لم يكن هدم منزل إبراهيم زبارقة في مدينة الطيبة في يوم 24 يناير الماضي أمراً غريباً على الفلسطينيين داخل فلسطين المحتلة عام 1948، فخلال العامين الماضيين (2014 – 2015) هدم الاحتلال أكثر من (2000) منزل فلسطيني في النقب المحتل وحده، وعشرات المنازل في يافا والرملة واللد ومنطقة المثلث.
وحسب ما نشرته صحيفة "هآريتس" العبرية في شهر يناير المنصرم، عن المستشار القضائي لدى الاحتلال "يهودا فاينشتاين"، تبنّيه توصيات أقرّتها لجنة يترأسها نائبه "ايرز كمنيتسكي"، لهدم 50 ألف منزل تعود للفلسطينيين بالأراضي المحتلة عام 48 مهددة بالهدم، وأوضح النائب د. يوسف جبارين عن "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة"، أن هذا يعني بشكل واضح ونصّي طرد وتهجير حوالي نصف مليون فلسطيني من منزله، بحجة ما يسمى "البناء غير القانوني"، أي إما أن يكون غير مرخّص أو مقام على أراضٍ زراعية، وذلك في أعقاب تنفيذ الاحتلال سلسلة من القوانين العقابية بحق الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948.
ويضيف جبارين أن حكومة الاحتلال اتخذت القرار بتسريع تنفيذ هذه الخطة بالذات بعد اندلاع الانتفاضة الأخيرة، بسبب مشاركة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 48 فيها، وذلك في محاولة لترهيبهم و"ترويضهم".
عملية الهدم في مدينة الطيبة الفلسطينية في منطقة المثلث المحتل، كانت جزء مما كان مخطط للتنفيذ في ذلك اليوم، حيث كانت تقضي بهدم 10 منازل بشكل فوري، ولكن بعد تصدّي الفلسطينيون في الأراضي المحتلة لعملية الهدم والاشتباكات مع شرطة الاحتلال، أعطت المحكمة قراراً بوقف عملية الهدم وعدم استمرارها بالشكل المخطط لها.
هذا القرار لا يعتبر انتصاراً لفلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948، فهو ليس إلا تجميد مؤقت لتنفيذ الهدم، وقد يتم استكمال تنفيذ القرار في الأيام القادمة.
وحسب النائب د. جبارين في حديث لـ "بوابة الهدف" حول التطورات التي طرأت بشأن قرارات الهدم "عُقِدت جلسة حكومية بالأمس انتهت بدون قرار"، مضيفاً "نحن نطرح الموضوع بشكل متواصل في الكنيست ونتواصل مع وزراء، لكن حتى اللحظة ليس هناك جديد، ومطالبنا هي وقف كل عمليات الهدم إلى حين ترتيب القضايا التخطيطية."
وحسب مخطط الاحتلال، فإن البلدات التي ستواجه الهدم هي "الدالية، عسفيا، طمرة، أم الفحم، الطيبة، وكفر قاسم" بشكل أساسي، بتوزيع (7000) منزل غير مرخص في الدالية وعسفيا، (700) منزل في طمرة، (10000) منزل في أم الفحم، وآلاف المنازل في الطيبة وكفر قاسم.
بتاريخ 10 فبراير من العام 2015، قامت حكومة الاحتلال بتأسيس ما أسمته "لجنة الهدم"، برئاسة "ايرز كمينتسكي"، والتي أصدرت توصيات تتمثل في الآتي:
إنشاء لجنة تنفيذية دائمة بالتعاون مع شرطة الاحتلال وأجهزة تطبيق القانون المختلفة لعمل مسح لكافة أوامر الهدم الهامة للتنفيذ، وبالتالي ما يتم اختياره من أوامر هدم يكون ضمن برنامج عمل الشرطة لضمان تنفيذه.
إدخال تطبيق إداري يتلخّص برفع الغرامة المالية في حال ظل التجاوز قائم.
ضرورة رفع قضية تطبيق أوامر الهدم إلى المستوى السياسي.
وفي حديث لـ "بوابة الهدف" مع عضو اللجنة الشعبية في أم الفحم المحامي أحمد الجابر، حول آليات التصدي لقرارات الهدم، أوضح أن اللجنة الشعبية تعمل في هذا الصدد على ثلاثة محاور، "أولها النضال الشعبي من خلال التظاهر أمام مراكز الشرطة، وهي الأداة المنفّذة لأوامر الهدم، وذلك لإعلامهم بوقوف جماهيري مع العائلات المهددة منازلها بالهدم، والتواجد في خيمة تنصب أمام البيت المهدد بالهدم الفوري لحشد الجماهيري أمامه، ما يشكل رادع في كثير من الأحيان لإفشال عملية الهدم."
والخطوة الثانية، متابعة المسار القضائي مع محامي العائلة والتواجد في جلسات المحكمة وهذا يعتبر إشارة للمحكمة أن موضوع الهدم هو قضية رأي عام وليس قضية شخصية أو فردية، والخطوة الثالثة المتمثّلة بالتواصل مع المهندس المخطط في قسم التخطيط في بلدية الاحتلال، لمتابعة المسار التخطيطي والتنظيمي لترخيص البيت.
واعتبر الجابر أن تلك الخطوات من شأنها أن تمنع استمرار هدم البيوت، إلا أن إفشال قرارات الهدم غير مقرون فقط بتلك المسارات، "حيث أن السلطة القضائية والشرطة تتخذ قراراتها وتنفّذها بناءً على سياسة عنصرية تنتهجها منذ سنوات، وفي الآونة الأخيرة نلاحظ تكثيف التحريض العنصري على كل ما هو فلسطيني وخاصة الموضوع الأساسي، وهو البيت والمسكن."
المراقب لقرارات وخطط الاحتلال اليومية تجاه الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، من عمليات هدم وتهجير كحال أم الحيران والعراقيب وغيرها، والاعتقالات والغرامات المالية والحبس المنزلي لأسباب متعلقة بتعبير معنوي حول الانتفاضة ومحاسبة على "النوايا"، من السهل أن يلاحظ ما يخشاه الاحتلال من السكان الأصليين لهذه البلاد، فهم الأقرب جغرافياً والأكثر تداخلاً في المنحى الحياتي واليومي مع تواجد هذا الاحتلال، لذلك يرى الاحتلال في السنوات الأخيرة أن مساواتهم في العقاب مع الفلسطينيين بالضفة المحتلة ربما يجدي نفعاً في ترهيبهم، إلا أن رد الفعل الذي شهدته عملية الهدم في الطيبة قبل عدة أسابيع، من تحرّك شعبي، وغيره من محاولات المواجهة، أكّد للاحتلال خشيته.. خُضرة قلوبهم لم تتماهى مع زُرقة بطاقات الاحتلال بعد.

