من جديد يفرض سؤال الشاعر العراقي الراحل مظفر النواب نفسه من جديد، إذ قال: " كيف يحتاج دَم بهذا الوضوح إلى معجم طبقي لكي يفهمه؟"، أما البحث عن إجابة من جديد لهذا السؤال ليس بالأمر المهم فعلاً، حيث ينطبق على الدول التي تدعم الاحتلال المثل القائل " الضرب في المَيِّت حرام"، وهذا ما يجعلنا أن نقول: " على الشعب الفلسطيني أن "يقلّع شوكه بيده" اولاً، وأكثر أن يفرض الإجابات بالقوة دونما تردد، إذ بات واضحًا وعلى الملأ أنهم يريدون اجتثاث هذا الشعب للأبد، وعلى هذا الشعب أن يقاتل ما أن يفعل شيء أخر".
لا فكاك إذًا من المواجهة أما مشهد التكالب الدُّوَليّ وانكشاف أكذوبة القانون الدُّوَليّ، إذ الأخير كانوا من خلاله يقومون بدس السم في العسل، وأكثر منذ ذلك كان هذا القانون بمنزلة مصيدة نُصبت للشعوب المقهورة، فقط أُثبت بالفعل أن البقاء للأقوى، بل وعند أول امتحان حقيقي رسب هذا القانون مرة واحدة، بل دفعة واحدة وللأبد، وخصوصًا أمام دماء الأطفال في غزة، إذ تلك الدماء تجعل الكلمات تفلت من عقالها متبعثرة أمام سخرية العالم من استباحة الدَّم حد هذا الجنون، وتفقد الكلمات مصداقيتها بأن يعود الإنسان فعلًا إلى طبيعته.
لا وجود لخلل في الموقف الأمريكي والأوروبي وغيرها من الدول التي جاءت تُبارك قتل الشعب الفلسطيني، إذ من جديد يُثبت هذا الموقف أن الحرية والديمقراطية جميعها شعارات كاذبة تم تفريغيها من بعدها الإنساني، حيثُ يبقى السؤال هنا: " كيف تعتبر أمريكا أن الحرية حق للإنسان وعندما يُطالب فيها الشغب الفلسطيني تضع قطعة قماش على عينيها، وقطعة قطن في أذنيها؟".
إن الإجابة على السؤال تقول: " لا حرية دونمَا إنسانية، وهذا يعني لا إنسانية دونمَا حرية الشعب الفلسطيني"، أما فيمَا يخص مطالبة هذه الدول أن تُشاهد الحقيقة فلا مفر من عدم الفائدة، إذ من جديد ما فائدة أن تبقى تصرخ على شخصًا مَيِّت، والأهم من كل ما سبق هو أن أمريكا ومن في جعبتها ليسوا على الحياد، أو حتى طرفًا ربما مضطربًا أمامه المشهد، بل هم شركاء في الجريمة، وأكثر من ذلك هم المجرمون الحقيقيون، والمستفيدون من كل ما يجري، إذ الرأسمال لا إنسانية لهُ، ولذلك قبل البحث عن حل لأي مشكلة علينا دومًا الاعتراف بوجود المشكلة، وعليه إن أمريكا وأنيابها في المنطقة هم المشكلة، وهم العدو الحقيقي.
من زاوية ليست بعيدة عما سبق، وتحت القناعة الراسخة أن أمريكا وأدواتها من دول كانوا شركاء في هجرة الشعب الفلسطيني، فقط هرب المستوطنون خوفاً أمام جرأة وشجاعة المقاومين بعد أن قامت الثورة الفلسطينية في 7 تشرين اول/ أكتوبر 2023 بهز عرش الرأسمال في منطقة الشرق الأوسط، ما جعل البعض يُشبه هذا الهروب الجماعي للمستوطنين وهم يحملون حقائبهم "بالتغريبة الفلسطينية"، ويطلقون على هذا المشهد "التغريبة الإسرائيلية"، وهذا يعني من زاوية ما مساوة بين الضحية والجلاد، سواء أكان ذلك بخبث أو غباء أو بتهاون.
