Menu

الأمم المتحدة تعلن المجاعة في غزة: لا حياد في الإبادة الجماعية – إما أن تكون معها أو ضدها

جمال كنج

الهدف الإخبارية

الإبادة الجماعية التي تنفذها دولة الكيان ليست نتيجة أحداث 7 أكتوبر، ولا تهدف إلى تحرير الأسرى الصهاينة. إنها خطة ممنهجة لضمان بقاء تحالف يميني عنصري، واستغلال لحظة تاريخية في ظل إدارة أمريكية خانعة، لخدمه المشروع التوراتي التوسعي الذي يهدف إلى تفريغ فلسطين من شعبها، وإحلال واقع استيطاني جديد، قبل الانقضاض على دول الجوار المُطبِّعة.

ومع إعلان الأمم المتحدة رسميًا عن المجاعة في غزة، رفضت دولة الكيان مقترح وقف إطلاق النار، وهددت بتسوية مدينة غزة بالأرض كما فعلت سابقًا في بيت حانون. وزير الحرب الصهيوني، إسرائيل كاتس، نشر صورًا جوية للدمار في رفح وبيت حانون، متفاخرًا ومتوعدًا بأن غزة ستلقى المصير ذاته.

وفي هذا الأثناء تسعى دولة الكيان حاليًا لإجبار نحو مليون فلسطيني من شمال القطاع على الانتقال إلى معسكر اعتقال أسمته زورًا “مدينة (خيام) إنسانية” في الجنوب. بعد تدمير منازلهم وتجويعهم وقصفهم، يُساق الناجون إلى أقفاص جماعية تمهيدًا للتهجير القسري. وقد لخّص وزير المالية المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، الهدف من هذه الخطة حين أمر رئيس الأركان قائلاً: “من يرفض الإخلاء، لا ماء له ولا كهرباء، فليمت جوعًا”.

اما في الضفة الغربية، فقد أعادت دولة الكيان تفعيل مشروع قديم لتفتيت الأرض الفلسطينية إلى جزر معزولة، تقطع التواصل الجغرافي لأي دوله مستقبلية، كجزء من مسعى لترسيخ واقع صهيوني يمتد من النهر إلى البحر كأمر واقع دائم.

ورغم أن أوروبا تصف المستوطنات بأنها غير شرعية، إلا أنها تواصل مكافأة دولة الكيان بامتيازات تجارية، وتستورد منتجات تلك المستعمرات. وهكذا، يمول الاتحاد الأوروبي اقتصاد الحرب من جهة، ويصدر بيانات ادانه جوفاء من جهة أخرى، ليصبح شريكًا فعليًا في آلة الاحتلال والفصل العنصري.

أما في واشنطن، فقد منحت إدارة ترامب دولة الكيان شيكًا مفتوحًا لتدمير غزة وخنق الضفة، حتى وإن أدى ذلك إلى مقتل مواطنين أمريكيين. بل تتجاوز الإدارة دعمها المطلق إلى العمل لمكافأة الكيان بمحاوله توسيع اتفاقيات التطبيع مع أنظمة عربية متواطئة.

في باريس مثلًا، رعى مبعوث ترامب، توم باراك، لقاءً بين وزير من دولة الكيان وآخر من النظام السوري، بينما يضغط على لبنان لنزع سلاح المقاومة، متغاضيًا في آلوقت ذاته عن احتلال أراض في جنوب لبنان و تمدد في احتلال أراض سوريه في تجاوز صارخ لقرارات وقف إطلاق النار.

نفوذ دولة الكيان في واشنطن يتجاوز الجانب السياسي. فاللوبي الصهيوني “إيباك” يُحكِم السيطرة على الحزبين الجمهوري والديمقراطي عبر تمويل حملاتهم الانتخابية، هذا إلى جانب أدوات الابتزاز، والضغط، والتأثير في الإعلام. بل إن قدره الكيان على مساعده الصهاينه من تجاوز النظام القضائي الأميركي، ما سمح لبعض مواطنيه بالإفلات من العدالة رغم ارتكابهم جرائم على الأراضي الأميركية.

