القيمة السامية الممتدة في الانتماء لسؤال الضحية… الفاتورة الحالية مهولة جداً وغير مسبوقة ويصعب حصرها في الأرواح والدماء والممتلكات، وإن لم يكن مقابلها دولة واستقلال فهذا يعني أن هذا الشعب هو زمرة القوم الضائعين التائهين بلا جدوى… “شعب بلا دولة هو شعب يقع في الفراغ ويُنثر في الهواء”… .
كوارث وقضايا تحظى باهتمام الرأي العام العالمي وبالتالي المجتمع الدولي، وهذا الاهتمام يمثل فرصة لأصحاب تلك القضايا، وهناك كوارث وقضايا لا تحظى باهتمام الرأي العام العالمي فتجد أن جميع ملفاتها مهملة وكوارثها تتفاقم، كما حدث في أمثلة كثيرة في أفريقيا وآسيا…
لا يوجد واقع سياسي سهل، كل أزمة تأتي معها فرصة، رفع مستوى ودرجة نشاط التشبيك السياسي والدبلوماسي مع الأطراف الإقليمية العربية والأوروبية والدولية ذات العلاقة لقطع خطوات نحو مزيد من الاعتراف الغربي بالحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني، وحسابات الممكن المتغير... السياسة حضور وتفاعل ومشاركة.
اعتبر الباحثون مؤتمر بلتيمور الصهيوني في 11 مايو / أيار 1942، بداية مرحلة جديدة في العلاقات الأمريكية – الصهيونية، وأخذت هذه العلاقات تتطور بسرعة خلال عقد الأربعينات ولم تكن الحركة الصهيونية تتوقع أن يتسع القاموس السياسي والعسكري والاقتصادي والروحي الأمريكي، ليستوعب سرعة مفردات الإستراتيجية الصهيونية وطرقها في التعامل مع العالم لجهة الهيمنة وفرض القوة بكل السبل، فقد نمت العلاقات وتطورت بسرعة كبيرة إلى مرحلة التبني الأمريكي لما تريد الصهيونية العالمية تحقيقه. ومن أبرز معالم هذا التوثيق تعاطف الحزبين، الجمهوري والديمقراطي.
التقت الأهداف الأمريكية مع الأهداف الصهيونية للمرحلة المقبلة، والتي إرهاصاتها ومؤشراتها بدأت بالظهور، نتيجة المناخ العام السائد ورائحة الحرب العالمية الثانية على أبواب القارة العجوز، بينما عين اليهود على الدولة التي ستمسك بزمام الأمور، وبالتالي فإن نقل الأموال الصهيونية من هذه القارة إلى الولايات المتحدة، وتحقيق المبدأ القائل والقائم على القوة والثروة، فالقوة تحمي الثروة، والثروة تضمن بقاء واستمرار القوة. بالفعل خرجت الدول الغربية منهكة ومستنزفة اقتصاديا وبشرياً والدمار في كل مكان، لتذهب تلك القوة الإمبراطورية برمتها إلى الولايات المتحدة، حيث اليهود ضمنوا مكانا لهم ولأموالهم، بعد التسلل والولوج، وإقناع المسؤولين بضرورة التحالف الإستراتيجي، وأن الحزبين الكلاسيكيين يختلفان في كل شيء، ويتفقان على إسرائيل ومتطلباتها التي لا تنتهي، وهذا هو بيت القصيد الصهيوني.
