Menu

حين يزهر الأمل تحت رماد الحرب

ثائر أبو عياش

في قلب مدينة مجهولة، حيث يلتقي الحزن بالجراح القديمة، كان غسان يتنقل بين الشوارع المزدحمة، عينيه مغمضتين جزئيًا أمام الواقع القاسي. الأضواء الخافتة كانت تتناثر على الوجوه المرهقة، بينما أصوات الطائرات الحربية تملأ الأفق. كان كل شيء حوله يشير إلى الفوضى، حتى الهواء كان مليئًا بالغبار، مثل آلام غير مرئية. انفجارات بعيدة، أصوات طائرات حربية، وأخبار قادمة من أماكن دمار تدمع قلبه يومًا بعد يوم. كان يشعر وكأن الزمن قد توقف هناك، في تلك اللحظة التي كانت تجمع بين الحرب والحياة. في تلك المدينة التي لا تنسى الحرب، كان الأمل يظل ينبت من بين الأنقاض.

ثم جاء اللقاء الأول مع ماري، تلك الفتاة الفرنسية ذات الشعر البرونزي، في أحد الشوارع العتيقة. كانت تحمل معها بريقًا من الأمل، تمامًا مثل الزهور في يديها وسط الصحراء أو وسط رماد الحرب. كانت تلك الجلسة في أحد المقاهي الصغيرة، حيث حاولت أن تضحك أمام الضغوط اليومية التي كانت تحيط بهما، وكأن حياتها في فلسطين هي لحظة تجنب للصمت الذي يعم المكان. شعرت ماري بشيء غريب عندما وقع نظرها على غسان؛ لا تعرف ما هو، لكنها شعرت بشيء من الأمل في عينيه، رغم كل شيء. كأن هناك شيئًا ما في قلبه يعيد بناء نفسه بين الأنقاض.

بدأت تلتقيه بشكل متكرر. لم تكن مجرد لقاءات عابرة، بل كانت لحظات تشهد على حرب صغيرة بين كل كلمة وكل نظرة. كانت كلماته ثقيلة، مليئة بالحزن، ولكنها لم تهزه. كانت هي مثل الضوء الذي يسطع في الظلام، تسأله كيف يمكن أن يواجه هذا العالم الكئيب، بينما هي تؤمن أنه لا يزال هناك خير في هذا الظلام. وفي تلك اللحظات، عندما كانت تبتسم له بهدوء، كان يشعر بشيء غريب ينعش قلبه، كأن العاصفة التي كانت تجتاح عقله بدأت تهدأ.

"هل يمكن أن يزدهر الأمل في زمن الحرب؟" كان السؤال الذي ظل يدور في رأسه. وفي إحدى المرات، وبينما كان يتأمل عينيها، شعر بأن قلبه ينبض بشكل مختلف، وكأن هناك شيئًا يتغير بداخله، لكنه كان يكافح للاعتراف بذلك.

في يومٍ آخر، بينما كان يخرج من العمل، تأمل في تلك اللحظات التي قضاها مع ماري. كان يعتقد أن ذلك هو سر الأمل الذي افتقده طوال سنوات. وفي عينيها، وجد حياة جديدة، حياة مليئة بالأمل رغم كل التدمير من حولهم. ولكن الحرب في غزة كانت تزداد ضراوة، وكانت الأفكار تهاجمه مثل الطائرات الحربية التي تقصف الأفق. كيف يمكنه أن يجد الأمل وسط هذا الخراب؟ كيف يمكنه أن يصدق في الأمل بينما الحرب تقتل كل شيء حوله؟ كان يشعر بالعجز، فغزة كانت تطارده في كل زاوية، وأخبار القصف كانت تمزق أعصابه، ولكن مع ذلك كان يشعر بشيء آخر يقتحم قلبه، شيء لم يكن قد اختبره من قبل: الأمل.

ثم جاء اليوم الذي غير كل شيء. ماري، التي كانت دائمًا قريبة منه، استطاعت أن تساعده في العثور على وظيفة عمل جديدة في أحد المؤسسات الصغيرة التي تقدم الدعم للمجتمع. كانت كلماتها وتشجيعها، ومساعدتها له في إيجاد تلك الفرصة وسط هذا الزمان الصعب، مصدرًا حقيقيًا للأمل. شكرها في البداية بشكل غير مباشر، لكنه كان يعرف في قلبه أنها كانت جزءًا من هذا التغيير.

في مساء يوم ماطر، على باب بيتها، سألته: "ماذا تعني الحرب؟"

أجاب، وهو يشعل سيجارته: "هي معركة وعي في خضم معركة الأفكار."

قالت: "لا أفهم ماذا تقصد؟"

أجاب موضحًا: "أحد أهم المنجزات الاستراتيجية للحرب أنها تساعد على الشفاء من الهزيمة. قبلها، كان الشعب الفلسطيني يعيش في دائرة الجحيم للهزيمة. على صعيد الوعي، بالفعل حصل الانتصار."

