Menu

جولة بلينكن السادسة لتغيير طبيعة الحرب وأهدافها

راسم عبيدات

خاص - بوابة الهدف

 

كتب راسم عبيدات*

يبدو أنه مع دخول الحرب شهرها السادس، وفي ظل عدم قدرة "إسرائيل" على تحقيق أهداف هذه الحرب، أو تحقيق نصر أو صورة نصر يخرجها من مأزقها وأزماتها وانقساماتها العميقة المتداخلة والمركبة سياسية وأمنية وعسكرية واقتصادية واجتماعية ونفسية والتي باتت بلا مخرج، وفي ظل الانتقادات الحادة عالمياً لأميركا ودورها المشارك عسكرياً ومالياً في هذه الحرب والموفرة حماية قانونية وسياسية لـ"إسرائيل" في كل المحافل الدولية، وفي ظل كل الصور المرعبة والمخيفة عن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في قطاع غزة والموت جوعاً بسبب عدم وصول المساعدات بشكل كاف لسكان غزة، والانتقادات والاتهامات لـ"إسرائيل" من قبل قادة أوروبيين غربيين ومؤسسات دولية، بأن "إسرائيل" تستخدم التجويع كسلاح في الحرب، وهذا جعل صورة أميركا المتغنية بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وحماية الأطفال والنساء، تتآكل أمام الرأي العام العالمي والعربي والإسلامي، بالإضافة إلى فقدان الثقة بها بأن تكون راعي لأي عملية سلام في المنطقة، في ظل تماهييها مع المواقف والأهداف "الإسرائيلية".

بايدن في ظل المفاضلة في المصالح والأولويات، ومع اتضاح بأن شعبيته في انخفاض ارتباطاً بالحرب التي تشارك فيها أميركا على قطاع غزة، بات يرى بأنه لا بد من ممارسة ضغوط أكبر على نتنياهو، تجنبه السقوط في الانتخابات الرئاسية القادمة، والتي تنذر بدخول أميركا في حرب أهلية وانقسامات عامودية وأفقية، وخاصة بأن المرشح الجمهوري ترامب، يهدد بأن يحول أميركا إلى بحر دماء، إذا لم يجر انتخابه لولاية رئاسية ثانية.

أميركا تضغط على "إسرائيل"، رغم الاتفاق على أهداف الحرب، لتغيير طبيعة هذه الحرب وأهدافها، فبدلاً من عملية عسكرية صاخبة في رفح، يكون هناك عملية أمنية مشتركة، ويتم استحضار الشركاء الإقليميين للمشاركة فيها، بما في ذلك العرب من دول النظام الرسمي العربي الوظيفي. وبدل القضاء على المقاومة الفلسطينية وفي القلب منها حركة حماس ، والتي يصعب القضاء على الفكرة عبر الحرب، فحماس ليست فندقاً أو شارعاً أو بناية، بل هي جزء متجذر في الشعب الفلسطيني لها حضورها وشعبيتها، فالاستطلاع الأخير الذي أجرته مؤسسة الدراسات للبحوث المسحية في رام الله، أظهر وقال بشكل واضح، بأن الشعب الفلسطيني، رغم كل الدمار والخراب، ما زال يلتف حول خيار ونهج المقاومة. ولذلك يجري استبدال هذا الهدف بالعمل على  منع أن تشكل المقاومة وحماس خطراً على "إسرائيل" كما حصل في 7  أكتوبر، وفيما يتعلق بالأسرى، بدل الوصول إليهم واستعادتهم بدون مفاوضات، هذه القاعدة التي كسرتها المقاومة الفلسطينية، حيث جرت صفقات تبادل بعد المرحلة الأولى من هذه الحرب، من موقع الندية مع "إسرائيل"، يجري العمل على استعادتهم من خلال المفاوضات .

يبدو أن الأوضاع والتطورات سريعة ومتلاحقة في هذه المنطقة. وإذا لم يجر اتفاق في الدوحة حول وقف إطلاق النار وصفقة التبادل، فالحرب ستتوسع على أكثر من جبهة وستصل إلى حرب إقليمية شاملة.

واضح من جولة بلينكن السادسة إلى المنطقة، واللقاءات التي عقدها مع قادة السعودية و مصر والسداسية العربية، وكذلك لقاءاته مع القادة "الإسرائيليين"، اليوم الجمعة، رغم القناعة بأنه لن يكون هو هناك انقلاب استراتيجي في المواقف الأميركية من "إسرائيل" والحرب العدوانية على قطاع غزة، فبلينكن جاء والشعار الذي يرفعه، مع "إسرائيل" وحقها في الدفاع عن نفسها، ولكن يبدو بأن حالة الاستعصاء والمراوحة في المكان، وعدم القدرة على تحقيق "إسرائيل" لأهداف الحرب، والتي أصبح إطالتها، فقط يخدم المصالح الخاصة لنتنياهو، حتى يضمن الاستقرار السياسي لحكومته، ومنع سقوطها وتغيبه عن المشهد السياسي بالمحاكمة والسجن. ولذلك بلينكن في هذه الجولة وإن كان سيستمر في الترويج لنفس البضاعة الفاسدة التي حملها في جولاته الخمس الماضية للمنطقة، ولكن هذه المرة، لم يعد وقف إطلاق النار مقروناً بالقضاء على حركة حماس، بل بالعمل على إطلاق سراح الأسرى، وطبعاً المقصود هنا ليس الأسرى الفلسطينيين، فهؤلاء مجرد أرقام لا عناوين ولا وجوه ولا عائلات لهم، حتى لو قضى البعض منهم ثلاثين عاماً فما فوق في سجون "إسرائيل".

