يعد الشهيد والأديب والسياسي غسان كنفاني واحداً من أكثر أدباء العربية، من غير المصريين، ممن اهتمت السينما بأدبهم وحولت أعمالهم الروائية إلى أفلام سينمائية، وحدث ذلك في أكثر من بلد عربي سواء في فلسطين وسوريا ومصر ولبنان وصولاً إلى الخليج العربي والسينما الإيرانية.
وعلاقة الشهيد غسان كنفاني بالسينما وخاصة السينما الفلسطينية تأخذ مستويين اثنين، أولهما علاقته الشخصية بالسينما، ودوره العملي في مجال تأسيس السينما الفلسطينية وثانيهما علاقة أدبه بالسينما، وما نهلت السينما من أعماله وحولتها إلى أفلام روائية طويلة، وروائية قصيرة، وأفلام وثائقية إضافة أن غسان كنفاني كان منتظما في قراءة النشرات السينمائية وتحليل ونقد الأفلام السينمائية، ولم يتردد في إبداء وإظهار اهتماماته السينمائية حتى بالذهاب إلى دور العرض ومتابعة بعض ما كان يعرض من أفلام في تلك الأيام.
وبنظرة أولية سردية للسجل السينمائي الذي استقى من أعمال غسان كنفاني، نذكر: فيلم «المخدوعون» للمخرج المصري توفيق صالح. والمأخوذ عن رواية «رجال في الشمس» عام 1970، فيلم « السكين» للمخرج السوري خالد حمادة.الماخوذ عن رواية ( ما تبقى لكم ) الفيلم الفلسطيني «عائد إلى حيفا» بتوقيع المخرج العراقي « قاسم حول» .المأخوذ عن رواية تحمل نفس العنوان والفيلم الإيراني « المتبقي» للمخرج سيف الله داد. الذي أعاد إنتاج رواية « عائد إلى حيفا» ذاتها بطريقته الخاصة.
وعلى صعيد الأفلام الروائية القصيرة، هناك فيلم« زهرة البرقوق» للمخرج ياسين البكري، وفيلم « البرتقال الحزين» المأخوذ عن قصة « أرض البرتقال الحزين» من إخراج العراقي كوركيس عواد، وفيلم « كعك على الرصيف » بتوقيع المخرج عماد بهجت.
من أشهر إنتاجات الأفلام السينمائية المأخوذة عن أدب غسان كنفاني فيلم« المخدوعون» المأخوذ عن رواية « رجال في الشمس» التي نشرها في عام 1963، والفيلم من إنتاج المؤسسة العامة للسينما في سوريا عام 1971، ومن إخراج المصري توفيق صالح، الذي كتب له السيناريو بنفسه. والفيلم من تمثيل محمد خير حلواني عبد الرحمن آل رشي، بسام لطفي، ثناء دبسي.
ويرصد الفيلم مصير ثلاثة لاجئين فلسطينيين جمعتهم الخيبة والأمل في مستقبل أفضل، إنهم مروان، وأبو قيس وسعد، فقد حاول هؤلاء الثلاثة السفر إلى دولة الكويت بحثاً عن عمل يغنيهم عن العيش في مخيمات اللاجئين، وبسب صعوبة الحصول على تأشيرة نظامية لدخول الكويت، يقررون فعل ما فعله آلاف قبلهم ودخول البلاد بطريقة غير شرعية، حيث يقابلون سائق صهريج ماء (أبو الخيزران) تعهد بتهريبهم عن طريق إخفائهم في صهريج اعتاد أن يعبر به الحدود العراقية الكويتية. يصل الصهريج وبداخله الفلسطينيون الثلاثة إلى الحدود، ولكن الإجراءات الرسمية الروتينية من موظف كويتي متقلب المزاج. والذي ماطل كثيراً في إنجاز الأوراق اللازمة لعبور الحدود. وبسب الحرارة المرتفعة داخل الخزان، كلها ساهمت بوفاة الفلسطينيين الثلاثة داخل الصهريج.
ويقوم بعدها السائق « أبو الخيزران » برمى جثثهم عند مقلب للقمامة وظلت جملة السائق « لماذا لم يقرعوا الخزان» تتردد في الصحراء المترامية دون إجابة ..