من الأمثلة: توم ألكسندروفيتش، صهيوني الجنسية، اعتُقل مؤخراً في مدينه لاس فيغاس في قضية استدراج أطفال أمريكيين لممارسة الجنس، لكن أُطلق سراحه بكفالة مخففة وسُمح له بمغادرة البلاد دون محاسبة.

 هذه لم تكن حالة استثنائية. فمن الاحتيال المالي، إلى الاتجار بالأعضاء والاعتداءات الجنسية، يجد العديد من الفارّين من العدالة ملاذًا آمنًا في دولة الكيان، التي تحوّلت إلى مركز عالمي لليهود الهاربين من المحاسبة، لا سيما مرتكبي الجرائم الجنسية ضد الأطفال.

وبالاستفادة من شبكات يُشتبه في ارتباطها بالموساد – مثل قضيتَي جيفري إبستين ومونيكا لوينسكي – تمارس دولة الكيان ضغوطًا على القادة الأميركيين والدوليين باستخدام الجنس والرشوة والتهديد لتوجيه السياسة الخارجية الأميركية بما يخدم مصالحها، حتى لو كانت على حساب الشعب الأميركي.

ترامب اليوم، مثل أسلافه، غارق في نفس شبكة النفوذ والفساد التي تديرها مؤسسة الايباك الصهيونيه.
الجزء الثاني 

والثمن لكل ذلك، يُدفع من دماء الفلسطينيين. فغزة مدمرة، وسكانها يتضورون جوعًا، والناجون يصطفون للحصول على المساعدات تحت نيران الطائرات المسيّرة وقناصة ما يُسمى زورًا “مؤسسة غزة الإنسانية”. أما في الضفة، فواقعها اليومي قوامه الحواجز، وجرافات الاحتلال، وطرق مخصصة لليهود فقط، واعتداءات من “الشبيبة الصهيونية” تحت حماية من الجيش.

المفارقة أن دولة الكيان لا تُخفي أهدافها: تطهير عرقي، لا سيادة فلسطينية، لا حق في العودة، ولا مساواة. لتحقيق ذلك يتم تفريغ غزة من سكانها، وتفتيت الضفة إلى كانتونات، بينما يصمّ المجتمع الدولي – من أوروبا إلى أميركا إلى الأنظمة العربية – آذانه بالصمت والتواطؤ والخيانة.

نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا لم يتغير لأنه أصبح أكثر إنسانية، بل لأنه أُجبر على السقوط من خلال المقاطعة، والعقوبات، والتضامن الشعبي العالمي، والدعم الأفريقي الرسمي والشعبي. ويجب أن يُفرض الشيء ذاته على دولة الكيان.

كل قنبلة تسقط على غزة، كل شجرة زيتون تُحرق، كل دونم يُصادَر لبناء مستوطنة لليهود، لا يحمل فقط بصمة دولة الكيان، بل بصمة كل من اختار الصمت.

لقد اثبت التاريخ ان فلسطين لن تتحرر بالتصريحات الرنانة. فاعتراف أوروبا بدولة فلسطين لا قيمة له دون فرض عقوبات، وسحب الاستثمارات، وقطع العلاقات مع دولة الكيان ومستعمراتها.

وفي الوقت الذي يدعو فيه ترامب روسيا وأوكرانيا إلى وقف القتال، يبارك لدولة الكيان مواصلة الإبادة الجماعية، ويشجعها على إتمام مهمتها الدموية. أما الطغاة العرب، فعليهم الكف عن الاختباء خلف ما يُسمى “الالتزامات الدولية” عندما تُفضي هذه الالتزامات إلى التجويع والقتل الجماعي.

حتى ذلك الحين، ستواصل دولة الكيان حربها، محمية بدعم أميركي غير مشروط، وتواطؤ أوروبي، وصمت عربي. إن غطرسه نظامها العنصري لا يتغذى بالقنابل والجرافات فحسب، بل بعدم المحاسبة، وبتواطؤ الغرب، وتخاذل الأنظمة العربية.

وكما كان الحال في مواجهة المحرقة اليهوديه في أوروبا: لا حياد حيال الإبادة الجماعية الجارية في غزة اليوم– إما أن تكون مؤيد لحرب الاباده، أو ضدها. لا يوجد خيار ثالث