Menu

النكسة ترتد على العدو: حزيران يحترق بنار إيران

أحمد زقوت

نشر في مجلة الهدف العدد (72) (1546)

تمر ذكرى نكسة حزيران هذا العام على الفلسطينيين في قطاع غزة وقد باتت "النكسة" بالنسبة لهم حدثًا يوميًا متكررًا، لا مجرد لحظة تاريخية تُستعاد في الذاكرة، فبينما تواصل آلة الحرب الصهيونية حصد الأرواح وتدمير الحجر والبشر، جاءت صواريخ إيران لتكسر جدار الصمت، وتحمل توقيعًا مختلفًا: رسالة نار في وجه الاحتلال، وصوتًا لا يشبه الانكسار بل يعلن رفض الهزيمة.

وفي الذكرى التي دفنت فيها الكرامة العربية تحت ركام الهزيمة عام 1967، يتشكّل هذا العام مشهدٌ جديد يحمل بعدًا رمزيًا وزمنيًا ثقيلًا، ففي شهر الانهيار الكبير، حيث سقطت فيه القدس والضفة وغزة والجولان وسيناء، اختارت طهران أن تردّ على طريقتها لا بالكلمات والخطب، بل بالرشقات الدقيقة والمسيرات المتفجّرة، في صفعة تاريخية تؤكد أنّ حزيران لا يجب أن يُكتب دائمًا بلون الهزيمة.

 

من نكسة إلى مواجهة واشتباك

المسنّ محمود عودة، البالغ من العمر 67 عامًا، استعاد في مقابلة مع "مجلة الهدف"، مشاهد الهزيمة التي لم تغادر ذاكرته منذ كان طفلًا في العاشرة من عمره، قائلاً: "كنت أسمع دوي الطائرات الصهيونية وهي تضرب العمق العربي، وشاهدت الجنود ينسحبون دون مقاومة تُذكر، وقتها، ورغم صغر سني، عرفت أن الأمة خذلت فلسطين".

ورأى عودة أن الخسارة كانت معنوية قبل أن تكون جغرافية، مضيفًا أنّ "الضفة سقطت، وغزة احُتلت، والقدس والجولان وقعتا في يد أكثر الناس دموية، واليوم بعد 57 سنة، غزة ما زالت محاصرة ومقصوفة، لكن لما سمعت عن صواريخ إيران وهي تضرب "تل أبيب"، شعرت أن الزمن تغيّر، وأنه ربما جاء وقت الردّ بالنار بدل الانتظار، فالضربات كسرت صمتًا عمره عقود".

وختم حديثه بنبرة مشوبة بالأمل والحذر: "ما بدي أوهام، بس كل صوت بيرعب الاحتلال، ولو لثوانٍ، هو خطوة لقدام، حزيران كان بداية الانهيار، ويمكن حزيران 2025 يكون بداية كسر المعادلة."

أما المواطنة فاطمة اليازجي، من مخيم الشاطئ، وصفت نكسة حزيران بأنها بداية وجع طويل، لم يبرأ مع الزمن، مبينةً أنّها كانت شابة حينذاك، إذ شاهدت الوطن يُسلَّم قطعةً بعد أخرى، حيث لم تكن الهزيمة فقط على الأرض، بل في القلب والوجدان.

وحين سألتها "الهدف" عن الضربات الإيرانية الأخيرة، أجابت بصوت يملؤه الأمل: "شعرت براحة لم أعرفها منذ سنوات، كأن هناك من يردّ على الظلم الذي يفتك بنا منذ عقود، قد لا تغيّر الضربات وحدها المعادلة، لكنها بداية تُنبئ بأن الهزيمة لم تعد قدرنا".

وفيما يتعلق بخذلان بعض الأنظمة العربية، أوضحت اليازجي بغضب، أنّ "الأنظمة التي تختار الصمت أو التعاون مع الاحتلال خذلت شعبها وقضيته"، لافتةً إلى أنّ "الكلمات وحدها لا تكفي، ولا تساوي شيئًا أمام الدم والدموع التي تسيل على أرضنا، والتطبيع خيانة كبيرة، ونحن بحاجة لأن تعود هذه الأنظمة إلى ضميرها قبل فوات الأوان، وأنّ يكون الصوت العربي واحدًا وحرًا."

وأعربت المواطنة عن أملها في أن ترى الأجيال القادمة فلسطين حرة، بلا احتلال ولا ظلم، وأن يبقى صوت المقاومة حيًّا، وأن تمتد كل يد حرّة لنصرة غزة وشعبها، مؤكدة أنّه لا أمل دون وحدة ولا نصر بلا قوة.

 

الكرامة لا تُستجدى بالصمت بل تُفرض بالنار

من جهته، اعتبر الشاب غيث أبو صالح أن نكسة حزيران ليست ذكرى عابرة، بل واقعًا مريرًا ما زال يتكرر بأشكال مختلفة حتى اليوم، إذ قال في حديثه لـ"الهدف": "النكسة لم تنتهِ، بل تم تغييبها وتجميلها، فيما بقيت نتائجها قائمة، ولم تكن الهزيمة في حزيران 1967 فقط عسكرية، بل كانت سياسية وأخلاقية، تكرّست بصمت الأنظمة وركونها إلى سلام زائف وتطبيع مهين".

