Menu

بنك الأجساد: الاستعمار الحيوي واستمرار النكبة في الأجساد الفلسطينية بعد الموت

بيسان عدوان

نشر في مجلة الهدف العدد (71) (1545)

في الذكرى السابعة والسبعين للنكبة، وفي ظل الإبادة الجماعية الجارية في قطاع غزة، يتبدى شكل جديد من أشكال السيطرة الاستعمارية: السيطرة على الجسد الفلسطيني بعد موته. لا يكفي أن يُقتل الفلسطيني في غزة، أو يُعتقل ويُعذب في الضفة الغربية و القدس ، أو يُحاصر في أحياء صغيرة وكأن حياته باتت محصورة في مساحات قاتمة ومقفرة، أو حتى أن يختفي قسريًا من دون أثر.

هذا الواقع المؤلم والموثق ليس مجرد قصصٍ أو أشباح من الخيال، بل شهادات حية من أطباء الاحتلال وشهادات فلسطينية قدموها للمؤسسات الحقوقية، يؤكدون فيها هول هذه الممارسات التي تحمل بصمة قاسية من القهر والإهانة، تراكمت على مدى سنوات، ولا تزال جزءًا من حياة الفلسطيني اليومية.

هذه الممارسات ليست استثناءً أو ظاهرة غريبة على التاريخ. فالاستعمار على مر العصور لم يكتفِ بشغل الأرض والسيطرة على الاقتصاد والسياسة، بل امتد ليشمل أجساد السكان الأصليين، أحياءً وأمواتًا، تحت ذرائع غامضة تتحدث عن الطب أو الحضارة أو الإنسانية. هذه السيطرة على الجسد كانت وما تزال جزءًا من استراتيجيات الاستعمار في فرض الهيمنة وقمع الآخر، وتحويله من إنسان له كرامة وألم إلى مجرد مادة تستخدم وتُستهلك.

فكلما فشل الاحتلال في تحطيم الفلسطيني كإنسان حي، يذهب أبعد من ذلك ليُنتقم من جسده بعد الموت. فالجسد الفلسطيني ليس مجرد بقايا بشرية تموت وتدفن، بل مادة حيوية في لعبة استعمارية معقدة تستخدمها منظومة ما بعد الاستعمار، حيث لا يكتفي الجلاد بالقتل فقط، بل يمارس سلطة "ما بعد الحياة" (necro power) على ضحيته، ليحوّل جسده إلى ساحة جديدة للقهر والإخضاع، وعليه تكشف تلك الورقة عن ممارسات دولة الاحتلال الإسرائيلي في السيطرة علي الفلسطيني حتى وهو ميت.

مشرحة "أبو كبير" كأداة استعمار حيوي

منذ نهاية التسعينيات، بدأت تتسرب شهادات عن قيام معهد الطب العدلي الإسرائيلي "أبو كبير" باستخدام جثامين الفلسطينيين كمصدر للأعضاء والأنسجة دون علم أو موافقة ذويهم. كانت أشهر حالة تم الكشف عنها عام 1997 حيث وجد الدكتور حاييم بوزغلو جثمان ابنه العسكري الذي قضى نحبه في حادث تدريب في الجيش غير سليمة : «رأيت أنهم عبثوا بالجثمان وتدربوا عليه ولا يوجد قرنيات في عينيه... حتى زوجتي غير الطبيبة عرفت أنه لا يوجد في عينيه قرنيتان»

وكانت صحيفة «يديعوت» العبرية قد كشفت، في تحقيق في كانون الثاني 2000، قيام المعهد بسرقة أعضاء من الجثث وبيعها بهدف إجراء أبحاث علمية عليها دون علم الأهل وموافقتهم . ونسب التحقيق إلى موظفين في المعهد قولهم أن أعضاءً داخلية سُرقت من الجثث أثناء التشريح من قبل الأطباء أو المساعدين ونقلت للحفظ في أوعية مع مادة الفورملين، ومن هناك كان يتم نقلها إلى معاهد الأبحاث التي كانت تطلب هذه الأعضاء بدون موافقة الأهل.

