Menu

مشروع نتنياهو/ترامب... سايكس/ بيكو جديد

أحمد عويدات

نشر في مجلة الهدف (73) - (1547)

ما بدأ في غزة لن ينتهي عند حدود غزة أو الضفة الغربية. هذه حقيقة لا تحتاج إلى تمحيص أو تحليل ، ولا أدلة دامغة أو براهين ساطعة، فالتاريخ الصهيوني مليء بها ، وتصاريح قادة الكيان ملأت الأسماع ضجيجا بها، ونفثوا سمومهم على كل الصفحات والشاشات والمنصات المحلية والإقليمية والعالمية؛ بأن تهديد الأمن الوطني والقومي العربي والإقليمي ، وتفتيت الأمة إلى كيانات وإمارات طائفية ، وأهمها اجتثاث الوجود الفلسطيني هو صلب ما يدور في فلك السياسة الترامبيّة النتنياهويّة.

فالقتل قصفاً وتجويعاً وحصاراً ، وبكل أشكال الإبادة، ليس الهدف فحسب، بل هو الأداة الأولى التي يسعى مشروع ترامب / نتنياهو - وبمعونة وتخاذل وصمت حكامنا الأفاضل الغارقين بالترف والعيش الرغيد بينما يموت أطفال غزة تجويعاً - الوصول إلى ذلك المشهد الجيوسياسي ، والذي يضمن مصالحهم التوسعية والاستعمارية في المنطقة.

الواضح تماما أن التاريخ يعيد نفسه، ولكن بأسماء وتواريخ ، وربما مشاهد وأحداثٍ جديدة. والذي يبدو أننا سنترحم على سايكس الإنكليزي و بيكو الفرنسي ، مهندسي الاتفاقية التي سميت باسميهما قبل 100 عام لأن القادم أسوأ. فإذا كانت اتفاقية سايكس بيكو قد أفضت إلى تقسيم المنطقة ، التي وُرثتْ عن السلطنة العثمانية بعدما ضعفت ، إلى كيانات وطنية وقومية حملت أسماء الدول العربية التي نشهدها اليوم ؛ فإن توم براك المبعوث الأميركي لسورية - أو ربما الحاكم العسكري الجديد للمنطقة، ولو مؤقتا - كشف عن تقسيمٍ جديدٍ لبلاد الشام؛ يقوم على أسس طائفية ومذهبية وعرقية ناسفاً بذلك تلك الحقبة من عهد الدول الوطنية والقومية ومؤسساً بتصريحاته الغريبة العجيبة ، بوحيٍ من إدارته ، لإقامة كانتونات طائفية ومذهبية وعرقية، والتي لن تقتصر على الدول العربية الحالية فحسب ، بل ستشمل دول الإقليم مثل إيران وتركيا أيضا. وهذا لن يتم بسهولة، وبجرّة قلم، بل عبر افتعال معركة هنا ومعركة هناك، بل حروب قد تكون طاحنة تعقبها تسويات، وهُدن بين ملوك الطوائف، وسيسبق ذلك ماكينة إعلامية هائلة ستروج إلى ثقافة الانقسام والتفتيت تحت شعار حقوق الأقليات ؛ تمهيدا لتصبح الطائفية العابرة للحدود أقرب بكثير من الانتماء الوطني والقومي في هذه الدول وهي الحل الأمثل – برأيهم - للسلم الأهلي والاستقرار؛ مثال ذلك شيعة لبنان والعراق وإيران ، ودروز سورية ودروز فلسطين والكيان ، و سنة تركيا وسوريا والسعودية.. هذا ما ستسعى إلى تنفيذه الدوائر الأميركية و الإسرائيلية والغربية ، بعد أن أوجدت أرضية خصبة له بعد بث بذور التفرقة والانقسام والتفتيت المجتمعي في المنطقة ، وهذا من شأنه أن يسهم في تحقيق أهداف سياساتهم ، وجعل المنطقة سوقا استثماريا للنهب الاستعماري الصهيوني الغربي الجديد ، ويذهب بالقضية الفلسطينية إلى مهاوٍ سحيقةٍ من التجاهل والتهميش ثم النسيان ؛ وهذا في واقع الأمر هو التماهي الحقيقي مع المصالح الأمريكية التي ترى بالتقسيم وتهميش القضية

مرحلة مفيدة قد تمتد إلى عقود عديدة ؛ يصبح بها المواطن العربي ، الذي كان يبحث عن فتات لقمة العيش ، غريباً لا يحمل هويةً وطنية في كيانات ممزقة ، أصبحت فيها الطائفية هي الحاكمة وهي الانتماء ، وتصبح دولة الكيان مستقرة وآمنة ، ومستغلة لخيرات المنطقة اقتصادياً وتجارياً وسياحياً ، وسط بيئة صاخبة من الاحتراب الطائفي والمذهبي البيني ، تعمل "إسرائيل" على تأجيج ناره كلما خمدت.

