كشفت الحرب الإسرائيلية–الأمريكية الأخيرة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن عمق الأزمة التي يعاني منها النظام الرسمي العربي عمومًا، والخليجي على وجه الخصوص. وهي أزمة لم تعد خافية على أحد، بل باتت جلية للعيان. فبدلًا من أن تؤدي الدول العربية دورها الطبيعي كقوة إقليمية فاعلة، تحولت أراضيها إلى ساحات مفتوحة للصراعات، تُخترق أجواؤها ليلًا ونهارًا بالصواريخ والطائرات المسيرة، بينما تُطلق المضادات الجوية من قواعد عسكرية أجنبية منتشرة على أراضيها. هذا الواقع يثير تساؤلات جوهرية حول مفهوم السيادة الوطنية، ذلك المفهوم الذي بُنيت عليه أنظمة الحكم، وسُنت من أجله القوانين، وسُخرت له الجيوش والأجهزة الأمنية. إلا أن الأحداث كشفت زيف الرؤية التي سادت لعقود في السياسة والثقافة والإعلام، تلك الرؤية التي أخفت التبعية تحت شعارات وطنية براقة ثبت فشلها الذريع. ولم تعد البيانات الإنشائية أو الإدانات الرسمية قادرة على إقناع أحد، لا في الداخل ولا في الخارج. في المقابل، أكدت الوقائع صدق الرؤية التي تبنتها القوى الثورية والمثقفون الوطنيون، الذين نادوا بإنهاء الوجود العسكري الأجنبي، وتحرير القرار السياسي والثروات الوطنية من السيطرة الإمبريالية الكولونيالية. ووفقًا لهذا الواقع، لم يعد مقبولًا الاستمرار في تبرير وجود القواعد الأجنبية، في الوقت الذي تتجه فيه شعوب العالم نحو تصفية الاستعمار والتخلص من آخر معاقل النفوذ الأجنبي. من هذا المنطلق، تطرح قضية التحرر الوطني الديمقراطي نفسها بقوة أمام جميع الوطنيين. وعلى ضوء التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الواسعة، تبدو الظروف الموضوعية والذاتية مهيأة، أكثر من أي وقت مضى، للتحرر من الهيمنة الاستعمارية. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب شرطين أساسيين: إرادة سياسية حقيقية، وإطارًا وطنيًا جامعًا قادرًا على تعبئة الجماهير فكريًا وسياسيًا وتنظيميًا، وتوجيهها نحو تطلعاتها في الحرية والاستقلال والتقدم الاجتماعي. ورغم ما تواجهه هذه اللحظة التاريخية من تحديات، فإنها تظل مؤهلة لظهور مثل هذه الأطر الوطنية. وعلى الرغم من الحاجة إلى توافر عدد من الشروط الذاتية، فإن إمكانية تحقيق هذه الأهداف باتت أكثر واقعية، لا سيما في ظل تنامي وعي قطاعات واسعة من الجماهير الخليجية بخطورة استمرار الوجود الأجنبي من جهة، وإفلاس الخطاب الرسمي من جهة أخرى. وقد أصبحت هذه الجماهير أكثر قدرة على الربط بين الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وبين استمرار التبعية والهيمنة الأجنبية. ولا شك أن تناقضات الواقع ومبررات الدفاع عن الذات تشكل عناصر مساعدة لصياغة مشروع تحرري حقيقي، خصوصًا أن الذرائع التي سُوقت لتبرير الوجود الأجنبي كانت تهدف في جوهرها إلى حماية النظم السلطوية، التي تحرص القوى الإمبريالية على دعمها وتعزيزها وإشراكها في المنظومة الرأسمالية الاستغلالية كولاء للشركات المتعددة الجنسيات لضمان تنفيذ أجنداتها، واستغلالها كأدوات لخدمة مصالحها، وتوفير غطاء سياسي واجتماعي يسهل نهب الثروات والسيطرة على المواقع الإستراتيجية. ومع ذلك، لم تعد هذه الأنظمة قادرة على الدفاع عن خياراتها السياسية كما كانت في فترات سابقة، إذ تتضح في كل محطة تاريخية وظيفتها الحقيقية المتعارضة مع مصالح الشعوب. ومن الطبيعي أن توفر هذه المعطيات أسلحة مادية ومعنوية إضافية للجماهير، تضعها وجهًا لوجه أمام الاستحقاقات الإستراتيجية الكبرى، بحيث يُعاد تكوين السلطة السياسية وفق الإرادة الشعبية، ومعبرة عنها ضمن منظومة ديمقراطية حديثة تكرس خياراتها في هوية النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي المعبر عن مصالحها المادية والروحية. ولا ريب أن هذه الرؤية تتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات غير القابلة للتجزئة: دساتير عصرية، حريات ديمقراطية، قوى سياسية وطنية، وعدالة اجتماعية تضمن الكرامة الإنسانية والسيادة الشاملة. أما ما دون ذلك، فستبقى الأوطان تُدار وفقًا للمصالح الشخصية، عبر تحالفات طبقية وعشائرية تمارس أشكالًا من الحكم القهري والاستبداد السياسي، الذي لا يملك أفقًا حقيقيًا للاستمرار مهما طال أمده. ومن المتوقع أن تنعكس التفاعلات الراهنة ونتائجها على الواقع الاجتماعي والسياسي بشكل مكثف، وأن تفرض مساحات جديدة لفتح نقاشات وطنية صريحة، بعيدًا عن التزييف الإعلامي والسياسي، وتسمية الأشياء بمسمياتها، وإعادة تعريف مفاهيم الدولة والسيادة والاستقلال، وكيفية صيانة الكيان الوطني دون التنازل عن السيادة أو الارتهان للمشاريع الاستعمارية. ومن البديهي القول إن معضلة الواقع الخليجي تكمن في غياب حركة وطنية تقدمية تمتلك برنامجًا واضحًا، وأهدافًا محددة، وآليات فعّالة تُفضي إلى بلورة مشروع وطني متكامل، قادر على بناء تحالفات اجتماعية واسعة تستند إلى أسس موضوعية تنبع من المصالح الإستراتيجية العليا للجماهير، بما لا يترك مجالًا للبس أو الغموض. إن هذا الفراغ يسمح للأنظمة المتواطئة مع المشروعين الإمبريالي والصهيوني بالاستمرار في أداء دورها التقليدي في التضليل، وإجهاض أي توجهات وطنية حقيقية. ولا يمكن، بطبيعة الحال، فصل الأزمة الخليجية عن المأزق العربي العام، إذ إن معالجتها لن تكون ممكنة إلا ضمن إطار قومي أوسع وشامل. وعلى الرغم من الاختلالات البنيوية والضغوط المستمرة، لا يزال الرهان قائماً على وعي الجماهير الشعبية، ويقظتها، ووحدتها التنظيمية، باعتبارها القوة الحاسمة في معادلة التغيير. كما يُعول على صوت الوطنيين الشرفاء، الذين، رغم القيود المفروضة على الحياة الحزبية ومصادرة الفعل السياسي الديمقراطي، يواصلون نضالهم، من أجل فتح أفق ديمقراطي تقدمي يعيد الاعتبار للحركة الوطنية، ويؤسس لمسار ايديولوجي وسياسي بديل.