وبشأن الضربات الإيرانية الأخيرة على الكيان، أوضح أبو صالح، أنّ "ما فعلته طهران يُعد ردًّا عمليًا يكسر حالة الجمود والهزيمة التي طغت على المشهد العربي، صحيح أن المواجهة المباشرة مع الاحتلال ليست خيارًا متاحًا للجميع، لكن رؤية صواريخ تخترق سماء "تل أبيب" هي بارقة أمل، ورسالة بأن المقاومة لا تزال حيّة، وقد لا تكون هذه الضربات كافية، لكنها خطوة في الاتجاه الصحيح".

وفي تعقيبه على موجة التطبيع العربي، عبّر أبو صالح عن أسفه وغضبه، قائلًا: "التطبيع خيانة كبرى ومذلّة، يمنح شرعية للاحتلال، ويُهمل جوهر القضية الفلسطينية، وفي كل يوم نرى اتفاقيات جديدة تُبرم، بينما تتساقط القذائف على غزة، وهذا الواقع يجعل من الصعب قلب المعادلة، ويشكّل صفعة لكل فلسطيني وعربي حر، ويُقوّض أي أمل في موقف عربي موحّد وفاعل".

ودعا الشاب غيث أبو صالح الشعوب العربية وأحرار العالم إلى كسر حالة الصمت، والتحرك الجاد لنصرة القضية الفلسطينية بالفعل والموقف، لا بالشعارات، مؤكدًا أنّ الأمل معقود على الشعوب لا على الأنظمة.

 

"كفى خيانة".. غزة لا تنكسر

بدورها، تحدّثت الشابة ليان الصوفي من مدينة غزة المحاصرة عن مشاهد الألم والدمار التي تملأ يوميات سكان القطاع، مؤكدة أن ما تعيشه غزة اليوم أشبه بـ"محرقة حقيقية".

وقالت في حديثها إلى "الهدف": "الدمار والدموع يملآن كل زاوية، وتُهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها، يُفقد الأطفال أهلهم، ويعيش الناس ألمًا لا يُوصف، ورغم ذلك نبقى صامدين، لأننا نؤمن أن الحق لا يموت، وأن صوتنا، مهما حوصِر، سيبقى عاليًا".

وعن القصف الإيراني الذي استهدف "تل أبيب"، أضافت الصوفي، أنّه "عندما سمعت الخبر، شعرت بنوع من العدالة بدأت تأخذ مجراها، وهذا الرد لم يكن مجرد ضربة عسكرية، بل رسالة واضحة للعالم، بأننا شعب حي، والمحتل لن يكون في أمان دائم، وصواريخ المقاومة تذكّرهم بأن دماء أطفال غزة ليست رخيصة".

أما عن الموقف العربي والدولي، فأكدت الصوفي بمرارة، أنّ "الخذلان العربي والدولي موجع حدّ الخيانة، فالعرب الذين يُفترض أنهم إخوتنا، باتوا يبيعون قضيتنا باتفاقيات التطبيع، والغرب، خاصة أمريكا وأوروبا، يموّلون القتل ويدعمون الاحتلال ويتجاهلون معاناة شعبنا".

وختمت الصوفي رسالتها بنداء إلى الضمير العالمي: "انظروا إلى غزة كما هي، لا كما تُشوهها روايات الإعلام الموجّه، ولا تغضوا أبصاركم عن دمائنا ودمارنا، ولا تتركوا الاحتلال يفلت من العقاب، والدعم الحقيقي لا يكون بالصمت أو التواطؤ، بل بالوقوف إلى جانب الحق، مهما كان الثمن".

لم تكن الضربات الإيرانية التي استهدفت عمق الكيان الصهيوني مجرّد ردٍّ عسكري، بل جاءت كرسالة نار في وجه الخذلان العربي والصمت الرسمي، تأكيدًا أن المقاومة ليست شعارًا يُرفع، بل فعل يُمارس.

وفي زمن التطبيع العربي المُذلّ، حيث تُباع المبادئ مقابل الصفقات، حملت تلك الصواريخ صوتًا مختلفًا: الكرامة لا تُشترى، وحزيران لا يجب أن يبقى نكسة أبدية، بل يمكن أن يكون بداية لعصر جديد من الرفض، والمواجهة، واستعادة المعنى الحقيقي للكرامة العربية.

فهل يدرك العرب أن الصواريخ التي اخترقت سماء "تل أبيب" هي صوت الغضب الذي لم ينبض من عواصمهم، ورسالة تُطالبهم بإعادة النظر في مواقفهم؟ أم سيظلون أصدقاء للمحتلّين وخونة لقضيتهم.