وفي عام 2009، اعترف الدكتور يهودا هيس، الذي ترأس المعهد لعقود، بأن مؤسسته انتزعت أعضاءً من جثث فلسطينيين وإسرائيليين دون إذن رسمي. وفجرت مائيرا فايس في كتابها «على جثثهم الميتة» ، قنبلة مدوية في إسرائيل بقولها «أعضاء الشهداء الفلسطينيين تتعرّض للسرقة" بينما لم يتم التعرض بالسرقة لجثمان جندي إسرائيلي واحد.

بينّت فايس أنّ فترة الانتفاضة الأولى في العام 1987 شهدت أكبر عمليات سرقة الأعضاء، خاصة مع زيادة عدد جثث الفلسطينيين، لافتةً إلى أنّه قام بتنفيذها العاملون في المعهد بعد أنْ تلّقوا أمراً عسكريّاً، وبدون علم ذوي الشهداء.

فسّر إدوارد سعيد تحويل جسد الآخر إلى مادة معرفية تحت مشرط السلطة فإن هذه الممارسة تمثل نمطًا من "الاستشراق الطبي" فالضحية لا تُعامل كإنسان بل كموضوع تشريحي يُعاد إنتاجه ضمن تراتبية استعمارية معرفية. فالجثة هنا تُنزع عنها كرامتها وخصوصيتها، لتُختزل إلى مجرد وظيفة بيولوجية تخدم البنية الاستعمارية.

استعمار الجلد في مستشفى "شيبا"

لفت اعترافات الأطباء في المعهد الإسرائيلي للطب الشرعي أنظار الصحفي السويدي دونالد بوستروم، وقام في عام 2009 , 2014 بتحقيقات استقصائية، وثق بها شهادات لعائلات فلسطينية تسلمت جثث أبنائها بعد احتجازها لفترات طويلة، وكانت الجثامين تحمل آثار خياطة من العنق حتى البطن، دون تفسير طبي واضح.

كشفت التحقيقات أن القوات الإسرائيلية، أو جهات مرتبطة بها، كانت تزيل أعضاء حيوية من جثث الفلسطينيين الذين قُتلوا خلال المواجهات، دون موافقة عائلات الشهداء، وحسب المقال، كانت هذه العملية منظّمة وذات طابع منهجي، حيث تم استخدام الأعضاء المنتزعة في أبحاث أو أغراض أخرى، منها على ما يبدو تقديمها للجنود الإسرائيليين كمواد للترميم أو التشريح في معهد "أبو كبير" الطبي.

ورغم فتح التحقيقات في دولة الاحتلال حول ذلك مدير معهد أبو كبير في عام 2002 ومرة أخرى في عام 2005 بتهمة استئصال أعضاء من الجثث دون موافقة الأسرة، وهي سرقات اعترف بها في النهاية. تم توبيخه بعد التحقيق الأول ولكن سُمح له بالاحتفاظ بوظيفته. وبعد التحقيق الثاني، تم عزله من منصبه كمدير ومنحه لقبًا جديدًا – كبير أخصائيي علم الأمراض – براتب أعلى.

وفي حين ادّعت حكومته أن هذه الادعاءات كانت معادية للسامية، فقد تفاخر هيس بما فعله؛ حيث قال لشيبر-هيوز في مقابلتها معه: “والآن، فيما يتعلق بمسألة استئصال الأعضاء، فالأمر غريب. ليس فقط هنا، في إسرائيل، ولكن في أي مكان آخر، يعتمد الأمر كله على النهج الشخصي للمسؤولين عن علم الأمراض أو استئصال الأعضاء. في حالتي، عندما كنت طبيبًا مقيمًا في [مستشفى] تل هشومير كنا نتعاون مع الجيش، وكنا نزود الجيش بالجلد المُطعّم (المقطوع) لضحايا الحروق، ومن وقت لآخر، كانوا يطلبون منا قرنية. لذا، كنت أشارك في ذلك لأنني كنت مسؤولاً مع اثنين آخرين، وكنا نوفر ذلك”.