إن المتابع للسياسات الأميركية بإداراتها المتعاقبة ، ديمقراطية أو جمهورية ، والإدارة الإسرائيلية بكل أطيافها اليمينية واليسارية والمتطرفة الدينية يلمس أن تباشير هذا المشروع التقسيمي بدأت مع شمعون بيريز، رئيس وزراء دولة الكيان آنذاك حينما أطلق ما سمي "الشرق الأوسط الجديد" وما تبعه من اتفاقات وادي عربة ، والاتفاقات الإبراهيمية التطبيعية مع دول الخليج والمغرب ، وما رشح عن مشروع قناة بن غوريون، وطريق الحرير، وممر داود مؤخراً ؛ كلها تصب في قناة المشروع الجديد الذي أعلن عنه مراراً وتكراراً بنيامين نتنياهو ، تحديداً من على منصة الأمم المتحدة ، عندما تحدث عن محور "اللعنة" ومحور "النعمة" ، وعرض لذلك الخريطة الخاصة بهذا المشروع ؛ والتي يضعها الجندي الإسرائيلي على ذراعه، والتي تشمل جزء من مصر وسيناء وغزة والضفة الغربية والأردن وسوريا، والعراق، حتى تصل "إسرائيل الكبرى" إلى وسط المملكة السعودية ، ومنها إلى آسيا وأوروبا وبمشاركة الهند، كما يرغب ويخطط له ترامب ؛ لتقويض الطرق والخطط الصينية للتجارة مع العالم.

وعليه ، فإن كل هذا ما هو إلا نتائج لمقدمات ، اشتد وقعها وكُشفت حقيقتها منذ 22 شهراً، ولكنها كانت قد بدأت منذ عقود ؛ عندما غيّر الكيان من تكتيكاته الدبلوماسية من "الأرض مقابل السلام" - التي دفع ثمنها إسحاق رابين ، رئيس الوزراء آنذاك، والذي تم اغتياله - إلى "السلام مقابل السلام"، والآن في عهد نتنياهو "السلام مقابل الاستسلام". وهذا ما يجري في غزة الآن لإخضاع المقاومة على طاولة مفاوضات الدوحة من خلال تكثيف الضربات والغارات الجوية ضد المدنيين، ومنع المساعدات والإمعان، في سياسة التجويع والحصار ؛ لفرض واقع جديد تُمكّن المفاوض الإسرائيلي من إحداث خرق لصالح دولة الكيان، وهذا ما ما يجري ،أيضا، في لبنان ؛ حيث تجاوز كل خطوط ونقاط اتفاق وقف إطلاق النار وقرار ١٧٠١. والخضوع ذاته طُلب أيضا من الإدارة السورية في لقاءات باكو عاصمة أذربيجان، حيث لم تقبل دولة الكيان إلا إذعان الدولة السورية إلى شروطها ، فقامت بتحريك شرذمة ميليشياوية من الطائفة الدرزية في جنوب سوريا ضد الدولة ، والمكونات المجتمعية السورية الأخرى، وقامت بضرب مواقع ومناطق حساسة في العاصمة السورية دعماً لهؤلاء في مواجهة الدولة ، وإثارة فتنة طائفية جديدة نتج عنها مئات الضحايا. حتى بالنسبة للولايات المتحدة تغيّر مفهوم السلام، وقد غاب الحديث عنه في مفردات الدبلوماسية الأمريكية، ولم نعد نسمع شيئاً عن دولة فلسطينية في عهد ترامب الحالي ، ولم نسمع شيئاً فيما أقرته القمم العربية من مبادرة حل الدولتين في أروقة الإدارة الأميركية ، التي على العكس وجّهت انتقادا حادا لما كان مزمعا عقده من مؤتمر في نيويورك، حول حل الدولتين ، ترعاه كلٌ من فرنسا والمملكة السعودية ، كما لم تعجب الإدارة الأمريكية تصريحات ماكرون الأخيرة للاعتراف بالدولة الفلسطينية في سبتمبر القادم.

