Menu

مفاجأة "طوفان الأقصى" والمأزق الوجودي للاحتلال

إبراهيم أبو ليل

"كتب إبراهيم أبو ليل"

تتواصل جرائم الإبادة الجماعية بحق أبناء قطاع غزة، التي لم تتوقف منذ بداية العدوان الصهيوني على القطاع، في أعقاب عملية "طوفان الأقصى" التي نفذتها كتائب القسام رداً على اقتحامات المستوطنين الإسرائيليين للمسجد الأقصى المبارك، والتي شكلت مفاجأة أذهلت جميع المراقبين، بوصفها عملية غير مسبوقة لم يشهدها الكيان الصهيوني منذ إقامته واغتصابه ل فلسطين عام 1948، وشكلت تحدياً استراتيجياً يهدد المستقبل الوجودي  لـ"إسرائيل" والصهيونية في المنطقة. وجاءت عملية "طوفان الأقصى" لتبدد الأوهام التي سادت في الأوساط الإسرائيلية، وخصوصاً في المستويين السياسي والعسكري اللذين اعتقدا أن الحكومة الإسرائيلية تخلصت من المخاطر الاستراتيجية في الملف الفلسطيني، وأنها حصّنت المستعمرات التي أنفقت عليها أموالاً ضخمة، وأوجدت بنى تحتية ومنظومة إنذار مبكر كي تحمي نفسها، وطمأنت جمهورها بأنها حققت له الأمن والأمان، وأن معظم الأنظمة العربية قد قبلوها شريكاً لهم في المنطقة، ما يساعدها على مواصلة مخططاتها الاستيطانية والتهويدية، واستباحة حقوق الفلسطينيين دون أي رادع، وأن الأمور تتجه نحو تحقيق الهدوء والازدهار وتنفيذ المشاريع التي تصل حدودها إلى عواصم عربية بعيدة. 

دلالات عملية طوفان الأقصى
تنطوي عملية "طوفان الأقصى" الجريئة على دلالات كثيرة أمنية وعسكرية وثقافية، إذ أكدت هشاشة الكيان الصهيوني وضعف منظومته العسكرية والأمنية، وأعادت حسابات المستوطنين الصهاينة الذين جاؤوا من مختلف بلدان العالم بناء على دعوات المفكرين والحاخامات اليهود، من أجل الذهاب إلى المدينة المقدسة والتحريض على هدم المسجد الأقصى المبارك وإقامة هيكلهم المزعوم. فقد تحطمت كل المرتكزات التي بنى المستوطنون أوهامهم عليها، وانهارت الأسطورة الخرافية والأوهام التي ينطلق منها قادة المشروع الاستيطاني بأن أرض فلسطين لهم وانهم ينتمون لتاريخ هذه المنطقة.

فعلى الصعيد الأمني أخفقت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في كشف مجموعات المقاتلين الذين دخلوا إلى مستعمرات غلاف غزة، رغم القدرات التكنولوجية وأجهزة الإنذار المبكر التي يمتلكها الكيان الصهيوني، وتتباهى سلطات الاحتلال بأنها تمتلك تقنيات الرصد المتقدمة وأجهزة التنصت والتجسس المتميزة في المنطقة. وقد استطاع المقاومون اجتياز ما يسميه الإسرائيليون "الجدار الذكي" الذي يتكون من أجهزة الكترونية، ولم تمنعهم العوائق التي تعتبرها سلطات الاحتلال أنها عصية على الاختراق، وتمكنوا من الانتقال عشرات الكيلو مترات والوصول إلى المستعمرات الاستيطانية المتاخمة لحدود قطاع غزة بكل ثقة واطمئنان، كما لو أنهم في رحلة ترفيهية. هذه المجموعات المقاومة لم تخترق المستعمرات فحسب بل استولت على معدات ووسائل قتالية وأخذت جنوداً إسرائيليين أسرى، محدثة ضربة في الصميم للمنظومة الأمنية الإسرائيلية، بحسب اعترافات القائد السابق لشعبتي العمليات والتخطيط في الجيش الإسرائيلي، غيورا آيلاند، الذي تولى في الماضي منصب رئيس مجلس الأمن القومي، والذي قال: "إن عدم وصول قوات الاحتلال إلى غلاف غزة في أعقاب الهجوم مباشرة ولا بعد ساعات طويلة منه، سببه أن منظومة القيادة والسيطرة للجيش الإسرائيلي كلّها انهارت".

