الخطاب الأدبي خطاب رمزي، وفي النص الشعري تتمخض الرموز الشعرية عن تجربة شعورية، وهي حالة ذاتية يمر بها الأديب فيعبّر عنها بصور وتعابير إيحائية انعكاساً لما نفسه لأن النفس تتأثر بالعوامل المكتسبة فتطبعها بطابع محيطها الذي نشأت فيه ، وتتنوع بتنوعه وتختلف باختلافه .
في هذا الصدد يجدر الإشارة إلى الشعر كمتفرد أدبي يزخر بالعواطف والمشاعر المتراكمة في أحاسيس الشاعر لتفوح من مكامن رؤاه التي يبثها في إطار صور شعرية تتراقص في بناء قصائده وبوحها .
تتصفح الشعر في أدب الشباب الفلسطيني فيأخذك الألم والأمل مترافقين سيما من بقوا تحت القصف و "المقتلة" التي يمارسها الاحتلال عليهم، رافضين النزوح تشبثاً بترابهم والابتعاد عن تكرار النكبة المريرة .. يصارعون الموت والجوع بسلاح مفرداتهم وبيان أشعارهم لهيباً يضرم الحماس في نضالهم ومشاعر إنسانية تفيض داخلهم وتفضح ممارسات آلة القتل والتدمير الإسرائيلي الممنهج
يتبادلون أدوار المقاتلين في تصديهم لمحو إنسانيتهم بعنفوان المفردة وبلاغتها حساً وجدانياً وسلاحاً ممضاً في مقاومتهم للاحتلال ونشر قضيتهم عالمياً يفندون مزاعم وتزوير الصهاينة لحق الفلسطينيين المغتصب أرضاً وتاريخاً وتراثاً .
أدباء شباب بعمر الورود، حملوا سلاح الكلمة، قاتلوا الجوع والتهجير والقتل الممنهج ، صرخوا بمفرداتهم في وجه آلة التدمير والإبادة والجرائم الإنسانية التي طالتهم وطالت عوائلهم، جاعوا وعطشوا وتناهبهم البرد والحر، فكانت قصائدهم ملاذاً لصمودهم وعدالة قضيتهم ..
- أقلام الأدباء الشباب المقاوم والرافض للنزوح ومغادرة غزّة، يؤثرون الاستشهاد ويرفعون راية المفردة الأدبية الشعرية رسالة للإنسانية .. وكما السلاح، وكما الحجارة ، تأتي المفردة الأدبية الفلسطينية بكل عنفوانها ورونقها الأدبي لتنضم إلى إنسانية الفلسطيني سداً في وجه جرائم الإبادة الوحشية التي ينتهجها الجيش الإسرائيلي.
فكان لا بد من تسليط الضوء على نضالهم المتمثل في أيقونتي رفض النزوح عن أرضهم وبقائهم بين ركام وحطام المنازل بفعل وحشية الاحتلال الصهيوني، وروح الشباب التي ترتديهم وتزيّن أدبهم، فكانت الشاعرات "هند جودة، رهام البلبيسي، ومضة تتمتعان بروح الشباب وشاعرية المفردة الأدبية سطّرن بوح قصائدهن بمباشرة ظاهرة وواضحة فنياً، وأخرى باطنة مرتبطة بالمعنى المراد توصيله من قبلهن كشاعرات متميزات يملكن إعادة تشكيل مفرداتهن الشعرية في أبهى جمال وبديع البيان .
