Menu

بعض تداعيات حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني

غسان ابو نجم

خاص - بوابة الهدف

 

 

كتب غسان أبو نجم*

 

أعتقد أنه من المبكر البحث في تداعيات الحرب النازية الصهيونية على شعبنا الفلسطيني في كافة أرجاء الوطن فالحرب لم تزل مستعرة ويسطر المقاومون الفلسطينيون آيات من البطولة والتصدي ستدرس في كافة المدارس العسكرية العالمية وسيكتب التاريخ وبحروف من ذهب القدرات العسكرية للمقاومة الفلسطينية من حيث الإعداد والتدريب والتجهيز اللوجستي للمعركة والحنكة السياسية التي تدار بها المعركة ولكن يمكن لنا أن نؤشر إلى محورين هامين ظهرا جلياً إبان المعركة

الأول سقوط منظومة القيم الأخلاقية والإنسانية للمجتمع الدولي الغربي.

الثاني السقوط الفعلي لأسطورة الجيش الصهيوني الذي لا يقهر  لم تكتفي دول العالم الغربي الفرانكفوني بالدعم السياسي للكيان منذ أنشأته وإنكار الحق الفلسطيني في أرضه وإحلال عصابات الإرهاب المارقون بدل السكان الأصليين في فلسطين وإحباط أي قرار أممي يدين الكيان الصهيونى أو يحاول إنصاف الشعب الفلسطيني وهذا بات معروفاً للقاصي والداني ولكن ما أود الإشارة له هنا سقوط منظومة القيم الإنسانية والأخلاقية للدول الغربية الإمبريالية والتي تشدق بها لمئات السنين. ويقف على رأس هذه الدول الولايات المتحدة الأميركية التي لم تكتفِ بالدعم المطلق للكيان الصهيونى عسكرياً ومالياً وسياسياً والتغطية الكاملة على الجرائم التي يقوم بها بحق المدنيين نساء وأطفال وشيوخ وتعطيل أي قرار لتقديم المساعدات لأهلنا في غزة وشيطنة أي منظمة حقوقية عالمية ترصد وتوثق حالات الإعدام اليومي وقصف المنازل فوق رؤوس ساكنيها وضرب المستشفيات وتدمير البنية الصحية للمجتمع الفلسطيني وتجريف البيوت والأحياء ودوس العزل بالجرافات واعتقال الشيوخ والرجال والشباب ووضعهم عراة في الساحات والملاعب وتقوم بتعذيبهم وتجويع شعب بأكمله وتركه يبحث عن شربة ماء ولقمة خبز يسد بها رمق جوع أطفاله كل هذا يتم أمام أنظار المجتمع الدولي دون التحرك لوقفه أو التجرؤ على إدانته ليكشف بكل وضوح خضوع القيم الإنسانية والأخلاقية للمنظومة السياسية للغرب الرأسمالي وان التشدق بحقوق الإنسان والعدالة مجرد شعارات زائفة وإن المنظمات الإنسانية والحقوقية التي يغص بها هذا ألعالم الرأسمالي هي واجهات ديكورية تخدم النظام السياسي لتلك الدول التي تتباكى على مقتل ثلاثة من الأسرى الصهاينه الذين قتلهم جيشهم بطريقة الخطأ بينما لم تهتز مشاعر عجوز البيت الابيض الخرف ورئيس الوزراء البريطاني وماكرون زعيم دولة القانون لمفتل عشرين ألف فلسطيني وجرح سبعين ألفاً آخرين

لقد أظهرت حرب الإبادة البربرية التي يشنها الكيان الصهيونى هشاشة وكذب وزييف منظومة القيم الأخلاقية والإنسانية التي يتغنى بها المجتمع الغربي وأن هذه المجتمعات تعيش حالة من الفساد الأخلاقي والقيمي والإنساني ويحكمها حالة من التمييز العرقي وعنصريه هوجاء تحكم مواقفها أما الأكذوبة الثانية التي تكشفت بعد الحرب النازية البربرية التي شنها الكيان الصهيونى على شعبنا في غزة والضفة حيث أسقطت المقاومة الفلسطينية مقولة الجيش الذي لا يقهر هذه الصفة ربما اكتسبها من خلال جملة الحروب الوهمية التي خاضها منذ عام ١٩٤٧ منذ تأسيسه حيث لم يخض هذا الجيش حرباً حقيقية لأن هزيمة الجيوش العربية التي واجهها عامي ٦٧و٤٨ كان بقرار سياسي من الأنظمة العربية التي لم تكن تريد حرباً بل تنفيذ أجندة سياسية خطتها الدوائر الإمبريالية لإحلال العصابات الصهيونية بدل الشعب الفلسطيني وتوسيع رقعة التواجد الصهيونى لتصل إلى حدود ٦٧ أما حرب تشرين عام ٧٣ فكانت حرباً تحريكية من أجل ترسيخ اتفاقات استسلامية فكانت اتفاقات كامب ديفيد وزيارة السادات للقدس وخروج مصر من دائرة الصراع العربي الصهيوني وربما الحرب الحقيقية المحدودة التي خاضها هذا الجيش الذي لا يقهر هي حرب تموز عام ٢٠٠٦ حيث أذاقته المقاومة اللبنانيه طعم الهزيمة ووضعت حداً لاعتداء قواته على لبنان أرضاً وسماء إلى أن دخل في حرب هي الأولى من نوعها لهذا الجيش عام ٢٠٢٣ على غزة التي أسقطت وبالكامل مقولة الجيش الذي لا يقهر وأثبتت وستثبت أنه جيش أضعف رغم كل الإمكانيات العسكرية التي لديه من أن ينتصر على المقاومة الفلسطينية فكيف كان ذلك. عندما اتخذت القيادة السياسية للكيان الصهيونى قراراً باجتياح قطاع غزة واضعة أهداف لهذه المعركة القضاء على المقاومة الفلسطينية وتأمين مستوطنات قطاع غزة من الهجمات الصاروخية ودفع أبناء القطاع نحو الهرب والهجرة باتجاه سيناء وبعد إنجاز هذه المهمات السيطرة الكلية على قطاع غزة ضمن رؤية سياسية يتم صياغتها مع النظام الأميركي شريكها في حرب الإبادة

