسردين، وفي سياق منفصل بلغ عدد الأسرى في هذه العملية 465 أسير تختلف جنسياتهم، وأعلنت الجبهة الشعبية بعد ذلك عن إطلاق سراح الأطفال والنساء والغير المعنية بهم، وأبقت على قرابة 70 أسير معظمهم من الإسرائيليين وتم عزلهم في منطقة مجهولة.

إذاً هي ليست المرة الأولى التي تُمارس فيها الثورة الفلسطينية مثل هذا النمط من المقاومة، وفي سياق متصل كان الهدف الرئيسي لعملية "مطار الثورة" هو الإفراج عن أسرى من الجبهة الشعبية في سجون الاحتلال والسجون الأوروبية وعلى رأسهم المناضلة "ليلى خالد"، وما أشبه اليوم بأمس تقوم المقاومة في قطاع غزة عبر "طوفان الأقصى" بأسر عدد كبير من الأسرى وذلك من أجل تحرير الأسرى في سجون الاحتلال كهدف أساسي، وربما هنا علينا دعوة المقاومة للضغط من أجل الإفراج أيضاً عن المناضل القومي "جورج عبد الله" من السجون الفرنسية.

 لم تكن جرأة المقاومين في عملية "مطار الثورة" أقل مما عليها اليوم في "طوفان الاقصى"، حيث يقول أحد الأسرى الذين أفرجت عنهم الجبهة لأنها غير مهتمة بهم: " أدركنا أنهم منتشرون في الطائرة، لقد كانوا متمكنين جداً، ويعرفون ماذا يفعلون، لقد قاموا بتفجير الطائرات بشكلٍ منظم، وكانوا لطفاء جداً ومتعاونون ومتحضرين ورائعين، ولقد أحبوا الأطفال وهذا الأمر لاحظه الجميع ".

بناء عما سبق تختلف أنماط المقاومة في تنفيذ العمليات بحسب طبيعة المرحلة، وفي سياق منفصل لم تكن عملية "مطار الثورة" أقل صدى على الصعيد الدولي كما هي عملية "طوفان الاقصى" اليوم، وهذا إذ يُدلل على أن الثورة الفلسطينية قادرة دوماً على أن تًسمع صوتها للعالم رغم كل الظروف الصعبة والمعقدة، وفي هذا الصدد قال مناضلي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بعد أن عمّت فرحة تناثر أشلاء الطائرات بسبب تفجيرها في عملية" مطار الثورة": "ها قد أسمعْنا صوتَنا إلى العالم الظالم. نعمْ أسرانا.. أو فلينفجر هذا العالم.

_____

¹. تم اقتباس العنوان من مقال للراحل القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ماهر اليماني، مجلة الآداب، 2017.

². تم توجيه الطائرة الثالثة إلى بيروت ومن ثم القاهرة، حيث هناك قام المناضلون بتفجيرها بعد تحرير الرهائن.