شكّل اندلاع النزاع والاشتباكات في محافظة السويداء السورية في الفترة بين 12-19 تموز 2025 إلى تصعيد غير مسبوق بين مجموعة من الفصائل منها من يتبع لشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز حكمت الهجري، وأخرى تتبع للبدو والعشائر بما أدى إلى انفجار حاد على صعيد المنطقة الجنوبية على خلفية حملة من التحشيد والتجييش ظهر بها الدور الكبير لعصبيات ما دون الدولة ( الدينية، العشائرية) وخطورتها في عملية الاستثمار السياسي، مما أعاد بدوره رسم معادلات القوة والنفوذ في معارك أدت إلى تصاعد حدة الضغوط على الإدارة السورية وزيادة حجم التحديات التي تعاني منها وانكشاف حجم الضعف البنيوي والهشاشة الموصوفة في الحالة السورية على الصعيد الأمني والعسكري بشكل خاص إضافة للشروخ الاجتماعية وغياب القدرة على ضبط الاشتباكات التي وصلت مستويات غير مسبوقة حيث بلغ عدد الضحايا بالمئات والمهجرين نحو 93 ألفاً الذين نزحوا بغالبيتهم تجاه محافظة درعا، فضلاً عن مستوى الانتهاكات والعمليات الإجرامية الواسعة التي ارتكبت بحق المدنيين .
الأخطر في هذا الحدث هو الاستغلال الإسرائيلي المباشر والذي تمثّل بتصوير إسرائيل على أنها " حامية للمكون الدرزي" في جنوب سوريا وهو ما صرح به وزير الدفاع الإسرائيلي "يسرائيل كآتس" سابقاً بأن العمل سيستمر على حماية ما وصفه "بالأخوة" الدروز في جنوب سوريا وفق مبدأ " حلف الدم" الذي يعود إلى روايات إسرائيلية توراتية تستخدم البعد الديني في تحقيق أهداف سياسية وأمنية، في مؤشر لمخطط أبعد من أن يكون حماية لمكونات سورية أصيلة، وأقرب لما يمكن أن تعمل عليه تل أبيب تجاه فرض خرائط نفوذ جديدة، في محاولة لإعادة إنتاج الفوضى في المشهد السوري بما يتوافق ومصالحها، التي ترتكز على ما تراه بأهمية فكرة التقسيم وسحب عناصر القوة التي قد تحاول سوريا امتلاكها خدمة لأهداف أمنها الحيوي.
ترتبط أهم الأهداف التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها في سوريا بالبعد الأمني والمجال الحيوي والتي تتمثل بما يلي:
أولاً- فرض منطقة عازلة على امتداد الجنوب السوري بالكامل يتيح حرية التحرك الإسرائيلي وإقامة منطقة نفوذ متقدمة ترتبط بالقواعد التي تم إنشائها سابقاً في جبل الشيخ وريف القنيطرة.
ثانياً- العمل على إيجاد طريق يمتد من مجدل شمس في الجولان المحتل مروراً بالقنيطرة وريف درعا وصولاً إلى السويداء، والضغط باتجاه فتح معبر مباشر بين الأردن وسوريا من جهة الحدود مع السويداء لتحقيق عنصر الوصول الكامل إلى المنطقة.
ثالثاً- العمل على استثمار حالة من الصراع بين المكونات السورية على أسس طائفية وإظهار محدودية سيطرة الإدارة السورية وحجم الهشاشة باستهداف مراكز حساسة في العمق السوري والتي كان أهمها مبنى هيئة الأركان السورية في العاصمة دمشق، في رسالة واضحة من تل أبيب بتقديم نفسها كطرف فاعل في إطار ما يشبه الوصاية على محافظة السويداء التي حافظت على تماسك نسبي في النسيج الاجتماعي، و بقيت لعقود خارج دائرة التطرّف والانقسام الحاد، لكنها في لحظة ما ضمن ما يمكن تسميته باستثمار إقليمي هادف، يقف في صدارته مشروع إسرائيلي يدرك تماماً أهمية اللعب في الهوامش الطائفية والتشقق الاجتماعي السوري.
هنا يتجلى الدور الإسرائيلي بشكل غير مباشر، لكنه واضح في مآلاته لطالما سعت تل أبيب إلى تفكيك الأطراف السورية وتحويلها إلى جيوب غير مستقرة يسهل التأثير فيها، تحديداً في المناطق الحدودية أو القريبة من الجولان المحتل، إذ أن السياسة الإسرائيلية وفقاً لما كشفته تقارير استخباراتية ومواقف سياسية متكررة، سعت إلى تحييد المكون الدرزي السوري عن محيطهم الوطني، سواء عبر تحفيز تيارات "الحياد الإيجابي"، أو استثمار شعورهم بالخوف من التطرّف.