يلتحم الفن الفلسطيني المقاوم لتكتمل زوايا النضال .. ينقل الألم والأمل في أبهى حلّة .. يرسم إنسانيته قوةً ناعمةً استطاعت التأثير والغوص في وجدان الإنسانية العربية والعالمية بكل تشعباتها الفنية الأدبية من رواية وشعر وقصة وحتى المقالة في تكوينها الفني الأدبي، فنقل معاناة الشعب الفلسطيني وصموده، والتعايش مع أبسط المقومات الحياتية التي أجحف الاحتلال قاصداً بسلبها منهم في تجربة نضالية قلّ نظيرها في كل ثورات العالم ومقارعة الاحتلال، وجسّدت نماذجاً حيّة للتفاعل مع قضيتهم عبر استخدام أدبهم الذي بنوه في الداخل الفلسطيني رافضين المغادرة رغم كل ويلات الحرب والدمار والقتل الممنهج واستشهاد البعض منهم وهم يخطّون بأدبهم موقف شرف الشهادة .
يعيشون الداخل الفلسطيني .. يلتحفون غزّة الجريحة الدامية التي تودّع كل يوم عشرات الشهداء من الأطفال والنساء والكهول ناهيك عن التدمير .. يعانقون الموت ويرتشفون الألم، ويسطرون الأمل شعاعاً بأقلامهم التي رفضت النزوح واختارت النضال والمقاومة بل وحتى الشهادة .
أدباء في عمر الورود، يتربع داخل كل منهم أهازيج التحرير شعراً ورواية وقصة .. يستلهمون الكرامة من تحت الأنقاض، ينسجون العزّة بحروفهم .. شباباً تقف أمامهم بإجلال الناقد الذي لا يملك سوى ارتعاشة حروفه حين يتصفح نتاجهم الأدبي وقد ترافقه الدمعة الممزوجة ببسمة الفرح القادم الذي يبثّه أدبهم في ذات المتلقي وأقلام النقاد .
تصدح قصائدهم، وتحلّق قصصهم، وتنبت رواياتهم أدباً غير معقول بروح الأدب المتأصل بياناً وبديعاً وصوراً شعرية تتقافز مع حروفهم المنهكة الممزوجة بالمشاعر العميقة من رحم المعاناة وانتظار الشهادة بين القصيدة والقصيدة شعوراً منهم بقدسية أدبهم وإحساساً بمسؤولية النضال وتوثيق الأحداث وتخليد التضحيات والحفاظ على قضيتهم حيّة في وجدان وذاكرة العالم.
شاعرات فلسطينيات تربعن على ركام المفردة الشعرية وتحت خيمة بديع أدبها الذي أفرزته معاناتهن من خوف وجوع وشظايا صواريخ تقتل دون رحمة .. يُسطّرن بالكلمة، ينفثن بالمفردة، حق فلسطين في أرضها وتاريخها وتراثها ووجودها.. يبحثن عن أبسط مقومات الحياة التي سلبتها منهن جرائم الاحتلال .. يبحثن عن إنسانياتهن وعن أبسط مقومات الحياة وسط ظروف القهر التي فرضها الاحتلال .
تراكيبهن الشعرية تمتد بياناً متدفقاً وصوراً تُحلّق في بنية القصيدة المكلومة دون رفاهية مفرداتها .. يتألم لها المتلقي، ويحزن لها القارئ، فأرستا بناءً شعرياً عميقاً في الأدب، وداعبتا إنسانيته .. أعدن هندسة الإنسان وفق هندسة القصيدة وبنائها المتوازن المتكامل بتعدد أوجهه الحسية والنمطية والعقلانية:
- هند جودة : شاعرة فلسطينية غزّاوية، قاصة وشاعرة ولها العديد من الكتابات والأمسيات الثقافية، كما عملت في إعداد البرامج الإذاعية، وقدمت برنامج صباحي في راديو الحرية بغزة باسم "صباح الخير يا وطن ، لها ديوان شعري بعنوان " دائما" يرحل أحد" .
- رهام حسن البلبيسي : مواليد غزّة، تعمل في مدارس الأونروا، حصلت على بعض الجوائز المحلية في الشعر ، ولها مجموعة شعرية بعنوان "وجهي يلوح لي" .
- رهام حسن البلبيسي :
تهمس "رهام" بديوانها "وجهي يلوح لي" بجذورها التي غرستها في غزّة رافضة النزوح، وفي عتبتها النصيّة المتمثلة بالإهداء .. تهمس لغزّة :
"إليكِ ..
