في خضم التطورات المتسارعة على الساحة الفلسطينية والإقليمية، تتشكل معالم مرحلة جديدة من الصراع في غزة، إذ تبرز تحولات سياسية قد تعيد صياغة مستقبل القضية الفلسطينية، من ضمنها التغيرات في علاقة حركة حماس بالإدارة الأمريكية، التي تمثل محط اهتمام وتحليل واسع، نظرًا لما قد تطرحه من تأثيرات كبيرة على موازين القوى في المنطقة.
في المقابل، تتمسك حكومة الاحتلال "الإسرائيلي" بموقفها الثابت في استمرار الحرب، بينما تواصل الولايات المتحدة مساعيها للوساطة، متجهة نحو اتفاقات جزئية تشمل تبادل الأسرى، كما تجسد ذلك في الإفراج الأخير عن الجندي "الإسرائيلي" ذو الجنسية الأمريكية، "عيدان إلسكندر"، إضافة إلى ذلك، تسعى الولايات المتحدة لتحقيق هدنة مؤقتة، في محاولة لإعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية وفقًا لرؤيتها الاستراتيجية.
بشارات: اتفاق أمريكا – حماس يشكل اختراقًا سياسيًا ويكسر القاعدة الدولية
بدوره، يؤكد المحلل والخبير في الشأن "الإسرائيلي"، سليمان بشارات، أنّ "الاتفاق الذي جرى مؤخرًا بين حركة حماس والولايات المتحدة، ورغم عدم ظهور نتائجه بشكل مباشر، يمثل اختراقًا سياسيًا مهمًا للحركة من عدة جوانب، أولًا، يكمن هذا الاختراق في كسر المنظور الأمريكي الذي يعتبر حماس "حركة إرهابية" ولا يمكن التفاوض معها، لكن في الوقت الراهن، هناك تحطيم لهذه القاعدة، مما يشير إلى اعتراف ضمني بأنّ حماس لا يمكن تجاهلها، فهي قادرة على أن تكون جزءًا من أي معادلة سياسية مرتبطة بالحرب ومجرياتها، وربما أيضًا بمستقبل القضية الفلسطينية".
ويقول بشارات لـ "بوابة الهدف"، إنّ "حماس قد بدأت في تغيير الصورة النمطية التي كانت تروج عنها عبر أطراف متعددة، فالحركة تشارك اليوم في مفاوضات وتتواصل مباشرة مع الإدارة الأمريكية، وهذا بحد ذاته يغير المفاهيم على المستوى الدولي، مما قد يفتح الأبواب أمام الحكومات والأطراف السياسية الأخرى لتتبنى نفس الموقف فيما يتعلق بالتواصل معها".
ويتابع المحلل بالإشارة إلى تصريحات المبعوث الأمريكي لشؤون الرهائن "آدم بولر" في مارس الماضي، التي وصف فيها حماس بأنها "حركة عادية" وأن أفرادها "أشخاص طيبون"، حيث هذه التصريحات تعكس تغييرًا في الخطاب الدولي تجاه حماس، وهو ما قد يساعد في فتح قنوات اتصال غير علنية مع الحركة من قبل بعض الأطراف الدولية.
وفيما يخص الأبعاد الإقليمية، يبين بشارات أنّ "قبول الولايات المتحدة التفاوض مع حماس يعزز من وزنها في محيطها الإقليمي والعربي والإسلامي، فالعلاقة التي كانت الدول والحكومات تبنيها مع حماس في المنطقة كانت تقوم على مبدأ خشية الانتقاد من الولايات المتحدة، أما اليوم، هذا يعزز فرص حماس في أن تكون جزءًا من المعادلة السياسية الإقليمية".
وتطرق المحلل أيضًا إلى تأثير هذه التحولات على "إسرائيل"، إذ يرى أن الاحتلال كان يسعى لتقديم حماس ككيان لا يمكن التفاوض أو التعامل معها، ولكنه قد يجد نفسه مجبرًا على إعادة التفكير في هذه المقاربة، وقد يضطر إلى تعديل أهداف الحرب ضد حماس بدلًا من السعي لتحقيق "نصر مطلق" عليها، حيث يكون الهدف هو البحث عن كيفية إعادة تحديد العلاقة مع الحركة بما يتناسب مع الواقع الذي فرضته المقاومة خلال الحرب الدائرة حالياً.