إنّ التّغريبَ معناه إبعادُ الإنسان عن وطنِه بحسب قاموس لسان العرب، إذ يعني يصبح غريبًا في وطن آخر، ولمّا كان الفلسطينيون قد أبعدوا عن وطنهم بغير حق، وتحت الخوف والقتل بعد أن قامت عصابات الاستعمار الصهيوني بتشريدهم من بلادهم يحق فعلًا أن ينطبق عليهم هذا المصطلح _ التغريبة_، أما الشعب الصهيوني فهو شعب مستعمر جاء بآلة القتل والاقتلاع والخوف والإرهاب والدمار...، ولن يخرج دون أن يواجه ثورة حقيقة تحت مبدأ صراع الوجود على حد وصف الراحل جورج حبش ، إذ ذلك يعني أن الشعب الصهيوني هو فعلًا غريبًا ولكن ليس بمشهد رحيله عبر عملية اقتلاعه من أرض فلسطين، بل هو غريبًا منذ أن وطأت أقدامه على هذه الأرض.
يأتي هروب المستوطنين في سياق مرحلة التحرر الديمقراطي التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وفي سياق منفصل لا يمكن المساواة بين رواية الرازحين تحت وطأة الاضطهاد، والقمع، والقهر، وهم الشعب الفلسطيني، وبين رواية من لا يمتلك بالأساس رواية وهم بطبيعة الحال الشعب اليهودي المستعمِر، حيث لا يعتبر الأخير جزء أصيل من أرض فلسطين، إذ لم تقم الثورة الفلسطينية بطرد الشعب الصهيوني عبر العبور التاريخي في 7 أكتوبر، بل كان هذا العبور هو جزء من عملية التحرير التي تأتي في سياق التراكمات التي في خزينة المقاومة، وعليه نُكرر هم فعلًا غرباء.
يقول الشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم: " سنوات التيه في سيناء كانت أربعين.. ثم عاد الآخرون.. ورحلنا يوم عاد الآخرون.. فإلى أين؟ وحتامَ سنبقى تائهين.. وسنبقى غرباء؟!"، إذ ربما كان المشهد كذلك أن الشعب الفلسطيني كان غريبًا وتائه ولذلك سأل القاسم: " حتامَ سنبقى غرباء؟!"، حيث هنا يأخذنا مشهد العودة إلى حجرته، إذ عاد اليهود ورحل الشعب الفلسطيني، وأصبح الأخير تائه، ولكن المقاومة اليوم تًجيب الشاعر القاسم، إذ تقول لهُ: "أنَ العودة من المكان الذي جاء اليهود منهُ بات قريبًا حيث هم الغرباء، وحتامَ لن يبقى الشعب الفلسطيني غريبًا، والعودة من المنفى أمر لا مفر منهُ، ولن يبقى هذا الشعب غريباً".
إذاً هي فلسفة العودة، حيث الشعب الفلسطيني سيعود منتصراً، والشعب الصهيوني سيعود مهزوماً، وأكثر الشعب الفلسطيني سيعود إلى وطنه، والشعب الصهيوني سيعود غريباً كما جاؤوا به إلى أرض فلسطين، وهنا نتذكر غسان كنفاني ونقول: " إن شعب عن شعب يفرق"، بل ونتذكر ما قاله يوماً الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش عن العودة في قصيدته "مأساة النرجس ملهاة الفضة":
وكانوا يعرفون طريقَهم حتى نهايته وكانوا يحلمونْ
جاؤوا من الغد نحو حاضرهم.. وكانوا يعرفونْ
ما سوف يحدث للأغاني في حناجرهم.. وكانوا يحلمونْ
بقرنفُل المنفى الجديدِ على سياجِ البيت، كانوا يعرفونْ
ما سوف يحدث للصقور، ويحلمونْ
بصراعِ نرْجِسِهم مع الفردوس حين يصير منفاهم، وكانوا يعرفونْ
ما سوف يحدث للسنونو حين يْحرقه الربيعُ، ويحلمونْ
بربيع هاجسهم يجيءُ ولا يجيءُ، ويعرفونْ
ما سوف يحدُث حين يأتي الحُلْمُ من حُلُمٍ
ويعرف أنه كان يحلمُ
يعرفُون، ويحلمُون، ويرجعُون، ويحلُمون، ويعرفُون، ويرجِعُون، ويرجعُون، ويحلُمون، ويحلُمون، ويحلمُون، ويرجعُونْ