وأنت تعبرين كل هذا الموت وحدكِ :
إلى غزّة .."
وتؤكد :
"أنا الجرحُ الهجينُ من تعبٍ، ومن تَعَبْ"
تهدي ديوانها إلى غزّة ومن يحتضن غزّة، فهي مدينة الحياة كما رأيتها في قصائدها وليست مدينة الموت رغم استخدامها مفردة "الموت" مجازاً تعبيرياً أدبياً ساعد في تشكيل شاعريتها ..
غزّة لدى الشاعرة "رهام"، الولادة المستمرة لحياة بلغت أصقاع كل الأحرار والمثقفين في العالم الذين هتفوا وافترشوا الساحات ومدرجات الجامعات ومدرجات ملاعب كرة القدم، ومدرجات الذات الإنسانية في أوج توهجها وعنفوانها، فتقول في قصيدتها "حزن المدينة" :
"ورثتُ الحزنَ عن أبي،
وأبي ورث حزن المدينة"
هذا الحزن المعشش في قلب الفلسطيني ترسمه الشاعرة بدقة بيانها الإبداعي واختزال الصورة المكثفة لتربط الفكرة السيكولوجية مع الحياتية وتوارثها أباً عن جد بما تحمله من ذكريات "المقتلة" التي سخرت لها الآلة الصهيونية الهمجية كل ويلات الدمار :
"حين ينهشك التعب عارياً
هارباً إلى صومعة الروح
لترتدي يقين الأنبياء
وامضِ
كأني ميت في هذا الوطن
يخبئ موته في اكاليل البنفسج
خبةً خيبة
هكذا نبني الأمل"
أدركت الشاعرة في مفرداتها قيمة كل قصيدة لديها، فوهبتها معناها بدقة دون تخلّيها عن بلاغتها ومدلولها البياني الأدبي، فجانبت المباشرة الصريحة في لغتها وحققت بذلك ركيزتي التأثير والفعالية لدى المتلقي بجمالية توظيف سياقها وتحميلها دلالاتها الرمزية لتتدفق بذلك صورها مترافقة مع حالات الحزن والقهر بإشارات غير مباشرة بحيث بقيت ضمن الإطار البياني الأدبي للشعر وخصائصه وتوظيف صوره بأسلوبها وإحساسها :
"بساقين مبتورتين ويد واحدة
ترفع شارة النصر
في عين الكاميرا الباردة
تطبع صورة المجد المزيف
الراقد في جراحنا"
وتتابع :
"أي بلاد
تطعم أكبادها للغياب"؟
وتفتح صدرها للراحلين؟
أي بلاد؟"
من قال أن الحزن يغفر ذنوب الليل؟ من قال أنه يمحو مرارة أعواد القرنفل؟
الحزن لا يمحو مرارة أعواد القرنفل، من يمحوها؟ هذا القرنفل قاتل سلالات بكتريا الموت، هكذا تؤكد رهام حسن البلبيسي :
"الحزنُ لا يغفرُ ذنوبَ الليل
ولا يمحو مرارة أعواد القرنفل
لرحيقِ القمحِ الأصفر
ابذر دموعكَ
يا عطش الأنبياء
والقِ السلام على راحتيك"
مفهوم الصورة الشعرية لا شك أنه لا زال مفهوماً إشكالياً غير مستقر لدى معظم النقاد كما أفصحوا عن ذلك في أسس أعمالهم النقدية، ولا يزال قضيةً نقديةً جدلية خلافية، فالصورة الشعرية لا قيم ثابتة لها، وإنما تحدد قيمتها وفقاً لسياقها الفني الذي تتشكل من خلاله :
"ندخل الحرب من بابها
العابرون إلى الجحيم
يا إرثنا الشرعي في الشتات
أشتهي شهوة الغريق
بمعول الحرب ترتطم الصباحات"
إلا أن الشاعرة رهام البلبيسي أبدت مفهومها الشعري بصور وطنها الممزق بأيدي مجرمون لا مكان للإنسانية لديهم ولذا ترى ذاتها طفلة لا تأبه لعمى الرمال المحيطة بها، وتصرخ حين يسرق أحد لعبتها أو حلوتها فهي لا تريد من الحرب أن تصفعها حين تنتزع منها بحرها وأيامها التي دمرتها الحرب وسرقت منها فرح طفولتها :
"أنا طفلة الحروب الصغيرة
لا أبالي
بعاصفة من الرمال
وأصرخ حين يسرق أحد لعبتي
أو حلواي من يدي ..