وفي ختام حديثه، يؤكد بشارات على أنّ هذه التحولات لا تعني بالضرورة أن هناك نتائج ملموسة فورًا، لكنها قد تساهم في تعزيز مكانة حماس على الساحة الفلسطينية والإقليمية، لافتاً إلى أنّنا "أمام مرحلة تراكمية من النتائج، التي قد تفتح الطريق أمام احتمالية توقيع اتفاق سياسي أوسع، تكون حماس جزءًا منه، وهذا يشمل أيضًا إمكانية التوصل إلى هدنة طويلة الأمد، مما يعزز من دور حماس السياسي في المستقبل".
الطناني: الاحتلال يسعى لاستمرار الحرب بعد هدنة "مؤقتة" وواشنطن تُهندِس الشرق الأوسط
من جانبه، يقول مدير مركز عروبة للدراسات والأبحاث والتفكير الاستراتيجي، أحمد الطناني، إنّه " من حيث المبدأ، ثمة إجماع داخل حكومة الاحتلال على أن مبدأ الوقف الكامل للحرب على قطاع غزة غير مطروح حالياً، ويعود ذلك إلى جملة من الاعتبارات، بعضها سياسي داخلي مرتبط بطبيعة الائتلاف الحكومي القائم، وبعضها الآخر استراتيجي يتعلق بمشروع التغيير الشامل الذي تعمل عليه دولة الاحتلال في الشرق الأوسط، بما في ذلك تحييد غزة تمامًا عن أي دور في مستقبل الصراع وتحويله إلى منطقة غير صالحة للحياة".
ويضيف الطناني في حديثه مع "الهدف"، أنّ "هذا الموقف لا يعني أنّ الاحتلال يرفض تمامًا أي اتفاقات، مشيرًا إلى أنّ "إسرائيل" قد تحتاج إلى إتمام عمليات تبادل للأسرى بهدف تقليص عدد الأسرى الأحياء إلى الحد الأدنى، وربما تصفيره، لكن هذه العمليات لن تتضمن أي تنازلات سياسية جوهرية أو انسحابات حقيقية من غزة".
وعن الدور الأمريكي في هذه الأزمة، يؤكد مدير عروبة أنّ الاتجاه الأمريكي نحو إتمام اتفاق لتبادل الأسرى هو توجه حقيقي، ولكنه استدرك قائلاً: "من غير الممكن الجزم بأن الولايات المتحدة تدفع نحو وقف شامل للحرب ما لم تتحقق اشتراطات أمنية تتقاطع مع المطالب الإسرائيلية، وخاصة ما يتعلق بترتيبات "اليوم التالي" في القطاع، وقضية نزع السلاح"، مبيناً أنّ "هذه الاشتراطات تعد جزءًا من الهندسة الأمريكية الجديدة للشرق الأوسط التي تسعى إلى إعادة إنتاج منظومة الهيمنة الأمريكية على أسس تضمن تحييد كافة ممكنات المواجهة مع الاحتلال".
ويوضح الطناني أنّ "الولايات المتحدة تميل، في المنظور القريب، إلى القبول باتفاق جزئي يمنح فترة من الهدوء تتيح لها تمرير ترتيباتها في الإقليم، وإنجاز رؤيتها بشأن "اليوم التالي" في غزة، وفي حال نجاح ذلك، يمكن أن يكون بوابةً للانتقال نحو وقف شامل للحرب، وتقييد عودة العدوان بزخمه الراهن".
أما بالنسبة للمقاومة الفلسطينية، يلفت الطناني إلى أنّ لديها محددات واضحة في هذا السياق، وبرغم ما تُبديه من مرونة في سبيل وقف العدوان والحرب والتجويع، إلا أن أي حديث مسبق عن شكل "اليوم التالي" بمعزل عن التوافق الوطني الفلسطيني، أو أي نقاش حول نزع السلاح، سيُشكل مدخلًا للخلافات.
وفي الختام، توقّع الطناني أنّ الصيغة الأكثر ترجيحًا التي قد يتجه إليها الوسطاء هي صيغة وسطية تقوم على فكرة "الهدوء المؤقت"، مع توفير ضمانات أمريكية لتحويله إلى هدوء دائم، في حال تم التوافق على التفاصيل العالقة خلال فترة التهدئة التي يُنفّذ فيها اتفاق تبادل الأسرى.

