Menu

فنزويلا .. الفرصة الذهبية لحكم الإشتراكيين

اسحق أبو الوليد

نشر في مجلة الهدف العدد (67) (1541)

في العاشر من كانون الثاني من هذا العام، حلف الرئيس نيكولاس مادورو مورو، اليمين الدستوري أمام الجمعية الوطنية والشعب الفنزويلي ومئات الوفود الأممية، لدورة رئاسية ثالثة تستمر حتى العام ٢٠٣١. وقد انتظر الشعب الفنزويلي ومعه شعوب وحكومات من كل بقاع الأرض هذا اليوم بقلق وترقب وتوتر. وهذا يعود إلى تشكيك مرشح المعارضة الفاشية المتطرفة المحلية، ادموندو اوروتيا، ومعه قياداتها الأكثر ارتباطا بالإمبريالية والصهيونية بنتائج الانتخابات الرئاسية، التي أجريت في الثامن والعشرين من تموز الماضي، والإدعاء أن المرشح الرئاسي عن الحزب الاشتراكي وحلفائه، السيد نيكولاس ماذورو مورو، فاز " بالتزوير وسرق أصوات الناخبين المعارضين وأنه لم يحصل إلا على ٣٥% من الأصوات". بناء على هذا الإدعاء، الذي لقي تأييدا كاملا من إدارة بايدن وحكومات الاتحاد الأوروبي وبعض دول أمريكا اللاتينية، دعت في اليوم التالي للانتخابات، ماريا كورينا ماتشادو، القيادية الأبرز في هذه المعارضة إلى تنفيذ الخطة " ب " للإطاحة " بالديكتاتور ماذورو ". هذه الخطة كانت مبرمجة ومصممة على أن تتحرك الخلايا الإرهابية العنقية والمسلحة بالتزامن مع احتجاجات شعبيه كمظلة وغطاء " جماهيري " لإشاعة الإرهاب والفوضى و اللا استقرار وفقدان الأمن، يتم على إثرها الدعوة، لتدخل خارجي ( الولايات المتحدة ) والإطاحة بالنظام الدستوري في البلاد من الخارج. هذه الخطة كانت مكشوفة و واضحة المعالم والأهداف مسبقا، للحكومة وللجيش البوليفاري ولكافة الأجهزة الأمنية والبوليسية، مما سمح لهم التصدي الفوري بكفاءة، وتم القضاء على هذا التحرك خلال أقل من ثلاثة أيام. رغم ذلك، استطاعت هذه القوى الفاشية أن تحدث تدميرا وقتلا خلال يومين من العنف والفوضى ما عجزت عن تحقيقه في أعمال مماثلة استمرت لأكثر من شهرين في العام ٢٠١٩. هذه الأعمال الفاشية التي نفذتها المعارضة الأكثر ارتباطا بالصهيونية والإمبريالية والتي ترافقت مع دعوات علنية من قبل قياداتها للولايات المتحدة " واسرائيل " للتدخل العسكري المباشر، أثار الشكوك و التخوفات لدى قطاعات شعبية وازنة من المعارضة التي لا تؤيد حكم الرئيس ماذورو، وتريد التخلص منه، ولكنها ترفض أي تدخل خارجي وخاصة التدخل العسكري، لأن هذا عدا عن أنه انتهاك لسيادة واستقلال البلاد، يؤدي إلى الأضرار بالسلام والاستقرار في البلاد.

هنا لا بد من التذكير، كي تكون الصورة واضحة، أن المعارضة في فنزويلا، حتى في عهد الرئيس الراحل اوغو شافيز، كان وما يزال لها قاعدة شعبية انتخابية تتراوح ما بين ٤٢ و٤٧% من الجسم الانتخابي. واللافت أن هذه النسب تنخفض بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية وتتبدل في الانتخابات المحلية. هذا التقلب في سلوك ومزاج الناخبين ليس جديدا ولا غريبا عن الديموقراطية البرجوازية، بل يمكن القول إنه ينسجم مع طبيعة هذه " الديموقراطية " التي هي بحد ذاتها تزوير للوعي والحقيقة في مجتمع الضرورة أي المجتمع البرجوازي.