يفسر الباحثون في الطب الإمبريالي هذه الظاهرة بوصفها نمطًا من البيو-كولونيالية، حيث تُحوَّل الشعوب المستعمَرة إلى "مستودعات بيولوجية" لاستخدامات الغرب. فيتحول الجندي الإسرائيلي " المُستعمِر" الذي شارك في حرق غزة وتفجير أجساد أهلنا متلقي لجلد الفلسطيني المقتول في مشهد عبثي يختصر منطق الاستعمار الاستهلاكي القائم" هذا الحدث لا يمكن قراءته كفعل طبي عادي، بل هو جزء من شبكة عنف ممنهجة تحول أجساد الفلسطينيين إلى استثمار ومادة قابلة لإعادة التدوير داخل نظام استعماري يتجدد بالموت كما يحيا على إخضاع الأحياء المُستعمَرين (الفلسطينيين).

وهذا ما أشار له فرنز فانون في كتابه "أن المُستعمِر لا يكتفي بإخضاع جسد المُستعمَر بل يسعى إلى تشكيله حتى يصبح قابلاً للاستعمال.. فالمُستعمِر يريد استثمار هذا الجسد، لا لإنقاذه، بل لتطويعه وربما استنزافه" فلاستعمار الذي لا يكتفي بقتل المستعمَر، بل يستمر في استهلاكه بعد موته".

المقابر كأداة للهيمنة على الذاكرة

في 5 آب/ أغسطس 2024، أي بعد ثلاثمائة وثلاثة أيام من حملة الإبادة الجماعية التي شنّها الاحتلال الإسرائيلي على أهالي غزة، أعاد الاحتلال الإسرائيلي جثث 89 فلسطينيًا في حاوية شحن إلى خان يونس ليقابل الأحياء بتجسيد للموت الجماعي بدلًا من التعرف على أحبائهم الذين يتوقون لمعرفة مصيرهم.

كانت الجثث متحللة لدرجة يصعب التعرف عليها، ولم تحتفظ الجثث بأي شيء من تاريخها: هل كانت هذه الجثث لمعتقلين تعرّضوا للتعذيب؟ هل كانت جثثًا مسروقة من قبور جرفتها الجرافات في غزة؟ رفض الاحتلال الإفصاح عن ذلك. وفي غياب القدرة على إجراء اختبار الحمض النووي، لم يتمكن المسؤولون الفلسطينيون من التعرف على الجثث، ولم يكن أمامهم خيار سوى دفنها كيسًا تلو الآخر في قبر واحد كبير بالقرب من مستشفى ناصر.

في أواخر عام 2023، ذكرت وسائل إعلام فلسطينية ونشطاء حقوقيون وقوع حادثة خلال تفتيش القوات الإسرائيلية لبعض المقابر الجماعية في مناطق وسط وجنوب قطاع غزة، حيث كشفت عائلات شهداء عن عثورها على جثث ناقصة أعضاء حيوية. تم توثيق الحادثة من خلال شهادات ومقاطع فيديو تداولها الناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، وحملت شهادات بعض الأطباء الفلسطينيين تأكيدات بأن الأعضاء المنتزعة قد استُخدمت في دراسات أو بيع في السوق السوداء، مما يشير إلى شبكات منظمة وراء ذلك.

ذكر المرصد الأورومتوسطي إن لدى إسرائيل تاريخاً حافلاً باحتجاز جثث الشهداء الفلسطينيين، إذ تحتجز في برادات خاصة جثث 145 فلسطينياً على الأقل، إضافة إلى حوالي 255 في مقابر الأرقام و75 مفقوداً ترفض الاعتراف باحتجاز جثثهم. ولفت إلى اعتماد إسرائيل على احتجاز جثث القتلى الفلسطينيين عبر دفنهم فيما تسميه (مقابر مقاتلي العدو)، وهي مقابر سرية جماعية تقع في مناطق محددة مثل مناطق عسكرية مغلقة، ويتم فيها الدفن بشكل مجهول بأرقام محفورة على لوحات معدنية ملحقة بالجثث أو الرفات.

