تُعد النسوية في الأدب الفلسطيني مرآة لتحولات الوطن والشتات، إذ لم تكن المرأة الفلسطينية مجرد شاهدة على الأحداث، بل فاعلة أدبية وثقافية عبّرت عن معاناة الإنسان الفلسطيني، وناضلت بالكلمة، كما ناضل الرجل بالسلاح. تتبدى خصوصية التجربة النسائية في الأدب الفلسطيني في كونها مزدوجة الوجع، فهي تحمل في طياتها همّ الوطن وهمّ النوع (الجندر)، وتتقاطع مع مساحات المنفى، الاحتلال، القهر المجتمعي، والمقاومة الثقافية.
هذا الأدب النسوي الفلسطيني، لا يطلب إذنًا ليدخل الوجدان، ولا يتوسل اعترافًا، بل يشق طريقه من صلب الألم، ومن عناد الجذور. هو صوت الأنثى التي لم تكسرها القضبان، ولم تُنهكها المخيمات، بل جعلت من قصتها مرآةً لوطنها، ومن وجعها وعدًا بالمقاومة. صوت أنثى من فلسطين.
أولاً: المرحلة التأسيسية – ما قبل النكبة (حتى عام 1948)
قبل النكبة، كان المجتمع الفلسطيني مجتمعاً محافظاً تقليدياً، محدود الأطر التعليمية للنساء، مما انعكس على حجم المشاركة النسائية في الأدب. مع ذلك، بدأت تظهر بوادر صوت أنثوي متعلم يسعى للكتابة والنشر في الصحف والمجلات، وأبرز الأديبات في هذه المرحلة:
فدوى طوقان (1917–2003)
ولدت في نابلس لعائلة محافظة، مُنعت من التعليم النظامي، فتلقت تعليمها في البيت على يد أخيها الشاعر إبراهيم طوقان. ومن أبرز أعمالها: وحدي مع الأيام (سيرة ذاتية) - اللحن الأخير- أمام الباب المغلق. ومزج أسلوبها بين الحزن الأنثوي والحس الوطني، ومرت بتحول كبير من الرومانسية إلى الواقعية السياسية. تركت أثرًا عميقًا حيث كانت صوتًا نسائيًا سابقًا لعصره، وتعد من أهم رموز الشعر النسوي العربي.
سميرة عزام (1927–1967)
وُلدت في عكا، اضطرت للجوء إلى لبنان بعد النكبة، ثم عملت بالإذاعة والصحافة. ومن أبرز أعمالها: قصص أخرى، الساعة والإنسان، العيد من النافذة الغربية. وتعد رائدة في القصة القصيرة، تستخدم لغة بسيطة ومباشرة مع عمق نفسي واجتماعي. رسّخت شكل القصة القصيرة كفن أدبي لدى الكاتبة الفلسطينية.
ثانيًا: مرحلة النكبة والمنفى الأول (1948–1967)
في عام 1948، لم تكن النكبة مجرد حدث سياسي، بل زلزالًا إنسانيًا اقتلع شعبًا من أرضه، وحوّله إلى شتات مفتوح الجراح. وما بين عامي 1948 و1967، لم يكن المنفى فقط مسافة جغرافية، بل كان امتحانًا للهوية والكرامة. ورغم القهر، بدأت الملامح الأولى للأدب الفلسطيني في المنافي تتشكل، وكانت تلك الفترة مرجعية وجدانية وإنسانية، ولّدت وعيًا جديدًا بأن النكبة لم تكن نهاية، بل بداية صراع طويل من أجل البقاء، والعودة، واستعادة الصوت؛ فعلا صوت الأديبات، ومن أبرزهن:
رجاء نعمة
من أصل فلسطيني لبناني، ساهمت في رفد الثقافة الفلسطينية من بيروت. ومن أبرز نشاطاتها: شاركت في تحرير مجلات أدبية، وكتبت مقالات ذات طابع اجتماعي سياسي. واهتمت بتحليل أثر النكبة على النساء، وناقشت خطاب العودة والنكسة. ساهمت في تشكيل وعي نسوي- وطني خلال أصعب مراحل الشتات.