أنا طفلة الحروب الصغيرة
فلا تلطمي وجهي أيتها الحرب
حين أسرق من عينيك
بحري وأيامي
وأشيائي التي أحب .."
فللصورة دلالات مختلفة لديها، هي تشكيل جمالي متفرد، ولها دلالة مادية وذهنية، المادية تضمين لفظ الصورة دلالة على الأشياء الحسية المدركة بإحدى الحواس، أما الذهنية فهي تزيّن اللفظ بمعانٍ وإيحاءات مرتبطة بالأشياء الحسية كارتباطها بـ "المخيّم" :
"المخيّم
ألف موت
وألف نَدب
ذلك اليُتْم
لا حدود للضياع هنا
كما لا حدود للإبداع"
ذنوب ليل غزًة بقذائف وصواريخ الموت لا يمحوها هيجان الرؤيا، ولا صراخ التأوهات لأطفال الموت والحياة، ونساء الاعتكاف بين ردهات خيامهم.. فوجهها يلوح لها، تُطفئ ظمأ الأنبياء في رسالتهم الخالدة وانبعاث الأجيال من رحم الأمهات الفلسطينيات:
"وجهي يلوح لي
لماذا لا أرى عيني؟
الوقت قوافل من الضباب
كم من زهرة تقطف حولي؟
الحب يُمضغ في أفواه الشياطين
والعالم لا يمر من حولي"
- هند جودة :
للشاعرة هند جودة دلالات بلاغية أيضا لا بد منها وتترافق معها في البنية والتركيب اللغوي وترتكز على مفردات تُفسح الفضاء رحباً في ذهن المتلقي بعذوبة استخدامها وإجادة تركيبها، فاستخدمت التجسيم الحسي للقصيدة المكثفة المضغوطة، واستطاعت إثارة ذهن المتلقي لتشكيل المعنى المُراد به والذي توخت الشاعرة به للوصول إلى غايتها المقصودة بتشكيل المادة الأدبية وصوغها محسنةً بديعيةً تؤكد براعة استخدامها وتوظيفها في متن القصيدة كما في قصيدتها "فزّاعة" التي تصف لهاثها و"فزّاعة" الحياة تطاردها :
"هذا اللهاث لي
مذ كنت أركض راجفة على أول الطريق
كانت فزّاعة الحياة تعدو خلفي
وكلّ هذا التيه لي"
رغم أنها :
"عالقة في متاهة
لا تعيدني إلى بيتي جهة آمنة
ولا طريق واضحة للخلاص"
لقد كان التخييل مرافقاً لإثارة انفعالات المتلقي، فعبّرت حسياً بطريقة عرضها وتناولها وتركيزها، لتمزج برهافتها الشعرية بين الخيال والعقلانية وتكشف مشاعرها وخواطرها في أبهى مظاهر الجمال الفني، فتجاوزت أثرها في أعماق نفس المتلقي ولا شعوره الدفين لتلج إلى جوهر القصيدة فيضاً نابعاً من عملها الخيالي المترف في بناء أُطرها :
"أنا امرأة النوافذ المشرعة
لا أطمح لاستراحة من الريح، ولا تؤلمني وحدة الضوء
روحي مدينة المتعبين
أسير داخلي بثقة المجانين
كأني فراشة تقترب من حتفها راقصة"
استخدمت الشاعرة بناءً لغوياً أفرز رؤيتها متجاوزة دلالة المفردة البسيطة لتقودنا إلى تعقيد تركيبها الشعري وتوظفها في نسيج تخيّلي أسهم في التعبير عن تجربتها الذاتية الأولى بشكل متميز ومتناسق وأحيت المفردات في نصوصها وفق قدرتها الخيالية والثقافية لتكشف رؤاها الفكرية وما يعتمل في داخلها :
"قلبكَ من ملح فأبعده عن مائي