من هنا يبدوا وللوهلة الأولى أن جوهر المسألة وجوهر الصراع في فنزويلا، كما في دول القارة المناهضة للهيمنة والسيطرة الإمبريالية، هو صراع داخلي، على شكل النظام ومستوى تطبيقه للديموقراطية و احترامه للحريات الفردية، وليس صراع طبقي اقتصادي، لأنه ليس من أيديولوجية اليمين ولا من مصلحته الانحياز للصراعات ذات الأرضية الاقتصادية أو نبشها، لما لها من تأثير أيديولوجي ونضالي بين العمال والموظفين وكل أصحاب الدخل المحدود. لذا يلجؤون إلى السلاح الأمضى الذي تستعمله الإمبريالية الأمريكية كمدخل لمحاربة أي ثورة اجتماعية أو أي نظام يطمح لإجراء تغير بنيوي، اقتصاديا واجتماعيا، لتأمين السيادة الحقيقية والاستقلال الناجز أي تفكيك بنية التبعية والارتباط بالاقتصاد الامبريالي أو ما يعرف باقتصاد المركز. لهذا يحرض الإمبرياليون وأعوانهم على " الديموقراطية " و " حرية " النشاط الاقتصادي والتملك اللامحدود للثروة، و على الحد من تدخل الدولة، و رفض هيمنتها الاقتصادية وتملكها للقطاعات الاقتصادية الاستراتيجية وحمايتها من الوقوع في أيادي القوى المعادية للأمة، بحجة أن كل مؤسسة أو مشروع تضع الدولة يدها عليه مصيره الفشل. في هذا الإطار تشن الدوائر الإعلامية الإمبريالية حملة منسقة ومبرمجة ضد كل الأنظمة والقوى التي تناضل ضد الإمبريالية وتناهضها، ويقود المسؤولين في الدوائر المختلفة للولايات المتحدة قوى الثورة المضادة بكافة أشكالها في أمريكا اللاتينية، وخاصة في كوبا وفنزويلا ونيكاراغوا، التي تعتبرها ( أمريكا اللاتينية ) حديقتها الخلفية، وأحد أهم ساحات الدفاع عن مصالحها الحيوية وأمنها القومي، بل ضرورية، كما قال كيسنجر في أعقاب الإطاحة بالقائد الاشتراكي سلفادور الليندي في اوائل سبعينيات القرن الماضي في شيلي: أن السيطرة على أمريكا اللاتينية ضرورية ليس فقط لأسباب اقتصاديه بل من أجل تثبيت هيمنة وقيادة الولايات المتحدة للعالم.

لا شك أن هذا المبدأ هو المحرك التاريخي لاستراتيجية الولايات المتحدة في القارة اللاتينية. هذه الاستراتيجية نقضها دونالد ترامب مؤخرا عندما أدلى بتصريحات مفاجئة ومذهلة في رأي بعض المهتمين بشؤون القارة. فما الذي تغير كي يعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، صاحب شعار أمريكا أولا، أن الولايات المتحدة " ليست بحاجة إلى امريكا اللاتينية، بل هذه الأخيرة هي التي بحاجة لنا، وقد لا نشتري النفط من فنزويلا، نعم أمريكا اللاتينية هي التي بحاجة لنا، ونحن لسنا بحاجه لأحد، العالم هو الذي بحاجة لنا" هذا التصريح يتناقض جذريا مع الاستراتيجية الأمريكية المتبعة منذ عقود. إن التدقيق بهذا التطور الجيوسياسي يوحي إلى أن تصريح الرئيس ترامب هو تصريح متهور وكاذب وميركنتيلي. إلا أن الحقيقة هي عكس ذلك. مثلا شركة تكساس بتروليوم وقعت اتفاقات مع حكومة فنزويلا في شهر حزيران الماضي للاستثمار النفطي في مئات الآبار النفطية الفنزويلية. وصرح مدير الشركة للصحافة الفنزويلية، أن شركته تعاني من عجز يقدر بأربعة ملايين برميل يوميا. هذا حال شركة واحدة فكيف حال غيرها؟ إذا تصريح ترامب لا يرتكز على أرضية اقتصادية، فعلى ماذا يدل؟ أيعكس حجم القلق الذي يراود حكام البيت الأبيض من اتساع وعمق الأزمة الشاملة التي تعاني منها أمريكا حيث تدنى حجم حصتها في الإنتاج العالمي إلى الحضيض، مقابل غزو البضاعة الصينية لأسواقها. وفي نفس الوقت يحتد الصراع الطبقي وتتعفن شروط السلم الاجتماعي وأخذ ينخرها العنف الداخلي وخاصة في الأوساط الشبابية و المرهقة .

