في الثامن من تموز 1972 تحول جسد غسان كنفاني إلى أشلاء مترامية، مزجت مع ابنته أخته المحببة إلى قلبه، بفعل الكيان عندما أراد أن ينهي هذه الأيقونة فزرع عبوة ناسفة في سيارته لتكون نهاية عبقري... الذي سخر قلمه وفكره ومشاعره للوطن...وكتب عن الأدب المقاوم في مواجهة الادب الصهيوني... لينير فكرا أعده للأجيال القادمة...
فقد عبر غسان عن الأدب الفلسطيني بـ”أدب المقاومة” لأن هذا الأدب يقوم ضد جميع أسباب القمع، ويشجع على الوقوف في وجه الاحتلال، ويحرض على الثورة، والمشي في سبيل الحرية رغم أن الطريقة شائكة. وهذا المصطلح الخاص لم يقتصر على أدب غسان كنفاني على المقاومة فقط كان للطفل حيز كبير من كتاباته فهو يخاطب الأطفال الذين عاشوا في أجواء الماساة والمقاومة وماحل بوطنهم، غسان ابن العاشرة الذي هجر من بلاده وشرد تركت أثرا كبيرا في نفسه.
فقد كبر قبل أوانه كباقي أطفال فلسطين الذين لم يعرفوا للطفولة طعم، فهم رجال صغار مقاومون، والمعاناة تبدأ معهم منذ أن تفتحت عيونهم على ضوء الحياة، يحملون المسؤلية فوق كاهلهم، فقد كانت أسرته تسكن في حي يدعى حي المنشية، وكان هذا الحي ملاصقا لتل أبيب. وشهد هذا الحي أوائل الاشتباكات والصراعات التي حدثت بين العرب والصهاينة على إثر قرار تقسيم فلسطين مما اضطر الأب إلى مغادرته هو وعائلته إلى مدينة عكا.
وقد ظلت العائلة في هذه المدينة سنة واحدة ما بين 1947م وحتى 1948م إلى أن حدثت واقعة الهجوم الأول على مدينة عكا من قبل الصهاينة، مما اضطر الأهالي والأسر إلى المغادرة إلى خارج المدينة وظلوا على تل نابليون في حين ذهب الرجال والمناضلون للدفاع عن أرضهم والمجابهة.
فنجد في أعماله الأدبية، يظهر الأطفال كشخصيات رئيسية، حيث يعبر عن معاناتهم وأحلامهم وآمالهم في ظل الظروف القاسية التي يعيشونها، فيراهم يمثلون الأمل والمستقبل، وأنهم ضحايا الحرب والصراع، وأنهم يحملون في داخلهم نقاء واندفاعا جميلا نحو الحياة فهم يستحقون الحياة والعيش بأمان.
فكتب مجموعة قصص للأطفال ، أبرزها "القنديل الصغير". بالإضافة إلى مجموعات قصصية مثل "أطفال غسان كنفاني والتي تتضمن قصصا قصيرة أخرى تدور أحداثها حول الأطفال ومعاناتهم. فحكاية القنديل الصغير تروي قصة ملك يطلب من ابنته الصغيرة أن تحمل الشمس إلى داخل المملكة لتصبح ملكة وقادرة على إدارة البلاد وهنا للشمس رمزا عند غسان الأمل والتصميم في مواجهة التحديات. وتبدأ الفتاة بالمغامرة والتفكير بحل اللغز فتصعد إلى جبلٍ عال لمحاولة حمل الشمس إلى القصر ، فتدرك أنها لا تستطيع الوصول لها لأنها أبعد مما ظنت ، وتبوء محاولتها بالفشل .
وعندما تفشل يحفز هنا الأطفال على الإعتماد على الذات وإيجاد الحلول وعدم اليأس وأن الحل موجود، بأن تستعين الفتاة بحكيم القصر ليساعدها في حل هذا اللغز الصعب ، فيرفض ذلك بحجة أنها عليها إيجاد الحل للوصية وحدها ، فتحاول طلب المساعدة من الناس ليتهمونها بالجنون، ولا أحد استطاع مساعدتها في تجاوز الهزيمة وتجديد الأمل كان لحل وصية الملك مؤقت، وهو الشمعة التي كان قد أشعلها الحكيم بعد وفاة الملك، فكان على الفتاة حل اللغز قبل أن تنتهي الشمعة كي تتوج وتصبح ملكة البلاد، وإلا فستعاقب على عدم حل الوصية بأن تبقى في قفصٍ خشبي صغير، وتتعرض الطفلة خلال رحلتها إلى خيبات أمل كثيرة، فتشعر بالاكتئاب فتدخل إلى غرفتها وتشرع في البكاء، في الوقت ذاته الذي كانت تتلقى فيه رسالة حكيمة تلقى لها من تحت باب غرفتها، فتقرأها لتشعر بتحسن، وتستعيد طاقاتها التي ظنت أنها فقدتها، وتجدد أملها لحل وصية الملك . فيأتي ذات ليلة عجوز كبير يحمل قنديلا إلى القصر، يطلب مقابلة الفتاة فيرفض حراس القصر إدخاله ، فيقول لهم: "إذا لم يكن بوسع عجوز أن يدخل إلى قصرها فكيف تطمع أن تدخل الشمس إليه؟" وهنا يكون العجوز دلالة على توضيح الرؤية للطفلة وإدراك وتفتح الوعي للنظر إلى ماهو وراء السور فكانت كلماته قد أوقدت فكر الطفلة وعرفت كيف تحل اللغز .
فتطلب الفتاة أن يحضر كل رجل يحمل قنديلا صغيرا إلى قصرها كي تعثر على ذلك العجوز، ولكثرة الجموع التي قدمت إلى القصر لم يستطيعوا الدخول بقناديلهم إلى القصر لأنه محاط بالأسوار وبواباته تفكر الفتاة وتأمر بهدم أسوار القصر؛ وهي خروج الطفل من سجنه الضيق وتكسير وكل العوائق التي تقف في وجههم القصر، وبعد أن دخلوا، قال العجوز : "الآن فقط دخلت الشمس إلى القصر" فتلاحظ الفتاة بأنه بالفعل قد دخلت الشمس للقصر بعد هدم الأسوار ودخول تلك القناديل للقصر، فتفهم المراد من وصية والدها، وهي الوحدة والتكاتف من أجل هدف نبيل.
قصص غسان كنفاني حتى عن الطفولة تعطي بريقا آخر ليفهم الأطفال إن حياتهم تحتاج إلى تحدي وعدم الوقوف عند أي عائق، فهو يجدد فيهم الأمل، فالشمس عنده تحدي الصعوبات وكسر الأسوار التحام الجماعة لتحقيق الوصول، فلسطين بحاجة إلى تضافر القوة والوعي لأن أطفال فلسطين يبنون منذ نعومة أظافرهم على حب الوطن ومسؤولية النضال فلسطين تستحق منا كل غال ونفيس.