إن هذه التغييرات التكتيكية السياسية تندرج في الإطار العام للإستراتيجية الإسرائيلية منذ تأسيس الكيان وطورتها الصهيونية الدينية المتطرفة، ممثلةً بنتنياهو وجناحيه بن غفير وسموتريتش ؛ هذه الإستراتيجية التي ما انفك الصهاينة بكل أطيافهم الدعوة إلى اجتثاث الوجود الفلسطيني، وإنهاء القضية الفلسطينية على حساب دول الجوار ، إما بالتوطين أو التهجير أو الضم ؛ وذلك باستثمار الحالة الطائفية والمذهبية والعرقية التي يسعى إليها قادة الكيان مع الإدارة الأمريكية إلى تكريسها في المنطقة. وما تصويت الكنيست الإسرائيلي مؤخراً ، بأغلبية ٧١ صوتا لفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وضمها، إلا امتداد وتكريس لهذه الإستراتيجية التوسعية العدوانية العنصرية الإحلالية . وقد سبق ذلك قانون القومية اليهودية، وقانون منع قيام دولة فلسطينية مستقلة، وقانون ضم القدس والجولان، واجراءات تهويد القرى والبلدات العربية، ومصادرة الأراضي، وتدمير مخيمات اللاجئين في طولكرم وجنين ونابلس، وتجاوز اتفاقات أوسلو مع السلطة، وما رافق ذلك من اعتداءات المستوطنين الممنهجة والمتكررة على السكان الآمنين العرب وممتلكاتهم.

وهنا، يبرز التساؤل، لماذا حدثت كل هذه المتغيرات والتطورات ؟ هل هناك خللٌ في ميزان القوى لصالح دولة الكيان والولايات المتحدة؟

في واقع الحال، استطاعت "إسرائيل" والولايات المتحدة نتيجةً لبعض الأخطاء الإستراتيجية التي ارتكبتها بعض القوى في المنطقة مثل إيران وحزب الله والسلطة الفلسطينية من تقويض بل تطويع المنطقة لحساباتها ، ومن لم تقوضه عسكرياً من دول الطوق، فإن إمكانية تقويضه اقتصادياً وسياسياً ممكنة جداً لاحقاً. ولعل في تصريح اللواء غيورا آيلاند، رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق ما يؤكد هذه الحقيقة : " لو أن حزب الله دخل المعركة في السابع من أكتوبر لكان اللقاء مع حماس في تل أبيب". والعامل الأهم في هذه المعادلة، هو التعامي عن جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ، الذي تمارسه القوات الغازية الإسرائيلية ؛ الذي تمثّل بالصمت والتخاذل العربي والإسلامي والغربي، والذي شكل غطاء لدولة الكيان في استمرار حربها الإجرامية على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية. والذي أخذ أحيانا أشكال التعاون عند البعض ، والمطالبة بالقضاء على المقاومة بوصفها إرهاباً تهدد عروشهم ومصالحهم ؛ ما شكل تماهياً مع أهداف نتنياهو والإدارة الأمريكية. ، كما لجأ هؤلاء إلى تقويض حركة الشعوب من التحرك لنجدة أهلنا في غزة وإيصال المساعدات الإغاثية لهم باستثناء أعداد قليلة مغاربية من ذوي النخوة والذين تعرضوا للضرب والإهانة من قبل بلطجية حفتر والسيسي ، بينما شكلت المظاهرات المليونية الحاشدة في العواصم الغربية والاعتصامات في الجامعات والأكاديميات العالمية عاملاً محرجاً لهذه الأنظمة ، وكشفت عن الهوة السحيقة بين الطبقة السياسية الحاكمة والفئات المجتمعية المختلفة ؛ إذ لم يجرؤ زعيم عربي واحد على المطالبة بفرض عقوبات على الكيان، بينما ذهبت أصوات أوروبية ، وأخرى أمريكية لاتينية أبعد من ذلك ، حيث قطعت بعضها العلاقات مع دولة الكيان ، وتم طرد السفراء الصهاينة ، وما البيان الذي أصدرته بريطانيا و 25 دولة مؤخراً إلا يصب في هذا السياق ،حيث طالبت هذه الدول بإدخال المساعدات فورا، ووقف إطلاق النار، وإنهاء الحرب ، بينما لم تبادر الدول الإسلامية والعربية المطبعة إلى مجرد سحب سفرائها أو قطع علاقاتها الدبلوماسية أو التجارية والاقتصادية مع الكيان، بل عمدت إلى قمع شعوبها، ومنعها من أي تحرك يفضي إلى كسر الحصار ، وإنهاء معاناة شعبنا التي فاقت كل المعايير الأخلاقية والإنسانية والدينية. إنه من المخجل والعار أن ترى تظاهرات إسرائيلية ترفع صور أطفال مجوّعين. وآخرين استشهدوا نتيجة سوء التغذية وعدم توفر الأدوية ، بينما فرغت شوارع العواصم العربية من أي تحرك يُذكر سوى القليل منه في المغرب العربي واليمن. واللافت حقاً أن تبادر عشرات الألوف من العشائر العربية لنجدة بعضها من إخوانهم في السويداء السورية، بينما يتعرض أكثر من مليوني غزاوي إلى التجويع والتهجير والإبادة في غزة. وبدت فرانشيسكا ألبانيز ، ممثلة حقوق الإنسان الأممية في الأراضي المحتلة ، وكأنها الناطق الرسمي باسم الشعب الفلسطيني وباسم أهلنا في غزة ، وبسبب مواقفها فُرضت عليها عقوبات أمريكية ، بينما غاب الناطق العربي الرسمي للتعبير عن ما يُرتكب من مجازر وإبادة في غزة.

