"كل ما يتطلبه انتصار الشر هو أن يقف الأخيار مكتوفي الأيدي - إدموند بيرك.
بهذه العبارة تبدأ كل معركة أخلاقية ضد الصمت، ضد اللامبالاة، ضد التاريخ حين ينزلق نحو الهاوية. وهكذا يجب أن نرى المسيرات التي تُنظَّم من أجل غزة: ليست مجرد فعل تضامن، بل فعل نجاتنا الأخلاقي، احتجاج العقل في وجه همجية تبتلع كل ما هو إنساني.
في عالمٍ تنقل فيه الشاشات صور المجازر على الهواء، يصبح الصمت مشاركة، ويغدو "التضامن" كلمة باهتة لا تليق بما يجري. من الذي يتضامن مع من؟ هل نتضامن مع أنفسنا؟ مع مرآتنا التي تنكسر في غزة كل يوم؟ مع ما تبقى من كرامة وأخلاق على هذه الأرض؟ من العبث أن نختصر هذه المسيرات في لفظة "تضامن". إنها، بالحقيقة، إعلان فلسفي: أن الإنسان لا يُقاس بما يملكه، بل بما يرفضه.
في غزة، ينهار منطق الدولة، ويتفكك القانون، ويُهان العقل. هناك، تُمارس الجريمة بصفتها شكلاً من أشكال الحكم، وتُدار الحياة بصفتها انتهاكًا دائمًا. "الإنسان يجب أن يُهزم لكي يفهم معنى المقاومة"، يقول ألبير كامو. وفي غزة، الهزيمة ليست قدرًا، بل تجربة تُنتج وعيًا أعلى، وتُلزمنا نحن، في الضفة وداخل 48 وفي الشتات، أن لا ننظر من بعيد كمتفرجين.
المسيرة ليست ترفًا نمارسه حين نشعر بالذنب، بل ضرورة وجودية. هي "أداة رفض"، لا مجرد "موقف". هي لحظة يُعبّر فيها الجسد عن ما يعجز عنه الخطاب، ويستعيد فيها الإنسان صوته حين يُراد له أن يصمت. الذين يسيرون في الشوارع ليسوا متعاطفين، بل مقاتلين بلا سلاح. من يهتف ليس داعمًا لغزة، بل يرفض أن يكون شريكًا في تبرير الجريمة.
أمام الوحشية المتلفزة، لا تكفي الدموع، ولا الشجب، ولا بيانات التنديد. نحن نعيش زمنًا تتآكل فيه اللغة، حتى تكاد تصبح عاجزة عن تسمية ما يحدث. "ما لا يمكن الحديث عنه، يجب أن يُصمت عنه"، قال فيتغنشتاين، لكننا نحتاج الآن إلى عكس هذه القاعدة: ما لا يمكن السكوت عليه، يجب أن نصرخ به.
الفيلسوفة هانا أرندت تحدّثت عن "تفاهة الشر"، عن أولئك الذين يرتكبون الفظائع وهم يعتقدون أنهم يقومون بوظائفهم. الشر لم يعد فعلًا استثنائيًا، بل ممارسة يومية، مؤسسة، مكتوبة بخطاب رسمي، ومحميّة بصمت دولي. وهنا تحديدًا تصبح المسيرة فعلًا سياسيًا بامتياز. ليست تعبيرًا عن العاطفة، بل عن رفض الانخراط في هذا النظام الأخلاقي الملوّث.
في الضفة الغربية، حيث تُخنق الأنفاس بالأوامر العسكرية، تصبح المسيرة شكلاً من العصيان المعنوي. في الداخل الفلسطيني، حيث الهوية تُضغط بين المواطنة الزائفة والانتماء المحرَّم، تصبح المسيرة إعلانًا رمزيًا: "أنا هنا، ولن أُختصر في جواز سفر". في كل مرة تخرج فيها جماعة، صغيرة كانت أو كبيرة، فإنها تقول للعالم: نحن لسنا أرقامًا في تقارير الأمم المتحدة، نحن بشر من لحم ودم وغضب.
أما في العالم، فإن كل لافتة، كل وقفة، كل صوت يهتف من أجل غزة، هو محاولة لإنقاذ الإنسان من تحوّله إلى آلة صامتة. "من لم يُصَب بالجنون أمام ما يجري، هو غير سويّ"، كتب أنطونين أرتو. وكل من يرى غزة ولا يصرخ، يحتاج إلى إعادة تعريف لـ"الإنسانية" التي يدّعيها.
لسنا بحاجة إلى مزيد من "أصدقاء فلسطين". نحن بحاجة إلى شركاء في المعركة الأخلاقية. لأن ما يحدث ليس قضية سياسية فحسب، بل اختبار للضمير الإنساني. التضامن الحقيقي لا يكون بإنزال علم الاحتلال من على مبنى بلدية، بل بإعلاء قيمة الإنسان فوق مصالح الدول.
من هذا المنطلق، علينا أن نعيد تعريف التضامن لا كفعل خارج الذات، بل كاستجابة فطرية للظلم. التضامن ليس تفضّلاً من الخارج على الداخل، بل إدراك عميق أن معاناة الآخر تمس جوهري كإنسان. فحين تُباد غزة، يُهدد وجودنا الأخلاقي ككائنات حرة. حين يُجاع الأطفال، يُساءل ضمير كل من أدار ظهره. حين تُقصف البيوت، يُقصف فينا شيء من المعنى.
"أفكّر، إذن أنا موجود"، قال ديكارت. ونحن، اليوم، يجب أن نقول: "أرفض، إذن أنا إنسان". لأن اللحظة لم تعد لحظة حسابات. إنها لحظة خلاص. لحظة من ينجو فيها من التشوّه، من التبلّد، من أن يصبح حياديًا في وجه الشر.
الذين يسيرون اليوم في رام الله، في حيفا، في باريس، في برلين، لا يمارسون الطقوس، بل يؤسسون للمعنى. في زمن يسحق الأجساد ويُرهب العقول، تبقى المسيرة أحد أشكال الصمود، أحد آخر أشكالنا البدائية في قول "لا".
وهكذا، فإننا لا نخرج في المسيرات تضامنًا مع غزة فحسب، بل تضامنًا مع أنفسنا. لأننا لو صمتنا، لصرنا، نحن أيضًا، جزءًا من المذبحة.