قلبكَ من ماء فأبعده عن ملحي"
استطاعت توظيف حواسها في تأطير صورها الشعرية رمزاً وبناءً ضم تركيبة القصيدة بمجملها لتكون القصيدة نفسها صورة حسّية وعقلية بما يتلاءم مع تجربتها دونما زيف، انبثق من رحم معاناتها نشيجاً يعانق اللغة الشعرية الكامنة في قصائدها وإيقاعها وترادفها وتضادها لتعيد تركيبها وتضعها في قالب متحد ومنسجم مع رؤاها وبُعد حدسها :
"اخلع أنيابك واقترب
كلّ هذه الدماء في عروقي النافرة
يجب ألا تغريك لتمزيقي
هذا العنق لي
وهذه الحياة"
استخدمت الشاعرة التكثيف الشعري والإيجاز في التركيب البنيوي لقصيدتها فاختزلت طول الأسطر المتكاملة لديها وداعبت إيقاع المفردة بمجمل تصويرها ضمن سياق الصورة المتكاملة لديها مستندة إلى أفكارها ومشاعرها، فخلقت نمطاً محدداً لتركيبة قصائدها وشكلها وإفرازاتها مضموناً وفنا" :
"دوري أيتها الأرجوحة
لا كهرباء في المدينة أيتها الشقية"
استندت الشاعرة في تجسيد خواطر صورها الشعرية على دلالة لفظ المفردة بما يوحي لوجدانها التعبير عما يجول في مكنوناتها ومخزون ذائقتها وتلمّس معانيها، فعززت بذلك صمود الفلسطيني بإبراز الجاني الإنساني لديه وما تعرض له من قهر وقتل ومحرقة :
"أيها الحطّاب
ستظل تضرب بلا وعي في حطام الخشب
وستأتي النار على آخر ما سيبقى
مثلك لا يندم
ومثلي تعرف كيف تنبت من جديد شجرة كاملة
بثمار مثقلة وعصافير"
تكتفي بالتلميح إلى الأشياء وتتجنب الأسلوب المباشر والخطاب والشروح والتفصيلات، وتعتمد على الرمز التعبيري في أفكارها وعواطفها ورؤاها، فتميل إلى التكثيف وشدّة الإيجاز وتوغل في الخيال فأغنت بذلك الصورة الأدبية ووسعت دلالاتها المكانية والزمانية عن طريق إسقاط دلالات الرمز على الواقع المعاصر وحياة الفلسطيني اليومية ببؤسها وشقائها ومرارتها :
"لا فراش يليق بجسد متعب
أجزاء من امتار يحيط بها القماش
لا جدران ولا دورة مياه خاصة
كم تبدو تلك الـ"خاصة" جارحة ومضحكة
لا شيء هنا يشبه البيت"
نستطيع تلمّس الإبداع الفني لديها، فهي تختار الألفاظ وبناء موسيقاها بلغة سهلة مألوفة تنأى عن الغموض بوحدة تركيبها البنيوي موضوعياً وذاتياً دون إهمال الجانب العاطفي الوجداني مما أكسبها قوةً وجمالاً تضافرت فيه جزالة الألفاظ ومداعبة الحس المعنوي للمتلقي :
"يليق بي أن أحبك
تعرف دوماً كيف تترك بعضك تحت جلدي"
همسة لا بد منها :
بقي أن أُشير إلى شاعرة ملكت علي مفردات نقدي، وألهبت حروفي، وهاجت روحها الشاعرية العذبة في قصائد خطّتها بأفق رونقها ورهافتها :
تالا جودة :
شاعرة بعمر الورود، لم تتجاوز السابعة عشر من عمرها، تفترش حطام غزّة المدمّرة غطاءً لتشبثها بركامها رافضة النزوح عنها .. صاغت روحها قصائداً تتسلل إلى عمق المتلقي دون رقيب .