والعامل الثالث في اختلال موازين القوى لصالح دولة الكيان الولايات المتحدة ، هو عجز العالم ممثلاً بهيئاته، ومنظماته الأممية عن تنفيذ القرارات الصادرة عنهم ؛ خاصة تلك التي طالبت باعتقال نتنياهو كمجرم حرب مع وزير دفاعه ، وفشل المنظومة الدولية بوضع قرارات الأمم المتحدة موضع التنفيذ ؛ خاصة تلك التي تتعلق بفك الحصار عن غزة ، وإدخال المساعدات الإنسانية ، وتفعيل البروتوكول الإنساني.

في نهاية المطاف، قدر هذه الأمة أن تواجه المخطط تلو الآخر، ولكن هذا الاستحقاق الآن يشكل أكبر وأخطر تحدٍ يواجه الأمة وشعوب المنطقة برمتها وعليه فإن المطلوب أولاً من أحرار الأمة والعالم - وبنداءٍ أخير قبل فوات الأوان - نصرة أهل غزة بفك حصار التجويع وإدخال المساعدات الإنسانية واللوجستية للمشافي، ودعم صمود المقاومة ؛ لأن هزيمة مشروع ترامب نتنياهو يبدأ من غزة. ثانيا ، تكثيف المطالبات الدولية بوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب واستخدام أدوات الضغط الحقيقي على الكيان وتفعيل العقوبات الاقتصادية والسياسية عليه. ثالثا ، وقف كل أشكال التطبيع مع دولة الكيان، وسحب السفراء ، ووقف كل العلاقات معها. رابعاً ، تجاوز حالة الانقسام الفلسطيني، وإيقاف العمل باتفاقيات أوسلو، ووقف أي شكل من أشكال العلاقة مع الكيان الصهيوني والعودة إلى اتفاق بكين بين كافة فصائل العمل الوطني. خامساً ، العمل على إنجاز مصالحات وتفاهمات تفضي إلى مزيد من الُلحمة المجتمعية ، وتفويت الفرصة على المتربصين والقائمين على زرع الفتن والانقسامات الطائفية والمذهبية والعرقية ، وهذا لا يتم ألا بنشر ثقافة التسامح والعيش المشترك والعدالة، والمساواة بين أبناء الوطن الواحد ، و تعزيز الانتماء الوطني والقومي. سادساً ، تفعيل قرارات الشرعية الدولية لحل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وعلى رأسها إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني ، ورفض كل أشكال التهجير والتطهير العرقي، وتفعيل قرارات محكمة العدل الدولية والجنايات الدولية وتقديم المجرمين الصهاينة إلى العدالة.

من نافل القول ، إذا كانت النتائج تلزم المقدمات حسب القاعدة الفلسفية الشهيرة، فإن الانقسام والفتن المجتمعية الطائفية والمذهبية والعرقية والصراعات الداخلية، هي مقدمات لمشروع ترامب نتنياهو الجديد، الذي يفضي إلى التقسيم والهيمنة الاستعمارية ؛ فالأجدر بنا أن نتجاوز هذه المقدمات؛ حتى لا تلزم تلك النتائج، سيما إننا في معركة وجود أو لا وجود.