ثم تنبشت عقله لتفهم كيف يُفكر، وسألته: "ما الذي يحدث إذن الآن؟"

أجاب وهو ينظر في عينيها: "الاحتلال يبحث عن انتزاع صورة المقاوم وهو داخل المعركة، ليُستبدل بها صورة المجازر والإبادة، وأشلاء الأطفال المنتشرة في كل مكان، والحزن، والقهر، والدموع..."

ثم أضاف: "البحث الآن هو عن مبدأ الخوف أشد من العقوبة. بمعنى أن أي فعل تقومون به، هذه هي النتيجة: القتل أو السجن."

سألته من جديد: "ما هي الحرب إذن؟"

أجاب بهدوء: "الوعي. هي الحرب الأكبر داخلنا اليوم. هي حرب معقدة وشرسة، وعنوانها كيف نحافظ على صورة النصر في مضمار الوعي."

"هل هناك مكان للأمل وسط هذا الدمار؟" كان يطرح السؤال على نفسه وهو يقف بين أنقاض روحه داخل فراشه. قرر أن يهديها شالًا فلسطينيًا، مصنوعًا يدويًا من تطريز الأرض التي تنبض بالحياة رغم الدمار. كانت تلك الهدية، تعبيرًا عن امتنانه لمساعدتها له في العثور على عمل وسط هذه الظروف الصعبة.

وفي اليوم التالي، شعر بشيء من التردد أثناء تقديم الشال. كانت يده ترتجف قليلاً وهو يسلمه لها، ولكن عينيه كانت مليئة بشعور لا يمكن تفسيره. نظرت ماري إلى الشال ثم إلى عينيه، ولم تفهم من أين جاء هذا الدفء، لكن قلبها شعر بشيء عميق. هل هو مجرد شال أم هو أكثر من ذلك؟ لم تكن بحاجة للكلمات، فقط لتفهم ما وراء الحركة. قالت بصوت هادئ: "شكرًا لك، غسان، ولكن لماذا؟"

أجاب بصوت منخفض: "لأنك كنتِ الأمل في هذه الأيام السوداء. لأنك جعلتني أرى في الحياة جانبًا جميلاً رغم كل هذا الظلام."

ابتسمت ماري وقالت بصوت مليء بالعاطفة: "وأنت يا كوبي، تملك القدرة على أن تكون ذلك الضوء في عالم مظلم. لا تدع أبدًا الحرب تحطم روحك."

علم غسان أن تلك الكلمات اختصرت كل شيء. شعر بشيء جديد يدخل قلبه. لم يكن يملك الإجابة، ولكنه شعر بأن تلك اللحظات هي ما يحتاجه ليبقى قويًا. قرر أن يتوقف عن السعي وراء الإجابات، وأن يعيش اللحظة التي تجمعه بها.

بعد قرارها بالعودة إلى فرنسا، كان غسان واقفًا عند ناصية النهاية، يتأمل وجه ماري وهي تبتعد عنه. كانت حقيبتها تلمع تحت ضوء الشمس، وكانت عينيها تحملان مزيجًا من الحزن والأمل معًا. لم يحتاجوا للكلمات؛ كانت عيونهم تتحدث عن كل شيء. وفي آخر لحظة قبل أن تختفي عن ناظريه، قالت له بصوت منخفض: "ابقَ كما أنت، غسان، لا تدع الحرب تحطم روحك."

تركته ماري مع بصمتها في قلبه، بصمة لن تمحوها الحروب ولا الزمن. كان يعلم أن هناك دائمًا جانبًا جميلًا في الحياة، حتى في أصعب الظروف. الأمل، مثل الشال الذي أهداه لها، يمكن أن يظل قائمًا، رغم أن الحرب قد تقتل الكثير، لكنها لا تقتل الأمل. ذاك الأمل هو من نوع آخر؛ هو أمل الإنسان في استعادة إنسانيته، كما يقول أفلاطون، بأن هذا الإنسان يعلم أنه جزء من العالم، وليس فقط من عائلته أو وطنه. الأمل هنا، مثل الحياة، يأتي مرة واحدة ولا يمكن إعادته. هو أمل لأجل الإنسان.

في صمت تلك اللحظة، فهم غسان الحقيقة: في الحرب، قد يقتل الألم الكثير من الأشياء، لكنه لا يقتل الأمل. الأمل هو الذي يحيي الحياة بعد العواصف، وإن الحرب يمكن لها أن تحرر الأمل، والأولى يستيقظ فيها الأطفال في السماء، بينما يستفيق السياسيون على حقيقة واحدة بعد غفوتهم على أريكة الأعداء: لا شيء يمكنه تدمير الروح الإنسانية.