Menu

تحقيقصوت الوجع... صوت الناس في مخيم اليرموك

وفاء حميد

نشرت في مجلة الهدف العدد (70) (1544)

منذ نكبة عام 1948 عانى الشعب الفلسطيني من عدّة موجات من النفي والتحديات الصعبة، وعاش الفلسطينيون المهجّرون في العديد من الدول المضيفة. فاستقرّ اللجوء بمعظمهم في الأردن وسوريا ولبنان. ويعتبر الفلسطينيون السوريون جزءاً من الشعب السوري إذ استقروا وعاشوا بالمدن والمخيمات واندمجوا في المجتمع، مع المحافظة على هويتهم الفلسطينية.

وهنا كان لنا وقفة مع بعض الفلسطينيين الذين عادوا إلى مخيم اليرموك بعد الحرب، وخاضوا تجربة العودة بعد التدمير الذي لحق بالمخيم، فقد تحدثنا مع بعضهم، وهم من معاصري الوضع الفلسطيني الراهن. وطرحنا عليهم العديد من الأسئلة، منها:

- ما تأثير الأوضاع الراهنة في سوريا على اللاجئين الفلسطينيين؟ وماذا سيكون وضعهم بعد سقوط نظام الأسد؟

أحمد الطيب، عبد المالك دراج، علي النمريني من ساكني (شارع صفد) أكّدوا أنّ الفلسطيني عاش في سوريا وداخل مخيم اليرموك وجميع المخيمات بوضع مريح حتى الوقت الحالي، وإن الشعب الفلسطيني يترقب الأفضل في الأيام القادمة، ويأملون أن يكون ذلك لشعور الناس بالراحة في سوريا بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص، فقد أصبحوا يتمعتون بحرية أكثر، ويعود هذا إلى أمل الناس بتقديم النظام الجديد الحرية والعدالة للناس.

كما تحدثنا مع المواطن ياسر البيطار (من سكان حارة المغاربة)، الذي قدِم من تركيا بعد غياب دام أربعة عشر عاماً، وهو الآن يعمل على إعادة ترميم بيته كونه لا يعاني من ضائقة مادية، وأكّد أن هناك أملاً للفلسطيني في سوريا وسيكون له مكانة مكرّمة، ويعود ذلك لأن دمشق هي بوابة فلسطين ....

- ما أبرز التحديات التي يعاني منها سكان مخيم اليرموك؟

يعاني المخيم من انعدام البنى التحتية وعدم نظافة الكثير من الشوارع، وتراكم الأنقاض والقمامة، لكن الفلسطيني يحاول أن يتأقلم مع هذا الوضع، بالنسبة للكهرباء هناك تحسن، أما بالنسبة للمياه فهناك معاناة لكونها سطحية (يجب أن يكون الضخ في الشبكات).

وقد حدثنا الفلسطيني نادر الأسود الذي يسكن في (حارة المغاربة) التي عاد إليها حوالي 50 نسمة، عن معاناة أهلها من شح المياه واجترارها من مناطق أخرى أو الاعتماد على صهاريج المياه التي تكلّف مبالغ تفوق قدرة ابن المخيم.

كما تحدث الفلسطيني رفعت الرفاعي (من سكّان شارع الجاعونة) عن ارتفاع أعداد الكلاب الشاردة التي أصبحت تعادل عدد سكان المخيم، والخوف أن يزداد تكاثرها، وتكون خطراً على السكان وخاصة الأطفال.

إلا أنّ أحمد الطيب، وعبد المالك دراج، وعلي النمريني أكّدوا أن الحياة داخل المخيم مناسبة بالحد المقبول، لكن لا توجد خدمات ويصعب على المرء الحياة دون خدمات، والمخيم الآن بدأ يكتظ بالسكان بعد سقوط النظام.