وعلى الصعيد العسكري حطمت العملية ادعاءات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وأسطورة الجيش الذي لا يقهر، وأثبتت أن هذا الجيش "نمر من ورق" وهزت عقيدته القتالية التي يستند عليها في شن عدوانه ضد شعوب المنطقة، ولم يعد بمقدوره إدامة السيطرة والاحتفاظ بالأراضي التي يحتلها بالقوة. كما أن الجيش الإسرائيلي الذي يحرص على عدم خوض معارك في المناطق التي يحتلها، وينقلها دائماً إلى أراضي الخصم، باغتته المقاومة في معاقله ولاحقته في قلب مستعمراته، مسجلة سابقة لم يعهدها من قبل. ففي عملية طوفان الأقصى تلقى الجيش الإسرائيلي إهانة شديدة وتهشمت صورته أمام الجمهور الإسرائيلي، وفقد ثقة المستوطنين الإسرائيليين الذين يساورهم الشك في جهوزية الجيش وقدرته على حمايتهم، وربما أدرك المستوطنون أخيراً أن العيش على أرض ليست لهم ولا ينتمون لتاريخها، لن يجلب لهم الراحة والهدوء، ولن يجعلهم آمنين أبداً.

 لقد اندفع نتنياهو للعدوان وارتكاب المجازر بشكل جنوني هروباً للأمام، في محاولة للتغطية على الأزمة الداخلية والخروج من المأزق الذي دخله منذ تشكيل حكومته الأخيرة تحت سيطرة الصهيونية الدينية وعتاة المتطرفين اليهود. ولأنه لم يتمكن من الوصول إلى أية أهداف عسكرية تعادل الضربة التي تلقاها في عملية طوفان الأقصى، فقد ذهب إلى استهداف المدنيين العزل وهدم المنازل على رؤوس ساكنيها، واستهداف المستشفيات والمدارس التي تحولت إلى مراكز لإيواء الأطفال والنساء الذين لاذوا إليها من قصف الطائرات الإسرائيلية. واستهدف أيضاً المساجد والكنائس والمؤسسات الإعلامية والاجتماعية، في ظل حصار شديد على قطاع غزة، وقطع الكهرباء والانترنت وتعطيل شبكات التواصل التي عزلت القطاع عن العالم، في الوقت الذي يمنع دخول المساعدات من وقود وأدوية وأغذية، ما أدى إلى تعطيل المستشفيات وخروجها عن الخدمة، الأمر الذي زاد عدد الشهداء من الجرحى والمصابين.   

مأزق الجيش الإسرائيلي والتوغل البري

يواجه الجيش الإسرائيلي تصاعداً متنامياً للمقاومة التي فرضت عليه شروطاً جديدة في المواجهة لم تكن في حسابات القيادة الإسرائيلية، وبرزت تساؤلات تراود أذهان قيادة الجيش الإسرائيلي حول مدى كفاءة القوات البرية في تحقيق "الحسم" حال الدخول في المعركة البرية، حيث إنهم يعلمون أن "الحسم" الحقيقي في المعارك يتم من خلال الهجوم البري ودخول القوات البرية إلى أرض الخصم وطرده، وليس عن طريق النيران بالطائرات الحربية والمدفعية بعيدة المدى. فالاعتماد الكبير على قصف الطائرات أثار الريبة في نفوس قيادة الجيش الإسرائيلي، حول قدرته على احتلال مساحات من الأرض مكتظة بالسكان كقطاع غزة حالما يتم تحييد هذه الطائرات، وتحولت هذه الريبة مع الوقت إلى شيء أشبه بالعقدة النفسية لدى الجيش الإسرائيلي، لا سيما في ظل تطور القدرات القتالية للمقاومين الفلسطينيين في الميدان، وهذه حقيقة أكدها جنود الاحتلال الذين شاركوا في عدوان عام 2014، حيث قالوا: "إن أشرس المقاتلين على الأرض موجودون في قطاع غزة"، بالإضافة إلى تصريح مفوض شكاوي الجنود لدى الجيش اللواء احتياط "يتسحاق بريك" حينما قال "إن المقاتلين في غزة أكثر كفاءة وجرأة من مقاتلينا". فالطائرات الحربية لدى الجيش الإسرائيلي تعدت كونها سلاح دعم ناري للقوات على الأرض، وإنما باتت السلاح الرئيسي والعمود الفقري للجيش الإسرائيلي بخلاف باقي جيوش العالم، ويبقى هذا الأمر أحد التحديات الرئيسية أمام الجيش الإسرائيلي، إذ واصل اعتماده بدرجة كبيرة على استخدام النيران كعنصر حاسم.