تسلل المشروع الصهيوني من خلف هذه القوى المتصارعة والمتحاربة، والذي وجد بالولايات المتحدة ضالته، بأنها التي ستساعد اليهود بإقامة ‘‘دولتهم’’ على أرض فلسطين، وذلك نتيجة لحجم الجهد الإعلامي المزيف الذي مارسه اليهود على المواطن الأمريكي، بأحقية اليهود بأن يكون لهم وطن؛ على خلفية استغلال حالة الضعف والشرذمة وتعب الجماهير العربية من التخلص من الاستعمار، بينما وقعت فلسطين ببراثن اليهود الطامعين إلى ما هو أبعد ، فواشنطن سارعت للاعتراف بالكيان الصهيوني لأنها وجدت فيه قاعدة متقدمة لها في الشرق الأوسط الحيوي، أو كنزا حقيقيا كما وصفها الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان، ومنذ ذاك الوقت، واشنطن تنفذ وتدعم الكيان الصهيوني بكل أنواع السلاح، ناهيك عن الاتفاق الإستراتيجي الموقع عام 1956، عندما وقع أيزنهاور اتفاقية ترتكز على بندين أساسيين أولهما، التعاون التقني والعسكري والمادي، وثانيهما التعاون في مجال الذرة .
أعتقد أنني قدمت صورة واضحة عن بداية الكيان الصهيوني، والعلاقة العضوية، وبالتالي أجمعت مراكز البحوث والتحليل وعلى رأسها كبار الشخصيات وجهابذة التحليل والتدقيق بهذه العلاقة التي تكاد تكون فريدة من نوعها والتي اتسمت بكثير من الأخذ فقط دون العطاء، وأقصد أخذ الصهاينة من واشنطن بلا رقيب ولا حسيب وجفاف العطاء الصهيوني الذي يتعامل مع الشعب الأمريكي على أنه مجرد رقم أو دافع ضرائب، وبالتالي فإن الدارسين والباحثين تعبوا وقد أصابهم اليأس بأن يلمسوا أو يعتقدوا في سرهم ونجواهم، أن هذه العلاقة ممكن لها أن تتحول إلى علاقة عكسية.. أي ظهور اختلافات تتحول إلى خلافات ممكن أن تضع حدا ً فاصلاً في العلاقة والتي من خلالها تعتبره واشنطن خطا ً أحمر، وعلى الكيان أن يحترم هذا الخط ويراعي مشاعرها أو على الأقل أن يشكرها شكر الحامدين لا الحالمين أو المتطفلين المتنكرين .
اعتقدت إسرائيل بوصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمرة الثانية إلى البيت الأبيض، أنها قادرة على تحقيق حلمها النهائي وذلك على وقع الاعترافات السابقة لترامب سواء بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس أو الاعتراف بالقدس عاصمة أبدية للكيان وبعض القرارات المجحفة بحق الفلسطينيين والضغط على المنظمات الإنسانية التي تساعدهم ؛ ظنت أن وصول ترامب للمرة الثانية، استكمالاً لمشروعها التصفوي للفلسطينيين وطردهم خارج فلسطين مع التوسع شمالا وجنوبا، وشرقا وغربا، مع احتمالية التطبيع عبر القوة والتخويف مع بعض الدول العربية التي لم توقع إلى هذه اللحظة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، والذي عكّر صفو الأحلام والأراجيف والأسمار الصهيونية، طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أي قبل وصول ترامب إلى البيت الأبيض ببضعة شهور.
هذا الحدث العالمي، كسر هيبة الكيان الصهيوني الذي إلى هذه اللحظة، يفقد توازنه، وكشف عن وجهه القبيح والبشع وإعلانه الحرب على غزة وشعبها المحاصر والمجوّع، ما هي إلا محاولة بائسة ويائسة، وأن الزوال الحتمي بدأت ملامحه ومرتسماته.. إذ كان الكيان يستمد قوته واستمراره من حبلين، الأول قوة الردع وسرعة إنجازه للمعارك، والحبل الثاني، الدعم المطلق من الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، والذي بدأ يشتد أكثر وأكثر إيذانا ً بالانقطاع لهول المجازر والإبادة الجماعية التي ترتكبها الآلة العسكرية الصهيونية. أما اليوم ومع التطور الرهيب للتكنولوجيا والأقمار الصناعية ووسائل الإعلام التي أصبحت متناول الجميع، والفضائيات التي فضحت وعرّت زيف الكيان الصهيوني القاتل والمجرم بحق الأطفال والشيوخ والنساء، وتحرك كبريات الجامعات الأمريكية والغربية وظهور الحقيقة وجلائها بفعل التزوير والتحريف وحرفه للحقائق باتجاهه، والاتكاء على نظرية معاداة السامية، حتى هذه التهمة أصابها الوهن والضعف لما يشاهده العالم من هولوكوست حقيقي مباشر .