لقد تم وضع هذه الاهداف المعلنة التي تخفي في طياتها تطهير الأرض الفلسطينية من سكانها وخاضت الحرب معتقدة بأنها ستواجه مقاومة وستنتصر وتحقق كافة أهداف ومراحل المعركة  ولكن وبعد مرور تسعين يوماً على الاجتياح البربري النازي لغزة لم تحقق هذه القوات أي من أهدافها سوى حالات الدمار الكامل للمباني والمجمعات وهدم المستشفيات وقتل الأطفال والنساء والشيوخ العزل وقطع امدادات الماء والغذاء والدواء عن شعب غزة وهذا كان ضمن خطة مبرمجة لعزل المقاومة عن حاضنتها الشعبية بينما عسكرياً واجهت مقاومة شرسة فاقت تقديرات كل المحللين العسكريين من حيث التدريب والتجهيز للمقاتلين وللمعركة، لقد واجهوا مقاتلين مدربين على حرب المدن والشوارع. يتحصنون بشبكة أنفاق لم يستطع قادة جيشهم على حل عقدتها يصطادون الآليات والأفراد بحرفية عالية ويوثقون عملياتهم ويخوضون المعركة بتناغم عسكري عالي الدقة والحرفية منعت قوات الاحتلال من التموضع بعد مرور تسعين يوماً على المعركة وتضرب العمق الصهيوني برشقات صاروخية وصلت مغتصبات الشمال وتدمر وتقتل وتجرح قوات الاحتلال ضمن خطط عسكرية فاقت بدقتها وتقنيتها معارك عالمية شهد لها العالم كمعركة التيت التي خاضها الثوار الفيتناميون لتحرير سايغون عبر الأنفاق وتكبدت قواتهم الغازية الآلاف من القتلى والجرحى والمرضى النفسيين بل وصلت أرقاماً يخجلون عن الإفصاح عنها مما دفع بالعديد من قادة الكيان العسكريين والسياسيين إلى التصريح علناً بالهزيمة وضرورة وقف الحرب لإنها لم تحقق أي من أهدافها ومحاسبة المسؤولين عن الهزيمة والمطالبة بعزل نتنياهو وزمرته لأن أي من الأهداف التي أعلنها لم تحقق فلا اطلاق الصواريخ توقف ولم يتم تدمير المقاومة وتحديداً حماس ولم يتم الإفراج عن أي أسير لدى المقاومة ولم يهجر أي غزي بيته متجهاً نحو سيناء ولم يقف أي من أهالي الشهداء والجرحى والمهجرون ليصرخ سوى الموت للاحتلال والنصر للمقاومة بينما يشهد الكيان الصهيوني حالة من الانقسام والتفسخ وعجز في الموازنة والخسائر الاقتصادية ويواجه عراب الحرب الصهيوني نتنياهو مظاهرات ومسيرات تطالب بعزله ومحاكمته على تهم تتعلق بقرار استمراره بخوض الحرب إلى جانب التهم الأخرى المتعلقة بالفساد والرشوة بل تعدت آثار هذه الهزيمة لتطال اليانكي الأميركي الشريك الرئيس للكيان الذي فرغت مستودعات ذخيرته التي زود بها قوات الاحتلال وباقي مجرمي الحرب في بريطانيا وفرنسا بل توسعت دائرة الحرب بعد دخول المقاومة اللبنانية واليمنية على خط المواجهة مع الاحتلال وقرار المقاومة اليمنية بمنع دخول أي سفينة باتجاه الكيان قبل إيصال الغذاء والدواء لأهلنا في غزة أخيراً إننا نواجه قوى وأنظمة تحكمها مصالحها الاقتصادية والسياسية وتصيغ منظوماتها الأخلاقية والإنسانية بما يتناسب مع هذه المصالح ضمن دوائر ومؤسسات تضع يافطات حقوقية وإنسانية لا تخرج عن هذه المصالح والسياسات وما حدث في غزة من دمار وتقتيل وتهجير يندى له جبين الإنسانية لم يدفع أي من هذه المنظمات للمطالبة بمحاكمة أو إدانة الكيان الصهيوني ولكن ما أذاقته المقاومة الفلسطينية لهذه القوى النازيه البربرية كان الرد القاسي على هذا الكيان وحلفائه.

 

*كاتب من الأردن