مرّ عام كامل على وصول رئيس حزب تحالف اليسار الجذري اليوناني «سيريزا» ألكسيس تسيبرس الى سدة الحكم في اليونان، في أعقاب الفوز التاريخي لليسار في انتخابات 25 كانون الثاني 2015، بعدما حكم اليمين البلاد لمدة 60 عاما، تخللتها حقبة استلم فيها حزب الاشتراكية الديموقراطية «باسوك» السلطة في العام 1981، بهدف احداث تغيير هيكلي في بنية النظام السياسي اليميني. وبدلا من تقدم التيار اليساري على اليمين المحافظ الذي ارتكب جرائم تاريخية فادحة في حق الشيوعيين واليساريين والتقدميين بانتصاره على «الحزب الشيوعي» اليوناني واليسار في الحرب الاهلية في العام 1949، نتج عن حكم «باسوك» تكوين ثنائية حزبية مع حزب «الديموقراطية الجديدة» اليميني تناوبت على الحكم بين عامي 1974 و2014.
اليسار يفكر واليمين يحكم
ساد طوال 60 عاما في اليونان شعار «اليسار يفكر واليمين يحكم»، إلى حين فوز «تسيبرس» ووصوله الى السلطة، فرفع حينها شعار آخر وهو «اول مرة يسار»، وأضحت الفرصة مؤاتية لاقتران النظرية بالتطبيق الفعلي. ودخل اليسار في تجربة الحكم متحليا ـ ربما - بافضل الاراء والبرامج والحلول، لكنها بقيت متوقفة على القدرة على تنفيذها في حكم البلاد. فكان عليه أن يثبت انه لا يتسلح بالأفكار اليسارية فقط، بل قادر على تطبيقها على أرض الواقع، كي لا يعود الى حضانة القوى اليسارية المعارضة.
وخلال عام واحد في الحكم، سجلت تطورات دراماتيكية تخطى أثرها السياسي والإيديولوجي الـ 365 يوما. فقد خاض «تسيبرس» مفاوضات حامية الوطيس مع دائني اليونان، الأمر الذي قاده الى اعلان الاستفتاء الشعبي بتاريخ 5 تموز 2015 حول قبول الشعب بالإجراءات التقشفية، وفاز فيه بنسبة 62 في المئة ليخوض 17 ساعة من المفاوضات في بروكسل (بتاريخ 12 تموز) تخللها اقفال المصارف لمدة اسبوع، وفرض رقابة على حركة رؤوس الاموال لا تزال سارية المفعول حتى الساعة، ورضوخ لشروط القوى النيوليبرالية الاوروبية والدولية. فوقّع على عقد اقتراض ثالث بقيمة 86 مليار يورو، ما أدى الى تفسخ حزب «سيريزا» وخروج التيار اليساري والشيوعي منه ليعلن تسيبرس عن انتخابات مبكرة حقق فيها فوزا بتاريخ 20 أيلول الماضي، وتمكن من اعادة رسملة المصارف المحلية بقيمة 5.7 مليار يورو، وتحقيق بعض الانجازات الاجتماعية، وصولا لحضوره بصفته رئيس حكومة يساري «منتدى دافوس» الاقتصادي النيوليبرلي.
ومرة جديدة، شنّ وزير المالية الالماني فولفجانغ شيوبله انتقاداً لاذعاً لتسيبرس في دافوس، فقال على الملأ «إن التطبيق غبي»، مستخدما شعاراً انتخابياً سبق لبيل كلينتون أن رفعه، فالنيوليبرالي الألماني يصرّ على أولوية تطبيق اليونان للشروط التقشفية الواردة في عقد الاقتراض الثالث من دون اي تقاعس أو تلكؤ ومهما كان الثمن الاجتماعي باهظاً. وفي المقلب الآخر، يصرّ تسيبرس على تقدم عامل الصراع الطبقي في اليونان، ويرى أنّ النظام القائم في اوروبا يعتمد وصفات شمولية خاطئة. فقد ركز في خطابه الاخير على ابراز الصراع الطبقي، متهما معارضه الداخلي، رئيس حزب «الديموقراطية الجديدة» اليميني كرياكوس ميتسوتاكيس، بأنه يمثل طبقة الاثرياء والاقلية الطبقية المحلية والنيوليبرالية المتحكمة بالقرار الاوروبي، في حين يؤكد أن اليسار يعتمد في حكمه على الاكثرية الطبقية ويناضل من اجل حماية مصالح ومكتسبات الطبقات الشعبية، وان التحالف القائم بين الطبقة الوسطى والعمالية قادر على احداث التغيير وخروج اليونان من أزمتها المالية. وفي المقابل، اتهم ميتسوتاكيس غريمه اليساري بأنه يمثل النيوماركسية، وأن حكومته تأجج الكره الطبقي، وان ما يهم الشعب اليوناني ليس الصراع الايديولوجي الضحل أبداً.
من الواضح أن النيوليبرالية الاوروبية والدولية (صندوق النقد الدولي) تغلبت بفارق كبير على حزب «سيريزا» اليساري، الذي زرع بذرة التحرر من السيطرة الرأسمالية، لكنه استسلم خائرا امام مقصلة الدائنين والسادية الاوروبية التي اعتدت على الشعب اليوناني لانه تجرأ على المطالبة بحقوقه الديموقراطية وحقه في تقرير مصيره، وبرغم تطبيق حكومة اليسار اليوناني لـ 80 في المئة من شروط المقرضين، اذّ ارتفع الدين العام الى حوالي 200 في المئة من حجم الناتج الوطني (190 مليار يورو). وأعاد واقع الازمة المالية للنظام الرأسمالي المحلي والاوروبي والعالمي احياء مصطلحات ايديولوجية ماركسية حاولت الرأسمالية العالمية اخمادها منذ عقود ـ ومنها الصراع الطبقي وطرح أن الرأسمالية هي المسبب الأساسي للازمات الدولية ولصراعها الدائم من أجل المنفعة.
تشهد اليونان حربا طبقية هدفها قلب المكتسبات الاجتماعية والديموقراطية واعادة اليمين الاصيل الى حكم البلاد، ويواجه اليسار جبهتين: نيوليبرالية خارجية يمثلها الدائنون، وداخلية يمثلها اليمين واليمين المتطرف، ولكنه بات يواجـــه أيضا بعد عام من الحــــكم خطر التحول الى حزب شبيه بحزب «باســــوك» الذي فشل في القضــــاء على ممارسات اليمين، لا بل نسخها في تجـربة حكمه للبلاد.
وعلى اليسار ـ ان كان يريد بالفعل ان يكون يسارا حقيقيا - ألا يتحول الى يسار تابع ومدير لدفة الحكم، بل الى يسار قادر على احداث التغيير في النظام السياسي البالي، وان يصارع الظروف القاهرة والصعوبات الواقعية عبر المحافظة على واحات نضرة في الصحراء النيوليبرالية القاحلة والمشتعلة، ويدافع حتى الرمق الأخير عن حقوق الاكثرية الطبقية، في مواجهة هيمنة الاقلية الرأسمالية، ويغيّر النظام برمته ويقلبه راسا على عقب. عليه ان يثبت ان الجديد طليعي والقديم مهترئ، فلا يعتمد في حكم البلاد على الواقعية التي تقوم على تغليب المصلحة العملية على الاعــــتبارات الايديولوجية. عليه ان يبرهن بالفعل ان العامل السياسي اليساري لن ينهار امام ديكتاتورية راس المال.

