Menu

من معسكر النازيه في أوشفيتز إلى “المدينة الإنسانية” في غزة

جمال كنج

لقد بلغت الإبادة الجماعية في غزة، وغطرسة دولة الكيان مستوى لا يمكن غفرانه. حروب بنيامين نتنياهو التي لا تنتهي وصلت مؤخرًا إلى سوريا، بغارات استهدفت قلب  العاصمه السورية بكل وقاحة ودون أي مساءلة. وفي ظل كل ذلك، تقف الولايات المتحدة، المفترض أنها القوة الأعظم في العالم، أسيره تبعية مهينة لحكومات دولة الكيان المتعاقبة، على حساب القانون الدولي و  قيم العدالة وحقوق الإنسان.

في غزة تحديدًا، تجلى هذا الانحياز الفاضح خلال الأشهر الـ21 الماضية، بدأ ذلك مع إدارة الرئيس السابق جو بايدن، ووزير خارجيته الموالي لدولة الكيان، أنتوني بلينكن، الذي وفّر الغطاء السياسي لنتنياهو ومجموعة من أكثر الحكومات تطرفًا وعنصرية في تاريخ الكيان. ومن أبرز مشاهد هذه التبعية ،كان بناء رصيف عائم على شواطئ غزة الإدخال المساعدات وكأن ما يحصل نتاج لكارثه  طبيعية ، لا نتيجة حصار و تجويع ممنهج. هذا “الرصيف الإنساني” لم يكن سوى خطوة رمزية، وفرت لنتنياهو وسيلة للهروب من الضغوط الدولية دون معالجة جوهر الأزمة.

وقد موّلت إدارة بايدن المشروع بمئات ملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين،. بتكلفة 320 مليون دولار، لم يصمد الرصيف سوى لبضعة أيام التُقطت خلالها صور دعائية، قبل أن تبتلعه أمواج البحر. إن ذلك لم يكن فشلًا هندسيًا بل  كان فشلا أخلاقيًا.

الرصيف العائم، كما “مؤسسة غزة الإنسانية” (GHF) لاحقًا، كان غطاءً لسياسة خداع، صُمّم ليبدو كمبادرة إنسانية بينما يخدم الحصار. ما كانت إلا مسرحيه متعدده الأطراف لتخدير الضمير العالمي، وليس إنقاذ الأرواح. وبينما كان الرصيف يغرق، تشارك بايدن مع ملك الأردن بإنتاج مسرحيه إيصال المساعدات جوا. واليوم، تجري اتصالات لإحياء تلك المسرحية الفاشلة ذاتها بالتنسيق بين دوله الاحتلال و أنظمة عربية فاشلة، لمنح دولة الكيان ذريعة جديدة لتجنب عواقب عدم رفع  الحصار البري المميت.

هذا و لا تزال أرقام الموتى جوعًا في ازدياد، حيث تم توثيق وفاة 57 شخصًا حتى الآن. هذا يحدث في وقت تؤكد فيه وكالة الأونروا أن لديها ما يكفي من الغذاء لإطعام سكان القطاع بالكامل لثلاثة أشهر. ومع ذلك، تواصل دولة الكيان – المحمية أميركيًا – استخدام المساعدات كسلاح، وتمنع دخول الطعام  للأطفال الرضع.

ومن السخرية، ابتداع دولة الكيان “مؤسسة غزة الإنسانية”، بعد أربعة أشهر من القصف والتجويع، لا لتخفيف الأزمة، بل كحيلة لامتصاص الغضب العالمي. وتمامًا كما فعل بايدن من قبل بتبنيه فكرهه الرصيف العائم الفاشله، انحنى ترامب بدوره لهذه الخدعة الجديدة في تكرار للانصياع الأميركي أمام خداع نتنياهو.

و بعد ثلاثة أشهر من تشغيلها، أثبتت “المؤسسة” أنها ليست سوى مصيدة موت. ووفقًا لتقارير الأمم المتحدة، فإن نحو 900 فلسطيني – بمعدل 300 شهريًا – قُتلوا أثناء محاولتهم الوصول إلى المساعدات. امهات و آباء وأطفال ، خرجوا بحثًا عن الطعام، ليلقوا حتفهم على يد الجنود الذين خلقوا هذه المجاعه.

وهكذا، سلّمت واشنطن مفاتيح الغذاء لدولة الكيان، التي تستهدف اليوم حتى الفتيات الصغيرات عند نقاط جمع المياه. لم تعد احتياجات البقاء – الطعام، الماء، الدواء – حقا انسانيا، بل اصبح وسيله من وسائل التعذيب الجماعي، أدوات لفرض التجويع، ونشر المرض، حتى تمهد لما تسميه ”تطهير عرقي طوعي”.

أما الخدعة الأكبر، فهي “المدينة الإنسانية”، التي تخطط دولة الكيان لبنائها من اجل إيواء 600,000 فلسطيني من شمال غزة داخل معسكر مغلق في الجنوب، يُسمح لسكانه بالدخول، لكن لا يسمح لهم بالخروج. هذا المعسكر الجديد، الذي يُراد له أن يؤي أكثر من ربع سكان غزة، يتجاوز في حجمه كثيرًا من معسكرات الاعتقال النازية في الحرب العالمية الثانية.

تسمية معسكر اعتقال بـ”المدينة الإنسانية” هو جزء من حرب الدعايه الاعلاميه التي تتقنها دولة الكيان: لان سياساتها لا تجوّع، بل “تفرض قيودًا على السعرات الحرارية”، لانها لا تُهَجّر، بل “تقترح الهجرة الطوعية”، لا تُنشيء أحياءً مغلقة- غيتو، بل “مناطق آمنة”، والآن، لا تقيم معسكرات اعتقال. بل “مدن إنسانية”.

وما كانت دولة الكيان لتجرؤ على هذا لولا سطوة اللوبي الإسرائيلي “إيباك” في واشنطن، الذي يحرك القرار الأميركي كما يشاء. اما أوروبا فإنها في سبات عميق مكتفيه بعروض جوفاء: فبينما فرنسا تلوّح باعتراف رمزي بفلسطين، الاتحاد الأوروبي يطلق تحذيرات فارغة، أما بريطانيا فتتخصص في النفاق، حيث تنصح دولة الكيان “بإدارة الحرب بشكل بإنسانية” وتطلب بكفخ المستوطنين في الضفة.

أما العالم العربي؟ فالصمت مخيف، والتواطؤ مفضوح. مصر، إلى الغرب، شريك فاعل في الحصار. الأردن ودول الخليج، من الشرق، حراس لحدود دولة الكيان. وهناك من أغدق المال على ترامب، بينما غزة تُحرق والضفة تُجزّأ.

هذا الصمت الجماعي، وهذه الاحتجاجات المرتبة مسبقًا، لا تعني فقط اللامبالاة، بل المشاركة في الجريمة. هي تكرار لصمت العالم إبان صعود النازية، لكن تحت إعلام وبدلات عسكرية جديدة، هذه ليست نسخة من المحرقه، لكنها تذكرنا بصمت العالم الغير  اخلاقي أثناء المحرقه.

إنني كفلسطيني، أشعر بالغضب. وكأمريكي، أشعر بالخجل. وكإنسان، أشعر بالاشمئزاز. فمن المخزي أن العالم يقف متفرجا حين تدعي دوله الكيان أنها في سياق بناء مدينه تسميها "إنسانيه”. ولعلني أتساءل هنا: كيف سيكون رد فعل العالم، واليهود بشكل خاص لو قام نازيٌ بوصف معسكر  أوشفيتز ذات يوم بأنه “منتجع سياحيا”؟