أشار مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الأنسان في تقريره حول الأوامر العسكرية التي وردت بشأن الجثامين الفلسطينية التي أعيدت للفلسطينيين أنها معيبة وتفتقر إلى الكثير من الإجراءات التي يقتضيها القانون الدولي الإنساني في حال اضطرت دولة الاحتلال لدفن ضحايا الحرب، كما أن هذه الأوامر تعد مخالفة للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الأربعة والبروتوكولات المرفقة والتي تمنع دولة الاحتلال من دفن الضحايا إلا في حالات الضرورة وعندما يكون من الصعب تسليم الجثمان، أو في حالة التحقيق، وفي هذه الحالات يكون الدفن مؤقتاً ويجري وفقاً لشروط تحفظ كرامة الميت وتضمن التعرف عليه في المستقبل

لجأت دولة الاحتلال الإسرائيلي في السنوات الأخيرة إلى إضفاء صبغة قانونية تتيح بلورة مسوغات لاحتجاز جثث القتلى الفلسطينيين وسرقة أعضائهم، منها قرار المحكمة العليا في إسرائيل الصادر عام 2019 الذي يتيح للحاكم العسكري احتجاز الجثث ودفنها مؤقتاً فيما يعرف بمقابر الأرقام. وقد سن الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي نهاية عام 2021 تشريعاً قانونياً يخوّل للشرطة والجيش الاحتفاظ برفات قتلى فلسطينيين.

في سياق الطب البِرو-استعماري، لا تُعامل جثامين الفلسطينيين كأجساد ميتة، بل كأدوات سياسية قابلة للتشريح والسيطرة. فاحتجازها في "مقابر الأرقام" بلا هوية، وتحويلها إلى بنك للأعضاء والجلود، يعكس منطقًا استعمارياً يمدد العنف من الحياة إلى ما بعد الموت.

 هذه المقابر ليست أماكن دفن، بل مختبرات صامتة لمحو الذاكرة وتجريد الضحية من إنسانيتها. إنها جزء من نظام طبي عسكري يرى في الجسد الفلسطيني مخزونًا تشريحيًا، لا يُكرّم بالموت، بل يُفكّك ويُخزّن ويُسلب من اسمه وجلده، في ممارسة تدمج الطب بالهيمنة الرمزية وتعيد إنتاج الاستعمار في صورته الحيوية المعاصرة.

الخاتمة:

كتبت شيبر-هيوز في عام 2010 مقالًا في مجلة “كاونتر بانش” اليسارية أوضحت فيه المبرر العرقي القومي للمخطط: " إن الكثير من الإسرائيليين وصحيفة نيويورك تايمز ينظرون إلى البروفيسور هيس باعتباره بطلًا بسبب خدمته للأمة في التعامل مع جثث القتلى من الإرهابيين والانتحاريين، ويعتبرون سلوكه وطنيًا. لم يكن، في رأيه “فوق القانون” بقدر ما كان يمثل القانون، قانونًا أسمى بكثير، قانونه هو، وكان هادئًا وعقلانيًا ومحقًا على الصعيد العلمي والتقني. كانت البلاد في حالة حرب، والدماء تسيل كل يوم، والجنود يُحرقون، ومع ذلك كان الإسرائيليون يرفضون توفير الأنسجة والأعضاء اللازمة. لذا، كان يتولى زمام الأمور بنفسه"

كما أيّدت بعض الطوائف الدينية المحافظة في إسرائيل هذه الأفعال علنًا، وتلاعبت بالشريعة اليهودية لتعزيز أيديولوجية التفوق اليهودي. في عام 1996، طرح الحاخام يتسحاق غينسبرغ، الزعيم المؤثر لطائفة تشاباد-لوبافيتش، سؤالًا بلاغيًا في ظاهره: " إذا احتاج يهودي إلى كبد، هل يمكنكم أخذ كبد شخص بريء غير يهودي يمر من هنا لإنقاذ حياته؟ ربما تسمح التوراة بذلك. الحياة اليهودية لها قيمة لا متناهية. هناك شيء أكثر قداسة وتفردًا في الحياة اليهودية من الحياة غير اليهودية".

ما تكشفه هذه الورقة هو أن الجسد الفلسطيني، في ظل المنظومة الاستعمارية الإسرائيلية، لا ينال كرامته حتى بعد الموت. الجثة تتحول إلى مادة حيوية تُستخدم في سياقات تشريحية وطبية دون إذن، وتُدفن دون اسم، وتُدار كأداة تفاوض سياسي. إن هذه الممارسات تمثل جريمة ضد الإنسانية، وتستلزم تحركًا قانونيًا وشعبيًا لمواجهة هذا النمط الوحشي من الاستعمار الحيوي.