لملمت صفات المتعة الحسية للمفردة ضمن سياق تركيبها وترتيبها بإيقاعها الشعري رغم حداثة بوحها الشعري وبداياتها الأدبية، فكانت في غاية الجودة بوقعها واتساقها المعنوي لباطن الرمز الذي تتوخاه :
"قتلتني رتابة الأيام في السابق
والآن تقتلني العشوائية
فما أقسى هذه الحياة
في قانونها أنا دوماً الضحية"
أبرزت سمات مفرداتها في تواتر صورها الشعرية بأجناسها وأحوالها مكتملة الأوصاف، فأبدعت في رسمها بألق بديعها اللغوي بتناغم جميل يترافق فيه المعنى والعاطفة.. الخيال والأسلوب :
"تتسابق الطرقات على باب قلبي
تباعاً
يتسلل الخوف
من تحت الباب
ويقفز القلق
من تحت الوسادة"
لم تقتصر بنية النص لديها على التداعيات والتخيّل، بل ساهمت في إبراز نصوصها بدقة شاعريتها المترفة جمالاً ومتعة، فجاءت قصيدتها تحمل في طيّاتها كل ما يلزم لفهمها لدى المتلقي وفق سياقها الأدبي الذي شكلت مفرداتها معالمه وأسسه :
"لا أعود إلى الماضي
فألقي نفسي في الهاوية
ولا أمضي للمستقبل
فأعانق جثتي الدامية"
لا تكتفي بالتلميح أحياناً .. فغزّة الجريحة المكلومة تعيش في ثنايا حروفها وتعانقها بحلم العاشق الذي لا يريد مفارقة عشيقته .. غزّة عشيقتها النازفة ترفض مغادرتها، تلفّها بليل التدمير والقتل ولا تبسط يديها عنها.. تؤمن بانبعاثها حيّة منسقة تفتح حضنها لشمس الحرية والتحرير :
"ستكون شمس ذلك اليوم منعشة
والهواء يتراقص على جوانب الطريق
كلحن سعيد"
تشتهي حياة تعيشها كأي مدينة.. تحلم بصغائر لوحات الحياة اليومية التي تشحذ الذهن عشقاً لحالاتها الوجدانية .. تغذّي مشاعرها بتفاصيل يوميات لا تخلو من الهذيان :
"نريد أن نرى العصافير تتقافز على أسلاك الكهرباء
نريد أن تتسابق السيارات في شوارعنا
كانه مضمار سباق"
لا يكبر حلمها ولا تتمدد آمالها، فكل ما تبغيه في مدينتها البائسة :
"سيكون البيت خالياً من أمواج الدخان
التي عانقتنا لقرون
نريد أن يتلاطم موج بحرنا
بلا خوف أن يغرق خيامنا"
يقودها الخيال الشعري حنيناً إلى الذاتية كأداة سلوكية لنصها الشعري وتوظفها في إبراز المعنى العميق لدفء حسها الفني بكثافة وعمق واتساع للمعنى، مما يمنح المتلقي التفاعل مع جوانب حياتها ومعاناتها وحرمانها من أبسط مقومات الإنسانية، إذ لا تلفاز ولا "غسّالة"، بل لا مياه تجري في الصنابير :
"أريد أن أسمع صوت التلفاز بداخل كل بيت
وامرأة تدندن مع لحن غسّالة تدور
أريد أن أرى قطر ات مياه تتزاحم
من سينزل أولاً من الصنبور"
