مطرزاتٌ ومأكولاتٌ وحُليّ.. تُزيّن طاولات معرض أقيمَ في قاعة المعهد الفلسطيني للتنمية، غرب مدينة غزة، على مدار أيامٍ ثلاثة. مُنتجاتٌ صنعتها نساءٌ، لكنّ ثمّة أشياء أخرى لم تُعرض على الطاولات التي امتدّت لثلاثة أمتار، وهي حكايات تلك النساء الخمسين، اللاتي نجينَ من مرض السرطان.
المعرض أقيم بإشراف برنامج "العون والأمل لرعاية مرضى السرطان"، وما يُميز هذا البرنامج الذي تأسس عام 2008، هو أنّ مؤسّسيه عايشوا المرض بوجعه وتحدياته، الأمر الذي دفعهم لنقل تجربتهم وتعميمها، ومساعدة غيرهم بتخطّيه، للنجاة منه إن أمكن، ليكون هذا البرنامج هو الوسيلة لتحقيق غاية، باتت ملحّة وسط كثيرٍ من التحديات والظروف.
المرض ليس النهاية
"أنا اليوم بشتغل.. وأي مشكلة بتواجهني بشوفها كتير صغيرة". تقول إنصاف (39 عاماً)، التي نجت حديثاً من سرطان الثدي، الذي لازمها عامًا كاملًا.
وتبيّنُ في حديثها لـ"بوابة الهدف"، تجربتها القاسية، والتي بدأت بعد اكتشاف مرضها أواخر عام 2014، وتقول "تسبّب المرض لي بمشكلاتٍ اجتماعية، انتهت بانفصالي، وبقائي مع ابنتيّ (15 و9 سنوات)، دون منزلٍ أو مصدر دخل، وهذا ما تمكّنتُ من التغلب عليه بمساعدة برنامج العون".
إنصاف، التي وظّفها البرنامج كـ "سكرتيرة" في مكتبه، انتسبت للجمعية بعد انفصالها، وبنصيحة طبيبها. تتحدّث عن أوّل درسٍ تعلّمته بعد معرفتها بمرضها، وهو "الانطلاق بحياةٍ جديدة، و تغيّر الكثير من المفاهيم، وزوايا النظر" كما قالت.
"بدأتُ العلاج، بكيتُ، ارتعبتُ، تألمت من جلسات العلاج الكيميائي، لكن هذا كلّه انتهى. وعدا عن شفائي، فإن شخصيتي كلّها تغيّرت.. أنا أقوى وأصلب الآن".
تُكمل السيّدة التي تُقبل على الأربعين، دون أن تُوحي ملامحها بذلك "المفتاح أولاً يكمن باكتشاف المرض مبكراً، ثم الثقافة والوعي، والأهم بعد الإصابة، هو اليقين أنّ هذا ليس نهاية العالم".
معطيات خطيرة!
منسقة برنامج العون والأمل، إيناس خضر، تحدّثت لـ"بوابة الهدف"، عن أكثر من 130 حالة إصابة بالسرطان جديدة تُسجّلُ شهريًا فقط، في مستشفى عبد العزيز الرنتيسي، بقطاع غزّة، حسب إحصائيةٍ لوزارة الصحة. واصفةً المرض بأنّه "بات أشبه بالإنفلونزا!".
وبأسلوبٍ تحذيريّ، ونبرة استهجان، تُضيف خضر "هذا المرض أصبح المسبب الثاني للسرطان في القطاع، وتؤكّد تقارير منظمة الصحة العالمية، أنّ غزة ستكون منطقة موبوءة بالسرطان بحلول عام 2020".
الحروب، وآلاف المتفجّرات التي انهالت على 360 كم مربع، هي مساحة قطاع غزة، خلال بضع سنوات، وما لها من تأثيراتٍ خطيرة على صحة السكّان، لم تكُن بعيدة عن "مسببات السرطان"، كما أوردتها خضر. إضافةً لانعكاس أزماتٍ عدّة تعصف بغزّة اجتماعياً واقتصادياً، والأهم، صحياً يجد الغزيّين المواد المُسرطنة مدسوسة في طعامهم وشرابهم.
أما المُسبب الثالث والذي يُسهم أساساً في ارتفاع نسبة الوفيات بالمرض، هو ما أسمته الباحثة ومنسقة برنامج العون "إنكار المرض"، والذي ينتج عنه التوجه للعلاج في مراحل متأخرة من الإصابة، وبالتالي انخفاض إمكانيّة الشفاء منه، وهو ما يعمل البرنامج على التوعية بمخاطره لتجنّب الأمر وإنقاذ حياة الآلاف.
البرنامج استهدف بخدماته، لأعوامٍ، كافة مرضى السرطان بالقطاع، إلّا أنه خصص عمله لفئة السيدات، لزيادة نسبة إصابتهنّ بشكل أكبر من غيرهنّ بهذا المرض، إلى جانب خصوصيّة حالتهنّ، المرتبطة بثقافة المجتمع وكيفية تعامله مع مريضة السرطان.
التمييز حتى في المرض
ترى منسقة البرنامج، وهي على تواصل دائم مع النساء المصابات، أن "السيدة المتزوجة التي تصاب بالسرطان في مجتمعنا، تُطلّق أو تُهجَر، وبنسبةٍ عالية جداً، أما حين يُصاب الرجل أو الطفل فإن الدنيا تقوم و لا تقعد".
وتُضيف خضر، تعبيرًا عن مدى تأثير دور البرنامج نفسيًا لصالح المُصابات "تأتي النساء للمركز، مهزومات، ضعيفات، ومع جلسات الدعم النفسي التي يُوليها البرنامج أهمية خاصة، ويُخصص لها يوماً كل أسبوع، أصبحت السيدات أكثر قوة، يرقصنَ فرحًا بأثداءٍ صناعية، وفّرتها الجمعية بالمجان لهنّ، ونصائح مختلفة بِتنَ على دراية بها، علاوةً على التمكين الاقتصادي لهنّ، خاصةً وأن الفئة التي يتعامل معها البرنامج هي غالباً نساء من الطبقة الفقيرة والمهمّشة اجتماعياً واقتصاديًا".
تفيد تقاريرٌ أصدرتها وزارة الصحة الفلسطينيّة، مؤخراً، أنه من المتوقع زيادة حالات الإصابة بالسرطان خلال أشهر، لمعدل يتجاوز 1500 حالة سنوياً.
وصلت الزيادة بمعدّل 10% إلى 12% كل عام. عدا عن وجود أنواعٍ مختلفة من السرطان تأخذ مراتباً أوليّة في نسب الإصابة، مثل "القولون" عن الذكور، و"الثدي" لدى الإناث. كما زادت الوفيات من حالات السرطان 30% بشكلٍ سنويّ في غزّة.
ويُعرّف السرطان طبياً بأنه نمو الخلايا وانتشارها بشكل غير طبيعي ولا يمكن التحكّم فيه، وله أعراض خاصة، ويُشخّص بالفحص الطبّي الشامل فقط. لا ينجو الكثيرون من المرض "اللئيم" كما يُوصف، فنسبة من يتغلّبون عليه لا تتعدى 20%.