"خطة ينون" التفكيك الناعم عبر الفوضى المدارة
ما حصل في الجنوب السوري هو جزء من خطة أوسع تم طرحها عام 1982 من قبل " أوديد ينون" مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرئيل شارون، والتي تقضي بضرورة تقسيم سوريا واجتزائها إلى دويلات على أسس طائفية وإثنية يما أسمته ( دولة سنية، دولة علوية- دولة كردية، دولة درزية) بما يضمن بدوره الحماية الأمنية في الجبهة الشرقية وإمكانية إقامة إخضاع هذه الدويلات لاحقاً للنفوذ الإسرائيلي، في المقابل فإن الاستثمار في مأساة السويداء لا يقتصر على الجانب الأمني أو الجيوسياسي فقط، بل يمتد إلى خلق واقع حدودي هش يسمح لها بالقيام بعمليات نوعية دون مقاومة، ويعزز من فكرة أن "الاستقرار الإسرائيلي" لا يأتي إلا في ظل "لا استقرار عربي" ومحاولة تفكيك مفهوم الدولة القومية، فحين يتم الإشغال بالملفات الداخلية، وتُستنزف الدماء في صراعات بينية، فإن ذلك يؤدي إلى هدوء الجبهة.
هذا المخطط يعمل بتفاعل مباشرة مع حجم التشقق والشروخ الاجتماعية المتزايدة في سوريا والتي تؤدي بدورها إلى تعميق الأزمة وحالة الفوضى، في ظل الضعف الأمني والعسكري وشيوع الفصائلية في انتماءات الجماعات الضيقة التي ترسخ حالة من الانقسام وارتكاب الانتهاكات والعمليات الإجرامية، بالتالي فأن الاستثمار الإسرائيلي يتجاوز الحسابات الأمنية التقليدية، ليرتقي إلى مستوى هندسة الواقع السياسي والمجتمعي في الجبهة الشرقية. فزرع حالة "الهشاشة الحدودية" في الجنوب السوري يوفّر لإسرائيل هوامش مناورة أوسع، ومساحات عملياتية أقل تكلفة دون الحاجة لاجتياح شامل أو مواجهة مباشرة، وتُسهّل هذه البيئة المفككة تنفيذ عمليات خاصة أو هندسة تحالفات محلية مع جماعات متعددة، كما إن مايحدث ليس أزمة محلية أو احتجاجات معزولة، بل فصل جديد من مشروع استراتيجي طويل الأمد، يرمي إلى تحويل إلى إيجاد حزام أمني خامد، وجبهة منسية، وساحة مشوشة تُهدر الموارد والطاقات في صراعات داخلية، وهو ما يتم محاولة احتوائه بجهود سياسية وأمنية ورعاية أمريكية والتي كان آخرها في اجتماع باريس الذي عُقد في 24 تموز 2025 في محاولة التوصل إلى تفاهمات أمنية سورية – إسرائيلية يراد بها التهدئة وإيجاد صيغة لاتفاق مستدام يُوقف من جهة احتمالية عودة اندلاع الصراع في الجنوب السوري، ومن جهة أخرى تسعى من خلاله إسرائيل إلى استحصال مكاسب متنوعة ضمن بنية شديدة التعقيد.
استمرار حالة التفكك البنيوي في سوريا وتبني سياسات بعيدة عن المشاركة الحقيقية إضافة للضعف المجتمعي التي تعاني منه مختلف المكونات يدفع باتجاه خطر حالة الانقسام وإيجاد سيناريوهات قد تودي إلى شرذمة اجتماعية وديمغرافية قبل أن تكون جغرافية من خلال إما استدامة الفوضى في البلاد وبالتالي فقدان السيطرة والدخول في حالة التفكك، أو الذهاب نحو تهدئة شاملة تضبط الصراعات الطارئة وتضمن عدم توسعها، إضافة أو الذهاب لازدياد التدخل الخارجي الذي يؤدي إلى تعقيد الأوضاع ويدفع بعيداً عن حالة الاستقرار المشروطة للانفتاح الدولي والإقليمي الأوسع، وهذا يشترط بالضرورة أن تقوم الإدارة السورية بعملية تصحيح كبرى للمسارات على المستوى الأمني والسياسي بما يفيد في عملية بناء الدولة المدمرة والابتعاد عن نقاط الاشتباك الخطيرة.