في داخلها تختزن رؤىً ومواقف لا بد من البوح بها لتكتمل بها دعائم القصيدة وبديعها الأدبي وألمها الحياتي، تستند في ذلك إلى الاسترجاع الذهني لحياة فقدتها بسبب آلة الحرب المدمرة التي تقضي على مدينتها وأحلامها وذكرياتها، وتعبّر عن أحاسيسها وإدراكها في خلق مستقبل تأمل به يعيد لها حياتها، فلا احتمال للمزيد :
"مدينة كبيرة ليس فيها جدار من الطوب
لأحمل همومي
فما عادت الخيام تحتمل المزيد"
هي ذكرياتها، جوع وضعف وهُزال :
"ذكريات حائمة
تقطف خصلات شعري
تقضم أظافري كوجبة عشاء
ومئات الجوعى
في داخل عقلي
يطبخون حساء الماء
مع كل قدر يفرغون كيلو غرام
من وزني"
فقد :
"علقت في سجن الحياة
فلا نهارها راحة
ولا لياليها سكينة"
تُريد غزّة :
"أسمعها تهمس لي دوماً
تعدّ الأيام مثلي
تقول :
يوم مضى .. وعشرون لا"
فتصرخ الشاعرة الشابة رهيفة الإحساس، عنيدة الألم، تصرخ ملء مفرداتها وبحّة حروفها :
"أو ماذا لو يوم جديد
مع رائحة القهوة في الطرقات
وجلبة طلاب يتوافدون
إلى المدرسة وإلى بائع الكعك"
وتهمس برجاء وأمل :
"ماذا لو كان
يوم جديد بلا حروب"
- دمعة لم أستطع حجبها :
راسلني بحرارة اللهفة التي تجمعني به برداء فلسطين وعشقنا لها .. أصالته الفلسطينية المتجذرة في تراب غزّة تأبى عليه النزوح منها :
أنا طارق رزق محمد جبريل، مواليد غزّة 1979، ولا زلت في غزّة، ولن أغادر غزّة .
كتبت العديد من الأغاني المعروفة في غزّة وفلسطين، وكتبت لفانين أمثال محمد عساف، ودلال أبو آمنة، وعدنان الحلاق، ووائل اليازجي، وعبد المجيد عريقات .. وكتبت أيضاً مجموعة مسرحيات تم عملها في غزّة .
شاركت عام 2.13 في يوم الشعوب في القاهرة في عدة حفلات في جامعة القاهرة ومسرح ساقية الصاوي .
فقدت في هذه الحرب أخوتي الاثنين وابن أخي، وأُصبت إصابات طفيفة نتيجة القصف .
أخوتي، الشهيد عمرو الذي اغتالته طائرات الاحتلال في مخيم البريج، وأخي مهند جبريل صاحب المقولة الشهيرة "حلل يا دويري" والذي استشهد مدافعاً عن تراب الوطن .
قصفوا بيتي الأول في أول الحرب في غزّة، وبعد عام قصفوا بيتي في مخيم البريج، ثم قصفوا بيت أهلي، ولذا فمعظم كتاباتي بل جُلّها راحت في القصف .
- همسة :
أصدقائي، صديقاتي ، رهام البلبيسي، هند جودة، تالا جودة، طارق جبريل، خليل أبو عامر، عبد الله الزيود، حمزة أبو الطرابيش، وغيرهم وغيرهم من الأدباء والكتّاب والفنانين الشباب رافضي النزوح تشبثاً بغزّة وترابها المقدس ..
تواصلكم معنا، وتواصلنا معكم هو أدبنا الذي نقاتل به عدواً مجرماً همجياً لا يمت للإنسانية بصلة ..
منكم نستمد عشق فلسطين ..
وعلى جدار فنكم نستند صموداً في وجه المحتل ..
ومنكم نرى الأفق شعاعاً للنصر القادم لا محال ..
وسنراكم على شاطئ غزّة نحلم سوية بمستقبل النصر .

