على الهواء مباشرة، وأمام أعين العالم الذي بات يشاهد المأساة كأنها مشهد متكرر في فيلم طويل لا ينتهي، ارتكب الكيان الصهيوني جريمة بشعة، حين قصف خمسة من فرسان الحقيقة وهم يؤدون رسالتهم الإنسانية في مجمع ناصر الطبي بخان يونس، ليرتقي المصوّر معاذ أبو طه، والمصوّر محمد سلامة من قناة الجزيرة، وحسام المصري، والصحفية مريم أبو دقة، وأحمد أبو عزيز. مشهد دموي لم يترك مجالًا للشك في أن الاستهداف كان متعمّدًا، وأن قتل الكلمة والصورة لم يعد استثناءً، بل أصبح سياسة ثابتة.
غزة، المدينة التي تعانق الموت كل يوم وتُصرّ أن تحيا بالكرامة، حملت إلى العالم رسالة بالغة الوضوح: الحقيقة لا تُقصف، والكاميرا لا تُغتال، وكل إنسان في غزة صار صحفيًا بالفطرة، يوثّق، يصرخ، وينقل أنين الأرض والدماء. فالقلم في غزة سلاح، والكاميرا بندقية، والحقيقة وطن.
إن استهداف الصحفيين ليس حادثة عابرة، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من القمع. فمنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، تحوّل جسد الصحفي في غزة إلى هدف مشروع لصواريخ الاحتلال. والمجازر المتكررة بحقهم تمثل جريمة مركّبة: قتل الجسد، وقتل الحرية، ومحاولة إطفاء نور الكلمة. ومع ذلك، كل شهيد صحفي يتحوّل إلى أيقونة، وكل صورة تُلتقط بالدم والرماد تتحول إلى شهادة أقوى من كل محكمة.
هذه ليست الحرب الأولى على الصحافة في فلسطين، فللاحتلال سجلّ أسود حافل باستهداف الإعلاميين منذ عقود. لكن ما يحدث في غزة اليوم هو الأكثر دموية في تاريخ الصحافة، كما أقرت المؤسسات المعنية بحماية الصحفيين، عربية وغربية على السواء. ورغم الانحياز الواضح لغالبية المؤسسات الغربية، إلا أن حجم الجريمة بات أكبر من قدرة التجميل والتبرير. لقد تجاوزت إسرائيل كل الخطوط، من القتل المباشر إلى الاعتقال والاحتجاز، ومن التضييق إلى محاولات محو الذاكرة الفلسطينية من أرشيف الصورة والكلمة.
غير أن الحقيقة في فلسطين لا تموت. الصحفيون الذين ارتقوا لم يكونوا مجرد ناقلين للأخبار، بل كانوا جنودًا في معركة الذاكرة، حراسًا للحقيقة، ومقاومين بالكلمة والصورة. إنهم شهداء من نوع آخر؛ شهداء يضيئون الظلام بعدساتهم.
غزة تعلّم العالم من جديد أن الحرية لا تُقاس بعدد البيانات الرسمية ولا بتقارير المؤسسات، بل تُقاس بدم الشهداء الصحفيين الذين تركوا لنا وصية واحدة: احملوا الحقيقة كما حملناها، لا تخافوا الرصاص، فالحقيقة لا تُقصف.

