Menu

عندما تكون فلسطينيًا ...حكاية من وحي النكبة والشتات

عمر فارس

بوابة الهدف

 

وُلدتُ في ظل مأساة لم تختَرها، لا طفولة طبيعية لي، بل نشأة في خيمة لا كهرباء فيها ولا ماء، في ظل ظروف قاسية لا تُحسد عليها. الفلسطيني عندما يولد، يُولد لا كطفل فقط، بل كحامل لقضية أمة، كرافد لألم شعب لا يُمحى من ذاكرة التاريخ.

 

الولادة في الخيمة وهجرة الجولان

 

ولدتُ في هضبة الجولان، في منطقة سنابر، قرب قرى الزنغريّة في قضاء صفد، حيث كانت عائلتي تعيش قبل أن تُجبر على ترك بيتها وأرضها بسبب الهجمات الإرهاب فىية التي شنّتها المنظمات الصهيونية بهدف إقامة دولة عنصرية تقوم على التطهير العرقي، والتي أصبحت تُعرف باسم إسرائيل.

 

كان والدي مضطرًا لترك أرضه ووطنه تحت ضغط الاحتلال والإرهاب. وُلدتُ لاجئًا، ليس اختيارًا، بل قسرًا فرضته آلة الحرب والاحتلال، فأول منزلي كان خيمة لا تحمي من برد الشتاء ولا من حر الصيف، بلا ماء نظيف ولا كهرباء، ولا أمان

 

حمل الهمّ الأكبر

 

عندما تكون فلسطينيًا، لا تحمل هم نفسك فقط، بل هم شعب مسلوب الأرض والكرامة، شعب تُزهق أرواح أبنائه يوميًا، وقضية يتآمر العالم على دفنها تحت ركام الصمت والظلم.

 

تولد وفي قلبك مقاومة، وفي دمك كرامة لا تموت، وفي روحك خريطة العودة التي لا تنطفئ مهما طال الزمن وابتعدت عن الزيتون والزعتر.

 

استشهاد والدي وبداية الرجولة

 

في الحادية عشرة من عمري، استشهد والدي، فانتقلت من الطفوله إلى مرحلة النضج المبكر، إذ لم يعد لدي وقت للعب، بل للوقوف على قدمي كإنسان يحاول حمل أعباء وطنه.

 

كان أول كتاب قرأته مذكرات تشي غيفارا، منها تعلمت أن الثورة ليست لحظة غضب عابر، بل طريق طويل من التضحيات والإيمان بالحق، وأن الظلم مهما طال فهو زائل

 

مدارس الأونروا ونور المعرفة

 

درست في مدارس الأونروا في ريف دمشق، حيث كان المعلمون فلسطينيين، يزرعون فينا حب الوطن والعودة، ولا ينسون أن يذكّرونا بحقنا في فلسطين. كانت تلك المرحلة زمن النهوض القومي وزمن المقاومة الفلسطينية، زمن الكرامة التي لن تُهدَر

 

ثانوية جودة الهاشمي والوعي الطبقي

 

ثم التحقت بثانوية جودة الهاشمي في دمشق، التي كانت من أفضل مدارس سوريا، وهناك شعرت لأول مرة بالفارق الطبقي، حيث كان بيننا أبناء الأغنياء، وكان الزي المدرسي الموحد – لباس الفتوة الكاكي – يجسد مظهر الوحدة، رغم الفوارق العميقة.

 

في تلك المرحلة بدأت أنخرط في العمل التنظيمي والالتزام السياسي، رغم أنه لم يكن موجهاً ضد النظام، لكن النظام لم يحتمل وجود أي نشاط مستقل، فبدأت مرحلة الملاحقات والاعتقالات.

 

المثابرة رغم القمع

 

رغم الضغوط، أنهيت الثانوية العامة، وقررت الالتحاق بكلية العلوم في جامعة دمشق، مؤمنًا بأن العلم سلاح في وجه الظلم، وأن المعرفة قوة في معركة البقاء والكرامة.

 

لكن هذا فصل آخر سأروي تفاصيله في مقال لاحق، لأن ما بعد الجامعة حكاية جديدة من النضال والمنفى والتمسك بالهوية.

 

الهوية الفلسطينية.. ليست مجرد كلمة

 

أن تكون فلسطينيًا، يعني أن تملك جذورًا ضاربة في عمق التاريخ، وألمًا لا ينطفئ، وحنينًا لا يموت.

لا تحتاج لتعريف، فالدمعة في عيون أمك، ورائحة الدخان في رسائل الجد، وصورة البيوت التي صودرت، كلها تكفي لتروي قصتك.

 

مهما كنت بعيدًا، في المهجر أو الشتات، يبقى الوطن في القلب، والعودة حلمًا لا يموت.