Menu

تحليلأميركا مشكلتنا لا "إسرائيل"

نبيه البرجي

خاص - بوابة الهدف

 

 

كتب نبيه البرجي*

 

في رأي المؤرخ الأنكليزي نيال فرغسون أن "الايديولوجيا الحديدية على شاكلة الحديد لا تلبث أن تصدأ لتتآكل، ثم لتتفكك أو لتتناثر". باحثون ومعلقون أوروبيون استعادوا هذا الرأي ليطرحوا سلسلة من الأسئلة، حول دور الايديولوجيا (التوراتية) في إصابة "إسرائيل" بالصدأ والتآكل، لتنتهي بالتناثر.

 

كثيرون أخذوا على قادة الدولة العبرية استنساخهم شخصية دونكيشوت حين يتصرفون، خصوصاً أثناء الحروب، كما لو أنهم في أمبراطورية لا في دولة تدين ببقائها، وحتى بوجودها للولايات المتحدة، حتى أنها في حرب ضد حركة مسلحة، لا تملك الدبابات ولا القاذفات ولا الغواصات، لم تتمكن من البقاء في الميدان سوى لأيام قليلة، قبل أن تستغيث بإدارة جو بايدن لتزويدها بالأعتدة وبالقنابل، ناهيك  عن الاحداثيات الاستخباراتية التي تمكّنها من المضي في القتال .

 

منذ عام 1948، هذه هي المرة الأولى التي تضطر فيها "إسرائيل" إلى خوض حرب تمتد لأكثر من ثلاثة أشهر، دون تحقيق أي هدف سوى اللجوء إلى تلك الطريقة الكلاسيكية بالتدمير المنهجي والأعمى للمدن وللمخيمات، مع عجز كلي عن "إطفاء النيران في صدور الفلسطينيين"، بحسب جنرال الاحتياط يارين ليفي، الذي يعتبر أن كل الضباط والجنود الذين سقطوا هم ضحايا قيادة مجنونة لا تتردد في "دفعنا إلى الهاوية".

 

الحدث الأبرز الذي يعكس مدى التصدع داخل "القيادات الإسرائيلية"، نزاع بين بعض وزراء مجلس الحرب ورئاسة الأركان حول تشكيل لجنة للتحقيق في أحداث 7 تشرين، بعدما كان بنيامين نتنياهو قد انتقد تقصير الأجهزة الأمنية في رصد الاستعدادات التي قامت بها حركة حماس لتنفيذ عملية طوفان الأقصى.

 

وإذا كانت الحرب في لبنان قد دفعت مناحيم بيغن، وهو نبي اليمين في "إسرائيل"، إلى العزلة بانتظار الموت، كما دفعت بآرييل شارون إلى الغيبوبة ليبقى 8 سنوات في الموت السريري، مؤشرات كثيرة تدل على أن حرب غزة قد تحمل نتنياهو على الانتحار على طريقة أدولف هتلر، وهو ما توقعه المحلل الاستراتيجي الأميركي بول بيلار .

 

بيلار تحدث عن إصابة جو بايدن بالشيزوفرانيا، إذ يدعو "الحكومة الإسرائيلية" إلى الحد من وتيرة العنف ضد المدنيين الفلسطينيين، ثابر على مدها بكل ما يلزم للقتل والتدمير، مستغلاً حال الغيبوبة في العالم العربي، بعدما كان قد تنبّه إلى التداعيات العالمية لما يحدث، ما يهدد ليس فقط "إسرائيل"، وإنما أيضاً "مستقبل الشعب اليهودي".

 

في هذه الحال، من يراهن على الديبلوماسية الأميركية في التوصل إلى حل الدولتين، أو في الحيلولة دون توسع الحرب لتفجير الشرق الأوسط؟ ها هو دونالد ترامب يلاحق بايدن بأسنان دراكولا. نائبه مايك بنس زار موقعاً للجنود الذين يحملون الجنسية الأميركية في جبهة الشمال، ليوقع على قذائف مدفعية موجهة إلى المدن والقرى اللبنانية، مع عبارة "الله يبارككم". أي إله ذاك الذي يبارك القتلة ؟

 

زيارة أنتوني بلينكن لأنقرة، كأول عاصمة في جولته الشرق أوسطية، كانت للطلب من رجب طيب أردوغان الضغط على قادة حماس لوقف المواجهة، مع ضمان سلامتهم بالانتقال والإقامة في تركيا ، أي أن على هؤلاء القادة أن يرفعوا الرايات البيضاء لإنقاذ نتنياهو، بالأحرى لإنقاذ "إسرائيل" التي أظهرت يوميات الصراع مدى هشاشتها، ومدى قابليتها للانكسار (كعملاق تكنولوجي) حين تقاتل من يصمم على الوقوف في وجهها.

 

الدولة العبرية أمام أزمة وجودية. 169 قائداً عسكرياً سابقاً بعثوا برسالة تأييد إلى هرتسي ليفي، وحيث الغضب في الميدان "نحن نحارب الأعداء ومجلس الوزراء يحاربنا".  هل نتوقع أن ينقض الجيش على الحكومة كسبيل وحيد للتخلص من "أعداء الداخل" ؟

 

الأميركيون خائفون من أن تتفلت الأمور من أيديهم . "الإسرائيليون" أبلغوا آموس هوكشتاين ما مؤداه "إذا لم يوجد حل ديبلوماسي لمهجري الشمال، لا بد من الحل الجراحي بتهجير سكان جنوب لبنان".

 

مشكلتنا مع أميركا ـ كنسخة عن القضاء والقدر ـ لا مع "إسرائيل". صديق قديم ل جورج حبش قال لنا "حين تستطيع صواريخنا مثل صواريخ كيم جونغ ـ أون الوصول إلى نيويورك، آنذاك يتغير الشرق الأوسط . الآن ... دوران في الحلقة المفرغة!

*كاتب وصحافي لبناني