تستمر الإدارة الأمريكية عبر وسيطها ويتكوف في بيع الوهم الذي يبدده تصريحات واضحة ومعلنة لِترامب ووزير خارجيته بأن الهدف من التفاوض أو استمرار العدوان هو نزع سلاح المقاومة.
هذا الموقف الذي يغطيه ويدعمه الموقف الرسمي العربي الذي يعمل بوظيفة توصيل الوجبات الأمريكية الإسرائيلية بلا أية تدخلات تفرضها المواقف المعلنة من قبل مؤتمرات الرؤساء العرب أو الجامعة أو منظمة الدول الإسلامية التي صرفت من حبر وورق ومولت حملات إعلامية ووظفت شاشات وإعلاميين وصحفيين لتغطية مواقفها التي تدعم حقوق الشعب الفلسطيني.
هذه المواقف تفرض عدة أسئلة: ما هي الأدوات والوسائل التي مارستها هذه النظم لتنفيذ قراراتها؟ ما هو موقفها العملي بعد إعلان الكنيست بضم الضفة؟
منذ إعلان ترامب عن خطته التي أطلق عليها مجازاً صفقة القرن التي حمل المكان الذي أعلنت منه معاني عميقة وحدد إطاراً زمنياً لتنفيذها في إطار تأمين شروط محلية وإقليمية ودعم دولي كان واضحاً أنها خطة للتنفيذ وليست للإعلام لأنها صدرت عن قوة عظمى تملك كافة الوسائل لتنفيذها السياسية والإعلامية والاقتصادية والعسكرية وكان إعلان نقل السفارة للقدس بمثابة إجراءٍ تنفيذيٍ عمليٍ لإبراز جدية الخطوة والتي تبعها دعمٌ لقرار الكنيست بِضم الجولان السوري المحتل.
وقد تضمنت الخطة إنشاء لجان رباعية وخماسية وسداسية للتنسيق الأمني والسياسي والاقتصادي والإعلامي لتقويض المقاومة بكل أشكالها السياسية الشعبية والإعلامية والمسلحة ووضعت خيارات واضحة للمقاومة تحت بند غزة تتراوح بين تسليم السلاح طوعاً أو عبر تدخل عربي، وإذا لم تنجح فإن خيار العدوان وإنهاء المقاومة هو سيكون إجراؤها.
الواضح أن الخيار الأمريكي الإسرائيلي الأخير سيكون تلزيم غزة للإدارة المصرية بغطاء من مجموعة اتفاقية إبراهام.
هذا التلزيم السياسي والعسكري تحت عنوان حماية ما يمكن حمايته والإشراف على تقديم المساعدات الإنسانية من غذاء ودواء سيكون على شاكلة قرار قوات الردع العربية في لبنان الذي كان فخاً لسوريا لوضعها في مجابهة مع القوى الوطنية الفلسطينية اللبنانية ومن ثم تحول هذا التدخل إلى احتلال سوري في لبنان ليتحول الصراع من لبناني إسرائيلي إلى لبناني سوري. مصر عليها أن تدرك أن دفعها للدخول إلى غزة هو فخ لتغيير بوصلة الصراع وخلط للأوراق وفتح باب لتهريب إسرائيل من المسؤولية عن عدوانها وإبادتها المعلنة في غزة.
والإغراءات المالية التي تعرض من بعض الدول الخليجية ما هي إلا طعم داخل الفخ السياسي وتبعاته وفي ذات الوقت هو ترتيب مخرج للهروب الإسرائيلي من المسؤولية ووضع مصر في مجابهة مباشرة مع المقاومة الفلسطينية، واستراتيجياً هي سياسية لتقويض مصر كدولة هذا الفخ الذي نصب لسوريا ونشهد جميعاً آثاره واستحقاقاته. البيت الأبيض وحكومة إسرائيل الفاشية تتناغم في الضغط على مصر من خلال البوابة الخلفية عبر سياسة العصا والجزرة بالتصريحات الإسرائيلية بخرق مصر اتفاقيات كامب ديفيد وفي ذات الوقت يتم تقديم التسهيلات لمصر المالية ودفع دول الخليج بالتناوب المتعاكس في دفع الاستثمارات في السوق المصرية من بعضها وتجميد استثمارات للبعض الآخر.
أما من جانب آخر فان قرار الكنيست الاسرائيلي بضم الضفة الغربية هو قرار سياسي وعسكري في جوهره يحمل استمراراً لخطة الإبادة الجماعية للفلسطينيين وتقويض للدولة الأردنية بما يحمله من تداعيات آنية ومستقبلية.