- هل ما زالت هنالك آمال لإعادة إعمار المخيم؟

بالنسبة لوضع الدولة فهي تعاني من اقتصاد منهك، والفلسطيني يعتمد في تدبير أمور معيشته على المساعدات التي تأتيه من أقربائه في الخارج، ولا يمكنه إعادة إعمار ما تهدم، فكل مواطن يقوم بترميم بيته وشراء شباك أو باب كلما توفر له ذلك، أمّا بالنسبة للبيوت المهدّمة فإن الأمر يزداد صعوبة وإرهاقاً، ومع كل ذلك فهناك أمل لدى الساكنين في المخيم بأنه إذا أصبح هناك تكاتف بين المغتربين الفلسطينيين والمنظمات الإنسانية يمكن للمخيم أن يعود وينهض من جديد.

وهنا أريد أن ألفت نظر القارئ لوجع الفلسطيني الداخلي وصرخة ألم تقطع أوصاله بصمت حيث انتفض كبار السنّ يتحدثون بألم وحرقة حول:

دور المبادرات المحلية في معالجة بعض أزمات المخيم. فكان جوابهم:

ليس لهم دور ومنهم مكتب الإغاثة والوكالة (كلمنجية)، فقد هُجّر الفلسطينيون ودمّرت منازلهم فوق رؤوسهم وصمدوا وهُمّشوا دون مبادرة إنسانية من قبلهم أو رأفة بحالهم...

وأما عن دور الفصائل الفلسطينية في تلبية احتياجات الساكنين في اليرموك؟

لا دور لهم، سكان المخيم يعيشون وضعاً مأساوياً، ويعاملهم البعض مثل باقي سكان المخيمات الأخرى التي لم تُهدم ولم تتضرر جراء الحرب أو يهجّر سكانها، وأما مخيم اليرموك الذي أكلت الحرب أبنيته وهرستها حرب ضروس لا تعرف الرحمة وسُوّيت أبنيتها، فالفلسطيني في مخيم اليرموك عاصمة الشتات محروم من الحقوق، ومنسيّ من طرف المؤسسات الإنسانية، ومنظمة التحرير المسؤول الأول عن الشعب الفلسطيني، لا تمدّ يد العون له بالشكل الوطني المطلوب.

لكن يُستثنى من ذلك بعض الجمعيات التي تحاول أن تساعد قدر الإمكان، وأما الهيئات التي وضعت لمساعدة المخيم فما زالت لا تمدّ يدها لإعانة المهجّر الذي يعاني شظف المعيشة، وهو أحق بالمساعدة بينما تقدّم المساعدات إلى المقربين من أصحاب المصالح ، كما رأى بعض من سألناهم.

هل ما زالت الأونروا تقدم خدماتها أم تراجعت ؟

لا دور للأنروا بالشكل الحقيقي الفعّال... المعونة المالية لم تأتِ حتى الآن منذ أكثر من ستة أشهر، والسلة الغذائية تأتي في السنة مرة واحدة وهي متواضعة وناقصة للكثير من المواد الأساسية، والمعاملة في مستوصفات الوكالة سيئة، تصنّف من المعاملات اللإنسانية مع أبناء الشعب الفلسطيني، ولا يوجد حتى في حالة الإسعاف نوع من الرأفة أو العلاج باستثناء بعض العاملين في القطاع الطبي الذين يقومون بواجبهم الإنساني وتقديم المساعدة.

ونحن بدورنا نرفع صوتنا مع صوت سكّان مخيم اليرموك، الذي يحمل عبئاً مريراً من الألم والخيبة التي تعكس الكثير من المعاناة التي مرَّ بها، وذلك من خلال تأليف إدارة محلية ذات ثقة تتطلع إلى احتياجاتهم، وتنظر إلى شكواهم وتعمل على حلّها قدر المستطاع، وكذلك لابد من عودة اللجنة المحلية لمخيم اليرموك (البلدية) التي ستقدّم في حال عودتها الخدمات التي تخفف عن الناس الكثير من الصعوبات.

إنّ الفلسطيني الذي كُتبَ عليه التشرّد خارج وطنه، يحتاج إلى تعزيز شعور الانتماء للمخيم وضرورة العودة إليه طريقاً نحو الوطن السليب، وإنّ التخفيف من معاناة الناس من طرف المعنيين كافة يساعد في تحقيق حلم العودة، وقد بدأ الكثير من الناس فعلاً بالعودة بعد سقوط النظام السابق أملاً بحياة جديدة غير تلك التي امتلأت بمرارة العيش منذ بدء الحرب..