مي الصايغ
شاعرة من الجليل، تكتب منذ الخمسينيات، عملت في التعليم والصحافة. ومن أبرز أعمالها: مجموعات شعرية مبكرة، مقالات أدبية. وتكتب بأسلوب تأملي، يحمل طابعًا وجدانيًا ووطنيًا مع تركيز على شخصية المرأة. ساهمت في رسم ملامح الشخصية الأنثوية الفلسطينية في الشتات.
ثالثًا: مرحلة ما بعد النكسة وبروز الكفاح الوطني (1967–1987)
منح احتلال الضفة و غزة عام 1967 القضية الفلسطينية بُعدًا عالميًا. في هذا الوقت، اندمجت الكاتبة الفلسطينية في الفعل المقاوم، وتنامى دورها داخل منظمة التحرير، والمخيمات، والشتات العربي. ومن أبرز أديبات تلك المرحلة:
لمياء عرفات
من عائلة فلسطينية منفية، نشأت في بيئة مثقفة. وكتبت القصص القصيرة وشهادات عن المرأة في اللجوء. أسلوبها واقعي ساخر في أحيان، يرصد تفاصيل الحياة الصغيرة. قدمت صورة مغايرة عن الأنثى اللاجئة، لا الضحية فقط بل بوصفها كائنًا واعيًا.
سحر خليفة
من نابلس، درست الأدب والمرأة، حصلت على الدكتوراه من أميركا. ومن أبرز أعمالها: الصبار، باب الساحة، الميراث. تناولت في رواياتها صراع المرأة داخل المجتمع الفلسطيني والمقاومة، وقد كانت سببًا في ظهور الرواية النسائية كأداة مقاومة، تقاطع الوعي الجندري مع التحرر الوطني. ونقد الأعراف الذكورية داخل السياق النضالي، وكتبت عن تناقضات المجتمع ومكانة المرأة داخله.
رابعًا: الانتفاضة الأولى (1987–1993) وبروز الأدب المقاوم النسائي
في انتفاضة الحجارة، لم يكن الحجر وحده سلاحًا، بل كانت الكلمة أيضًا بندقية. بين أزقة المخيمات وحارات المدن المشتعلة، برز صوت المرأة الفلسطينية لا كمرافقة للحدث، بل كصانعة له. في تلك السنوات، تبلور الأدب النسوي المقاوم كجزء حيّ من الانتفاضة، فكتبت النساء عن الأسر، والمطاردة، والأمومة تحت القصف، وعن الحب الذي يولد في ظل الحواجز.
جاء هذا الأدب ليكسر الصورة النمطية للمرأة بصفتها ضحية، وليقدّمها مقاتلة بالقلم والقصيدة، توثّق اليومي المقاوم، وتعيد تعريف البطولة من موقعها الإنساني والأنثوي. كانت الانتفاضة الأولى لحظة انكشاف، ولحظة ولادة لصوتٍ نسائيٍ جريء، يكتب ليُذكّر: أن المرأة لم تكن يومًا ظلًّا، بل جذع الانتفاضة، ومن أبرز كاتبات هذه المرحلة:
رقيّة الكرمي
نشأت في طولكرم، وبرزت إعلامية وشاعرة. مزجت الشعر بالنشاط السياسي. أسلوبها وجداني مقاوم، يمزج العاطفة بالحماسة الوطنية. وكانت من الوجوه النسوية العامة التي جمعت بين السياسة والأدب.
جميلة شُرّاب
من غزة، عاصرت الانتفاضة، وعملت في التعليم والثقافة. واهتمت بالقصة القصيرة والشعر. كان أسلوبها سرديًا شعبيًا قريبًا من الحياة اليومية للمرأة الفلسطينية. وشكلت صوتًا من غزة يعبر عن أنثى الانتفاضة.
من خلال استعراض بعض النماذج الأدبية النسوية، يبدو جليًا أن المرأة الفلسطينية لم تكن مجرد تابعة في المشهد الأدبي، بل شكّلت عموداً أساسياً في الثقافة الوطنية، من الشعر الرومانسي إلى السرد المقاوم، ومن التأمل في النكبة إلى استشراف المستقبل. عبر مراحل القهر والشتات، ظل صوت الأديبة الفلسطينية مرافقًا لصوت الأرض، والأنوثة، والحرية. (يتبع)