هذا القرار الذي لم يلقَ أية إدانة أو اعتراض من واشنطن يدلل على أن الموقف الأمريكي يدعم ويحمي ويترجم توضيحات ترامب في أحد مؤتمراته الصحفية عن أن الأرض المخصصة للدولة اليهودية هي صغيرة إذا ما قارناها بحجم واتساع الأراضي العربية، هذا المصطلح الذي ضم جميع الدول العربية ويحمل بعداً أن الفلسطينيين يجب أن يوزعوا على هذه الأراضي.
قرار الضم يحمل جوهراً عدوانياً ليس على الشعب الفلسطيني بل سيطال كل محيط المشرق العربي بما فيها مصر و السعودية حتى الوصول إلى خيبر التي طردوا منها.
قرار الضم الذي سبقه نشر فرقة عسكرية إسرائيلية على طول الحدود الأردنية هو مؤشر يحمل أبعاداً عدوانية مستقبلية.
تنفيذ قرار الضم سيكون بالقطاعي وبالقضم غرباً وشرقاً على ضفتي نهر الأردن عبر سياسة قضم وتهجير وعملية تقويض وتآكل داخلية وضغط خارجي.
مجابهة هذا القرار يجب أن يكون عبر حملة شاملة تكشف أبعاده السياسية والقانونية والاجتماعية وعبر قرارات تعزز الهامش الديمقراطي ومشاركة واسعة جماهيرية لمجابهتها. يجب أن تدرك النظم القائمة أن وجودها ليس مقدس بالنسبة للحلف الفاشي الأمريكي الإسرائيلي الصهيوني.
متطلبات إتمام إعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد لن يكون للنظم المركزية مكانٌ فيها بل سياسة التفتيت وإشعال حروب الطوائف والمذاهب والأعراق هي التي ستشهدها المنطقة عبر استمرار سياسة التفكيك والتركيب.
المشكلة الآنية ليست وقف إطلاق النار، بل هي عقبة لا يريد أحد أن يتحمل استحقاقاتها لِليوم التالي لانتهاء العدوان وانكشاف حجم الإبادة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني في غزة من حيث عمق اتساعها الإنساني الصحي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي وحجم المتطلبات المطلوبة لإعادة البناء الشامل.
البيت الأبيض وإسرائيل وبعض الحكومات الغربية يبحثون عن الوسائل المطلوبة لتهريب حكومة الاحتلال الصهيوني الفاشية من المسؤولية القانونية والإنسانية والاقتصادية والصحية وتأثيراتها الاجتماعية والسياسية. والدفع بتغيير وجهة الصراع من صراع مع عدوانية إسرائيل الفاشية إلى صراع بين المكونات السياسية العربية والفلسطينية عبر سياسة توزيع تحميل المسؤولية. السياسة الرسمية المهادنة لِإسرائيل العدوانية الفاشية تدفع لتراكم انعكاسات المشهد اليومي على الداخل ليستثمر في لحظة لقلب المشهد وتغيير دفة الصراع سياسة المهادنة الرسمية العربية والموقف الحِيادي السلبي المبرر بالالتزام بالاتفاقات بدون أية تلويح بإلغائها أو على الأقل تجميدها أو بحد أدنى طرد وإغلاق السفارة لن يخدم القاهرة وعمان ولن ينفعها حملات إنزال المساعدات الجوية التي تتم عبر التنسيق مع إسرائيل في تأكيد للموقف الإسرائيلي الذي يريد أن يلغي دور المؤسسات الدولية، الأونروا والأمم المتحدة. الموقف الرسمي لتقديم المساعدات يجب أن يكون متناغماً مع المواقف التي تدعم المؤسسات القانونية الدولية للأمم المتحدة وخاصة الأونروا التي تريد إسرائيل وواشنطن إلغاءها بهدف تقويض عنوان العودة.
أصبح مطلوباً من الحكومات العربية وخاصة الأردن ومصر أن تدفع بخطوات أكثر تقدماً تتجاوز الموقف اللفظي إلى إجراءات عملية ليس لحماية الشعب الفلسطيني بل لحماية نفسها وشعوبها ودولها من الخطر القادم الذي بات واضحاً بدون أية غيوم عبر ما يجري في سوريا ولبنان، عبر تصريحات الإدارة الأمريكية أن الحدود القائمة ليست مقدسة وإنما قابلة للتغيير بالضم أو الإلحاق.