حتى كتابة هذا المقال، لا تزال المقاومة تسجل على العدو المدجج بأعتى أنواع السلاح والمدعوم براً وبحراً وجوا ً، صورا ً بطولية يعجز عن وصفها المبدعون في الأفلام والقصص الخيالية، وسط تطور تكنولوجي عسكري موصول بالأقمار الصناعية واستخدام أجهزة توضع على الشجر والحجر، وحتى وسط الركام لمعرفة كيفية تحرك المقاومة، وعجز الكيان على تحديد الأسرى ومكان وجودهم، وهو المصدوم برؤية الأبطال وسياراتهم ذات الدفع الرباعي ونظافتها وجاهزيتها، كل هذا زاد من حنق الكيان .
حالة الاهتزاز التي أصابت العلاقات الأمريكية الصهيونية، بدأت مع أول طلقة من طوفان الأقصى، إذ تعتقد واشنطن أن إسرائيل قادرة على كشف المخططات والمؤامرات التي تحيط بها من كل جانب، وبالتالي فإن واشنطن بعد هذه النكسة فقدت ثقتها بالردع الصهيوني حسب زعمهم ، لذلك عززت علاقاتها مع السعودية، وتاليا ً مع الجمهورية العربية السورية التي تصر على دعمها ومساندتها لتقف من جديد، ترامب لم يخف انزعاجه من نتنياهو عندما قصفت طائراته مقر رئاسة الأركان السورية، ووصفته الصحف بأنه الولد الذي يعبث ويكسر دون مراعاة الكبار، على ما أعتقد أن ترامب قرأ من بعيد أن الكيان يعاني حالة من الوجود، بل حتمية سقوطه أخلاقيا وانكشافه للعالم الذي تجوب عواصمه بالمسيرات المؤيدة للقضية الفلسطينية .
اليوم ومع تعنت الكيان الصهيوني، وتنفيذ مشاريعه الإحلالية سواءً في غزة، أو الضفة الغربية، يتوحد العالم، ويستنكر هذه الهمجية، وخصوصا سياسة التجويع لأكثر من مليوني إنسان، وربما الانزعاج الأمريكي يتحول إلى نزاع وهذا مؤكد لأن إسرائيل تغامر بسمعة الولايات المتحدة.. في الماضي مجرد نقد إسرائيل سرا ً أو علانية يطير رأس الناقد إما جسديا أو سياسيا، أما اليوم فإن ترامب كسر هذه القاعدة وهذا التابو، أصبحت الاحتجاجات في الجامعات أكبر دليل وعليه يبعث الأمل في تغيير الرأي العام الأمريكي ورؤيته للحقائق وإماطة اللثام والغشاوة الصهيونية.
في نهاية المطاف لكل أمة خطوطها العريضة في التعامل مع العالم، في الحالة عند الولايات المتحدة، وصول ترامب فرصة حقيقية وثمينة للعرب لتعزيز العلاقات الاقتصادية ومدى حاجة الغرب للعرب، واستغلال هذه الحالة متوقف على ضمير الدول العربية التي إن أرادت أن تمتلك زمام المبادرة وتخفيف الآلام والعذابات للأخوة في فلسطين ولبنان وسوريا... عليها أن تضع شروطا لطبيعة العلاقة، وأن تكون معلنة للشعوب العربية التي تغيرت وتحولت من مجرد أرقام ومستهلكين إلى صناع قرار وصناع محتوى سياسي واقتصادي وديني ..
|
|