لقد أجل نتنياهو الدخول في المعركة البرية لعدم يقينه من قدرة جيش الاحتلال على المواجهة وعدم ثقته بتحقيق أهداف العدوان. وتحت ضغط الجمهور الإسرائيلي الذي يطالبه باستعادة الأسرى الإسرائيليين الذين احتجزتهم المقاومة، وعدم قدرة الجنود الإسرائيليين على البقاء والانتظار لمدة طويلة على حدود القطاع من أجل الدخول في المعركة البرية، فقد لجأ إلى إطالة فترة القصف الجوي وارتكاب المزيد من الجرائم والمجازر المروعة، واعتماد سياسة الدخول البطيء والتدريجي داخل قطاع غزة تحت قصف مكثف من النيران، لكي لا يوحي أنه بدأ بالمعركة البرية ويخلق مبررات لتوسيع نطاق المعركة، ولكي يحافظ على الأسرى بناء على طلب الإدارة الأمريكية. ومن جهة أخرى لكي يوحي للجنود الإسرائيليين أن بقاءهم على حدود القطاع ضروري من أجل التوغل البري. ورغم المجازر والجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي بحق أبناء قطاع غزة إلا أنه واجه مقاومة عنيفة على المحاور التي توغل فيها وتكبد خسائر فادحة. إضافة إلى الضربات التي تلقاها من حزب الله في جنوب لبنان، وقوى المقاومة في الساحات الأخرى، فقد دارت اشتباكات ضارية في الجبهة الشمالية منذ بداية المعركة بين مقاتلي حزب الله وارتقى عدد من الشهداء، فيما استهدف مقاتلو الحزب مستعمرات العدو شمال فلسطين ودمروا عدد كبير من آلياته ودباباته. وعلى صعيد الساحات الأخرى استهدفت المقاومة اليمنية المواقع الإسرائيلية في مدينة إيلات والبوارج الأمريكية في البحر الأحمر، وكذلك استهدفت المقاومة العراقية القواعد الأمريكية في العراق وشرق سورية. 

وإمعاناً في الجريمة، استغل نتنياهو الدعوات الأمريكية والإسرائيلية التي تطالب بحماية الأسرى الإسرائيليين وإعطاء الأولوية لا لاستعادتهم، فذهب إلى تصعيد عمليات القصف الجوي واستهداف المدنيين وارتكاب المزيد من المجازر بشكل يومي، وهدم المنازل بشكل منظم وتدريجي وتسويتها بالأرض، وخصوصاً في منطقة شمال القطاع التي أنذر سكانها بالانتقال إلى جنوب القطاع، من أجل البدء بالتوغل البطيء إلى داخل القطاع، ثم ذهب إلى قصف المستشفيات ومراكز الإيواء التي لجأوا إليها، ولم يتمكن من الوصول إلى أي هدف عسكري أو الأماكن التي يختفي فيها المقاومون، الذين تصدوا للقوات المتوغلة واستهدفوا الدبابات والآليات الإسرائيلية ودمروا العشرات منها بمن فيها، كما لو أن هذه القوات والآليات في مصيدة، كلما تورطت في التوغل أكثر، سهل على المقاومين في القطاع الوصول إليها واستهدافها. 

لقد كشفت عملية طوفان الأقصى البطولية الوجه الحقيقي للكيان الصهيوني وقيادته التي فقدت توازنها، بسبب تكبدها خسائر فادحة في الأرواح والآليات، وعجزها عن تحقيق الغاية التي خرجت للعدوان من أجلها، وباتت أحلامها في انهاء المقاومة الفلسطينية ضرباً من المستحيل، في الوقت الذي تزداد الضغوطات على نتنياهو، من أجل الحفاظ على حياة الأسرى الإسرائيليين وعودتهم إلى ذويهم، الأمر الذي جعله في سباق مع الوقت. ذلك أن العدوان المستمر على قطاع غزة دون جدوى يشكل عبئاً ثقيلاً على الإسرائيليين الذين يمضون كل الوقت في الملاجئ. كما أن الطائرات الإسرائيلية التي واصلت غاراتها واستهدفت المباني والمنشآت وأحدثت مجازر وجرائم مروعة، فقد أثارت ردود فعل شعوب المعمورة، ولم يعد أحد في العالم يحتمل مشاهد الجرائم والمجازر اليومية التي ترتكب ضد الفلسطينيين، كما كثرت الأصوات المتصاعدة من قبل المنظمات الانسانية تندد بجرائم الاحتلال، فيما شعوب العالم ملأت الشوارع في مختلف العواصم، تطالب بوقف العدوان.