بين ما يُسمى بالحياة وما يُفرض كموت، يقف الفلسطيني اليوم على حافة الوجود، ليس كضحية فقط، بل ككائن فلسفي معلّق بين معنيين. وسط الإبادة الجماعية التي تُمارس بحرفية استعمارية، يصبح الجسد الفلسطيني مساحةً رمادية، يتداخل فيها الحيّ مع الغائب، والشاهد مع الشهيد، في واقع يصعب فيه التفريق بين الجنازة والبيت، بين السرد والحطام.
هذه الحدود المرنة بين الموت والحياة ليست مجازًا، بل تجربة يومية حقيقية، تحوّلت إلى مركزية في الوعي الفلسطيني المعاصر، وقلب فلسفة الصمود في وجه استعمار يسعى لمحو الذاكرة، والجسد، والزمن.
في تحليله للمستعمر والمستعمَر، رأى فرانز فانون أن الجسد المُستعمَر ليس فقط ضحية عنف، بل هو موضع إنتاج السلطة والمقاومة. في فلسطين، نرى هذا المعنى مضاعفًا: الجسد لا يُقتل فقط، بل يُوثق ويُسمّى ويُعاد إلى الذاكرة عبر الصور، الفيديوهات، الشهادات.
في مشهد الطفل الشهيد ملفوفًا بكوفيته، لا نرى فقط قتلاً، بل استحالة الموت إلى علامة ثقافية، إلى مقاومة رمزية تُفشل فعل المحو. هنا، يصبح الفلسطيني القتيل ناطقًا باسم الحياة، ومن داخل موته، يفضح ما لم يعد العالم قادرًا على تجاهله.
هومي بابا، أحد أبرز مفكري ما بعد الاستعمار، تحدّث عن الحدود المرنة بين المركز والهامش، بين الأصل والمُشتق. في فلسطين، هذه الفكرة تنعكس على مستوى أكثر جسديّة: لم يعد الموت نهاية، ولم تعد الحياة يقينًا.
الفلسطيني لا يموت دفعةً واحدة، بل عبر جرعات متقطعة: قصف، حصار، انتظار، فقدان، وخيانة دولية. وحتى حين ينجو، فهو لا يعيش “حياة طبيعية”، بل يعيش على هامش الموت، كما لو كان في برزخ دنيوي. الحياة هنا معلّقة على حافة السكين، والموت مفتوح كنافذة لا تُغلق.
في المجتمعات التقليدية، للموت طقوس تحوّله إلى جزء من النسيج الاجتماعي. أما في غزة اليوم، فحتى هذا غير ممكن. يُقصف البيت بمن فيه، ويُدفن الأطفال بلا توابيت، وتُلفّ الأسماء في أكياس بلاستيكية.
غياب الطقس لا يعني غياب المعنى، بل استحالة الجنازة إلى احتجاج. الأم التي تحمل صورة طفلها وتبكيه على قارعة الطريق، تُحوّل الحِداد إلى أداء سياسي، يُخاطب العالم بلغة لا تحتاج إلى ترجمة: هذا الموت ليس عاديًا، بل جريمة معلنة.
تطرح غاياتري سبيفاك في مقالها الشهير “هل يمكن للمُضطهَد أن يتكلم؟” سؤالًا عن قدرة الضحية على التعبير عن ذاتها في نظام استعماري يضعها دومًا في موقع الصمت. لذلك يبقى الحذر من إعادة إنتاج صوته ضمن نظام السلطة غالبًا ما يُفرغ كلامه من دلالته الأصلية. من هنا، تدعو سبيفاك إلى التفكير النقدي حول من يُسمع، وكيف يُسمع، وبأي سياق.
بذلك الصوت موجود، لكن المهمش لا يملك السيادة على معناه، فكل ما يُسمع عن الفلسطينيين غالبًا يُعاد إنتاجه من قبل مؤسسات الهيمنة الدولية التابعة لدول ذات نفوذ.
مثال: تغطية الحروب على غزة ، حيث ان مؤسسات سياسية رسمية تلزم لغة محايدة ، أحيانًا يتم استغلال خطابها السياسي في نطاق سرديات سياسية لا تعكس كامل الواقع اليومي لمعانات شعبهم.
لكن في فلسطين، الميت يتكلم. الضحية تنطق ، لا من خلال المؤسسات الإنسانية الغربية، بل عبر سردية شعبية ضخمة: جدارية، منشور، قصيدة، كوفية، اسم على جدار، رسم طفل على أنقاض منزله. هنا، الضحية تُخاطب العالم لا من خلال وسطاء، بل من خلال أثرها الحيّ في الواقع. الشهادة تتحول إلى نصّ حيّ، يُكتب لا بالحبر، بل بالدم والصورة والصراخ.
إدوارد سعيد كتب مرة أن “المنفى ليس فقط فقدان المكان، بل فقدان اللغة التي تربطنا به.” في ظل الإبادة، يُفقد الفلسطيني ليس فقط المكان، بل الحق في أن يكون حيًا كاملًا. ومع ذلك، يكتب، يرسم، يوثّق، يُحب، ويُنجب. كأن الفلسطيني يقول: حتى لو عشت بين قصفين، لن أسلّم لكم لغتي.
هذه الحياة الممزقة، المعذبة، العارية من الأمان، ليست مجرد بقاء بيولوجي، بل موقف فلسفي: الحياة فعل مقاومة في عالم ميت أخلاقيًا.
الفلسطيني لا يعيش فقط، ولا يموت فقط. بل يوجد على تخوم المعنى، حيث تنهار الثنائيات الكلاسيكية للحياة والموت، للشاهد والضحية، للمأساة والصمود.
في هذه المسافة الخطيرة، يُعيد الفلسطيني صياغة ما يعنيه أن تكون حيًا، أو أن تموت، في زمن أصبح فيه العالم خرسًا، والعدالة مجازًا، والإنسانية تُقصف مع الأطفال.
في فلسطين، لا تنتهي الحكاية بالموت. بل تبدأ منه.

