Menu

4 سنوات والمحاكمة تراوح مكانها

تقريرنزار بنات: القتيل الذي لم يُحاكم قاتله

محمد أيمن المدهون

والدة نزار بنات تبكيه أمام جداريةٍ له

خاص بوابة الهدف

في مثل هذا اليوم من العام 2021، شهدت فلسطين إحدى أبشع جرائمها، حين قُتل صوتٌ من أصوات فلسطين التي تنادي بالقومية والحرية والمقاومة، ينادي بطمس الفساد وطرد المفسدين في المنظومة الفلسطينية، صوت طال مداه آذان بدأت تكرّر أحاديثه، الأمر الذي لم يُنل إعجاباً من المتنفذين في منظومة أمنية اعتادت قمع منتقديها.

صبيحة الرابع والعشرين من يونيو/حزيران من العام 2021، استيقظت فلسطين على جريمة اغتيال الناشط والمعارض السياسي نزار بنات بعد أن أقدمت قوة أمنية من السلطة الفلسطينية على اعتقاله فجر ذلك اليوم من منزل أقاربه في إحدى القرى بمدينة الخليل، إلّا أن العملية كان مقصودًا بها القتل عبر طريقتها، فقُتل نزار ضربًا وسحلًا من تلك القوّة التي أخذت أوامر واضحةً باغتياله عبر عملية اعتقاله، الأمر الذي اتّضح بمفارقته الحياة فور وصوله للمشفى.

تعذيب حتّى الموت

في تمام الساعة الثالثة والنصف فجرًا، اقتحمت قوة أمنية مشتركة من جهازي "الأمن الوقائي" و"المخابرات العامة" – تُقدّر بنحو 25 عنصرًا وضابطًا – منزلًا تابعًا لأقارب نزار بنات في دورا جنوب الخليل، حيث كان يقيم بشكل مؤقت.

دون أن تبرز أي مذكرة اعتقال أو إذن قانوني، اقتحمت القوة المنزل بعنف بالغ. ووفقًا لعائلة بنات، فقد بدأ الاعتداء على نزار لحظة فتح الباب، حيث تعرّض للضرب الشديد على رأسه بهراوات وقضبان معدنية، قبل أن تُفرغ القوة الأمنية ثلاث عبوات كاملة من غاز الفلفل في وجهه وفمه.

ولم تكتفِ القوة الأمنية بذلك، بل أمعنوا في التمثيل بجسده، وانهالوا عليه بالضرب بأعقاب البنادق والمسدسات، وجرّوه أرضًا بطريقة مهينة لا تليق بإنسان، حيث نُقل نزار من المكان إلى وجهة مجهولة، وما لبث أن أُعلن عن وفاته لاحقًا في مستشفى "عالية" الحكومي بمدينة الخليل.

شبهات بعدم الجدية في محاكمة المتّهمين

بعد مرور أربع سنوات من الجريمة، لا تزال المحكمة العسكرية في رام الله تؤجل جلساتها بحجج واهية، آخرها "صعوبة إحضار المتهمين بسبب حواجز الاحتلال"، في تبرير لا يصمد أمام منطق، ولا يقنع طفلًا في هذا البلد. تبرير لا هدف له سوى إطالة أمد المحاكمة وتفريغها من مضمونها، وتحويلها إلى مشهد مسرحي، ينتهي بلا إدانة، ولا محاسبة، ولا عدالة.

مدير مجموعة "محامون من أجل العدالة" مهند كراجة، قال إنّ القضية تشهد "مماطلة غير مبررة وشبهات واضحة بعدم الجدية"، خصوصًا بعد الإفراج عن المتهمين خلال عام واحد فقط من ارتكاب الجريمة، وهو ما يتناقض مع الأعراف القضائية والبروتوكولات المعمول بها في المحاكم العسكرية فيما يخص الجرائم الكبرى.

وأكد كراجة في حديث لـ"بوابة الهدف" أن قضية نزار ليست معزولة عن واقع القمع المتصاعد في الضفة، إذ وثقت مؤسسته مئات حالات الاعتقال السياسي، والتعذيب، وسوء المعاملة بحق النشطاء والمعارضين منذ اغتيال نزار، وسط إفلات واسع من العقاب.

 وشدد على ضرورة أن تشهد قضية نزار بنات محاكمة عادلة وجدية، تنسجم مع المعايير الدولية وتضمن تحقيق العدالة لعائلته وللمجتمع الفلسطيني، ضمن فترة زمنية معقولة ومن دون إبطاء.

كما دعا إلى وقف جميع أشكال الملاحقة السياسية والتعذيب بحق النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، وضمان الحريات العامة المكفولة بموجب القانون الأساسي الفلسطيني، بما يشمل حرية التعبير والعمل السياسي والمدني، وبما يعيد الاعتبار لمبدأ المساءلة وعدم الإفلات من العقاب.

إغراءات مادية لغلق القضية

كشفت عائلة نزار بنات عن ضغوطات رسمية ومحاولات لإغلاق القضية عبر عروض مالية ومناصب وظيفية، في مسعى لطمس الحقيقة وتحييد الملف عن المسارات القضائية والحقوقية. وقال شقيقه غسّان بنات إن العائلة تلقّت عرضًا مباشرًا من مكتب رئيس السلطة الفلسطينية، شمل مبلغ 10 ملايين دولار و30 وظيفة حكومية، من بينها مناصب رفيعة، مقابل التنازل عن ملاحقة القضية محليًا ودوليًا.

وأكد غسّان أن العرض قوبل برفض قاطع من العائلة، التي شددت على أن دم نزار ليس محلّ مساومة، وأن العدالة لا تُشترى بالمال أو بالمناصب. وأضاف أن هذه المحاولة تُعدّ اعترافًا ضمنيًا بالجريمة، وتؤكد وجود إرادة سياسية لإغلاق الملف، لا لتحقيق العدالة.

السلطة، التي لم تتخذ أي إجراءات جدّية لمحاكمة القتلة، تواصل تسويف القضية بهدف تمييعها وإنهائها بصمت. مماطلة تُضاف إلى جريمة الاغتيال، وتدلّ على أن ما جرى هو جزء من سياسة قمع ممنهجة تستهدف كل من يرفع صوته في وجه الفساد والاستبداد.

لم تعد السلطة تحتمل أو تقبل بوجود أي صوت يخالفها الرأي وينتقد نهجها السياسي، وبالتالي تجد من الاعتقالات السياسية وسيلة للتخويف والقمع في الضفة الغربية، في ظل استمرار المطالبات الشعبية بضمان حرية الرأي والتعبير، وعدم المساس بالمواطنين، وخاصة النشطاء، أو احتجاز حريتهم، لما يمثّله من خروجٍ على قواعد القانون الأساسي الفلسطيني.