عامل الوقت بات ضاغط على أميركا وعلى "إسرائيل" وحجم التحولات الكبير في الرأي العام العالمي، والاختراقات الكبيرة للسيطرة "الإسرائيلية" - الأميركية والأوروبية الغربية الاستعمارية على الفضاءين الإعلامي والثقافي، والتي لعبت بها وسائل التواصل والمنصات الاجتماعية والنشطاء المناصرون للقضية الفلسطينية دوراً كبيراً في نشر الرواية والسردية الفلسطينية، وكذلك نقل صور حجم الدمار والخراب والجرائم المرعبة المرتكبة بحق المدنيين، أحدثت زلزال على المستوى الشعبي الأوروبي وحتى الأميركي نفسه.

وكذلك العامل والمتغير الأساسي في هذه الحرب، بعد حالة الاستعصاء وعدم قدرة "إسرائيل" على ربح الحرب التي دعمتها أميركا مشاركة وسلاح ومال وحماية قانونية وسياسية، والتي قادت إلى فشل ذريع، ومثلت تداعياتها فشلاً استراتيجياً أميركياً في البحر الأحمر خصوصاً، وعامل الوقت الذي لا يعمل لصالح مواصلة الحرب سواء في استهلاك ما بقي من صورة للردع الأميركي، أو مزيد من الغرق الإسرائيلي في عمليات عسكرية بلا جدوى، أو المزيد من ارتكاب المجازر التي تشعل الشارع الأميركي وصارت خطراً على المصير الانتخابي للرئيس الأميركي جو بايدن، وترجمة لهذا التوجه أعلن بلينكن «قدمنا بالفعل مشروع قرار وهو معروض الآن أمام مجلس الأمن ويدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار مرتبط بالإفراج عن الأسرى.

ما يدفع بالأميركي إلى تكثيف جهوده من أجل إتمام صفقة تبادل الأسرى والوصول إلى هدن مؤقتة، قد تتحول إلى وقف إطلاق نار شامل، هو الخوف من الغرق الأميركي في مستنقع المنطقة، في ظل خسارة كبرى للحرب على أوكرانيا، والتي حسمت نتائجها روسياً، ولم تنفع كل العقوبات الأميركية، لا في انهيار الاقتصاد الروسي، ولا في خلق تململ شعبي يطيح بالرئيس بوتين، والذي حقق فوزاً ساحقاً في الانتخابات الرئاسية الروسية للمرة الخامسة، وليعلن بأن روسيا تزاحم اليابان على المركز الرابع اقتصادياً، وبأن روسيا القوة الأولى عسكرياً.

المعادلة الاستراتيجية التي خلقها اليمن في الموانىء والمضائق البحرية، والتي تنذر بتحول اليمن إلى كوريا الشمالية في الجزيرة العربية، والتي أفقدت أميركا هيبتها وقدراتها على التحكم بأمن الموانيء والبحار والممرات المائية والتحكم بخطوط الطاقة، وباتت كلمة اليمن "أنصار الله" معادلة لأميركا في أمن البحر الأحمر ومضيق عدن، ولم تعد أميركا قادرة على الردع والتعطيل أو شن حرب شاملة على اليمن "أنصار الله"، رغم كل ما تملكه من أساطيل وبوارج ومدمرات وصواريخ وطائرات، ولم تعد اليمن "أنصار الله" تستهدف السفن التي تنقل البضائع إلى "أسرائيل" في إطار حربها الإسنادية لقطاع غزة فقط، بل وسعت من هذه الحرب باستهداف البوارج والمدمرات والسفن الأميركية والبريطانية التي تعتدي على اليمن، ووسعت أيضاً من نطاق الحرب، باستهداف تلك السفن في المحيط الهندي ورأس الرجاء الصالح، وباتت جبهة اليمن الإسنادية الأخطر على المصالح الأميركية في المنطقة، وشكلت حصاراً اقتصادياً استراتيجياً على "إسرائيل"، وكذلك الجبهة الإسنادية الأخرى، جبهة الجنوب اللبناني، حيث العجز عن شن حرب شاملة على حزب الله، وعدم القدرة على إعادة المستوطنين النازحين عن مستوطنات الشمال بالتهديدات العسكرية لمستوطناتهم، والحرب هنا على حزب الله لن تكون نزهة ومخاطرها كبيرة ووجودية على "إسرائيل"، وقد تدفع بالمنطقة نحو حرب إقليمية شاملة.

الصمود الأسطوري الفلسطيني، وحالة الاستعصاء وعدم قدرة "إسرائيل" على تحقيق أهداف الحرب المتطرفة التي شنتها على غزة بشرٍ وحجرٍ وشجرٍ، وتعمق مأزقها والمأزق الأميركي معها، يدفع بأميركا من أجل أن تنقذ "إسرائيل" من ذاتها، نحو تغيير أهداف الحرب وطبيعتها، دون المس بالتحالف الاستراتيجي معها .

 

*كاتب فلسطيني