هذه الأزمة التي تعاني منها الولايات المتحدة، ستحد بلا شك من مقدرتها ورغبتها في إثارة " الحروب الغير ضرورية والغير مفيدة " كما يقول ترامب. هو ضد الدخول في حروب مباشرة بسبب التكاليف الباهظة وخاصة الحروب الغير مضمونة النتائج. إذا الولايات المتحدة ليس ضد الحروب ولم تغير من طبيعتها العدوانية، بل ستترجم هذه الطبيعة العدوانية بأشكال وطرق أخرى أي خوض الحروب بالغير و من هنا يبرز السؤال: إذا سلمنا جدلا بأن الولايات المتحدة على الأقل في عهد ترامب " ليست بحاجه لأمريكا اللاتينية"، هذا يعني أنها لن تحارب أو تقاتل لشيء هي ليست بحاجة له! أليس كذلك؟.

إذا، موضوعيا، هذا سيمنح القوى المناهضة لها فرصة استثنائية لتثبيت نفسها وتصليب بنيتها لمواجهة تحديات البناء الداخلية، وتطوير إمكانياتها الصناعية والتكنولوجية، وفتح الأبواب للبدائل الضرورية. هذا التطور الجيوسياسي يجب التعامل معه بحذر من قبل المسؤولين في فنزويلا التي هي، أحد أهم أعمدة النضال المعادي للإمبريالية والصهيونية. فأمام حكومتها والحزب الاشتراكي الموحد فرصة ذهبية، وربما هي الأخيرة، لتمكين وتعميق السلطة السياسية والشعبية. هذا يفرض عليها ويتطلب مكافحة الفساد والهدر المالي بيد من حديد، وإعادة الثقة الشعبية بجدوى الإجراءات ومصداقية الكلمة. إلغاء المحسوبية وامتيازات السلطة واستغلال النفوذ. هذا بلا شك يساهم في المحافظة على شروط البقاء في السلطة، وتطوير أدائها. لأن الضحية الأولى لهذه الأمراض هو القطاعات الشعبية والعمال والموظفين، الذين هم القاعدة التي يرتكز عليها نظام الحكم. هذه الإجراءات إذا ما نفذت، ستعزز العلاقات مع المحيط بعد اعتراف معظم حكومات دول أمريكا اللاتينية وخاصة المكسيك وكولومبيا والبرازيل بشرعية الرئيس نيكولاس ماذورو، مما يساهم في تحصين نظام الحكم في فنزويلا إقليميا ودوليا، ويعزز شرعيته الدستورية ويحد من قوة ونفوذ المعارضة بكل تياراتها.

نعم، هنالك تعرجات وعقبات في طريق إعادة الاعتبار لعملية التحولات الاقتصادية والاجتماعية، إلا أنه المطلوب وفاء الرئيس ماذورو وحكومته بوعوده التي كررها في أكثر من مناسبة بإجراء إصلاحات عميقه ليس فقط في الأداء بل في أسلوب نظام الحكم ليكون أكثر شفافية وتحقيق العدالة المطلوبة اقتصاديا وخاصة للعمال والموظفين وكافة أصحاب الدخل المتدني. هذا ما تنتظره بفارغ الصبر الجماهير الشعبية.