وفي عام 1982، بادر قسم السينما في الجبهة الشعبية لإنتاج أول فيلم روائي فلسطيني، حيث أسندت المهمة للمخرج العراقي « قاسم حول » لإخراج فيلم « عائد إلى حيفا» والمأخوذ عن رواية لغسان كنفاني بنفس الاسم. وكان من تمثيل حنا الحاج علي، بول مطر، سليم موسى، والألمانية كريستينا شورن.
يعود بنا الفيلم إلى ذلك اليوم من شهر نيسان عام 1948، عندما تركت « صفيه» طفلها الرضيع « خلدون» وحيداً في المنزل، وخرجت تبحث عن زوجها « سعيد» وسط سيل هائل من البشر الذين كانوا يتدافعون بذعر وهلع يبغون النجاة، إثر قيام العصابات الصهيونية باحتلال مدينة حيفا، وعندما وجدته في ساحة الميناء، حاولت الرجوع إلى البيت لإنقاذ طفلها، ولكن القذائف والجنود البريطانيين الذين سدوا الشوارع ووقفوا حائلاً دون إتمام مهمتها جعلها تفقد الصغير ليضيع أثره ولتجهل مصيره. وبعد حوالي عشرين عاماً وبعد حرب حزيران عام 1967، سمحت قوات الاحتلال الصهيوني للعائلات التي هجّرت في عام 1948، بزيارة منازلها، فعادت العائلة إلى حيفا لتجد ابنها « خلدون» وقد أصبح اسمه «دوف» مجنداً في قوات الاحتياط الصهيونية، حيث أن عائلة يهودية استولت على البيت الذي كانت تقيم فيه عائلة صفية وسعيد وتبنت الطفل الرضيع وكان ذلك في أثناء الهجرات اليهودية التى استقدمت إلى فلسطين بعد إنشاء الكيان الصهيوني.
وأما الفيلم الإيراني« المتبقي» من إخراج سيف الله داد، وهو مقتبس عن رواية« عائد إلى حيفا» وإنتاج عام 1995 ، ومن تمثيل سلمى المصري، جيانا عيد، علاء الدين كوكش غسان مسعود وغيرهم.
الفيلم صور في سوريا، يحاول أن يعيد النظر بمصير أحداث وشخصيات الرواية، ولكن دون أن يتقيد بالأمانة لا بالنص ولا بالأحداث التاريخية فخلال احتلال القوات الصهيونية لمدينة حيفا عام 1948، تترك زوجة الدكتور سعيد طفلها الرضيع في سريره لتذهب إلى عيادة زوجها للاطمئنان عليه. يلتقي الزوجان في الطريق، ويحاولان معاً العودة إلى طفلهما الوحيد في البيت لكن الرصاص الصهيوني يصيبهما فيستشهدان تحت شرفة منزلهما، تستولي عائلة يهودية مهاجرة على المنزل، وتتبنى الطفل الرضيع لكن جدته التي تحضر من غزة، تستطيع إيجاد عمل لها عند العائلة اليهودية كمربية للطفل، بعدئذ وبالتعاون مع المقاومة الفلسطينية تكلفها بوضع حقيبة متفجرات في قطار عسكري ينقل الجنود الصهاينة، تتمكن الجدة من وضع حقيبة المتفجرات في القطار وإنقاذ الطفل في اللحظات الأخيرة قبل أن ينفجر القطار وتستشهد الجدة ويتعالى صراخ الطفل الرضيع مبشراً بالأمل الفلسطيني القادم ،
كذلك انتتجت المؤسسة العامة للسينما في سوريا فيلماً حمل عنوان « السكين» عام 1971، من إخراج «خالد حمادة» عن رواية غسان كنفاني « ما تبقى لكم» ومن تمثيل سهير المرشدي، رفيق سبيعي، وبسام لطفي. وتعكس قصة الفيلم جانباً من مأساة الشعب الفلسطيني من خلال ثلاث شخصيات أساسيه( حامد، مريم، زكريا) ومن إنتاج مؤسسة السينما والمسرح في العراق عام 1973، و فيلم « زهرة البرقوق» عن رواية كنفاني « برقوق نيسان » بتوقيع المخرج ياسين البكري. ويبرز الفيلم قدرة الفلسطيني على المقاومة رغم كل النكسات والنكبات التي حلت بالشعب الفلسطيني وأن المقاومة والثورة هي الطريق للتحرير والعودة.
ومن إنتاج مؤسسة السينما في العراق، كان فيلم « وصية أم سعد » المأخوذ عن رواية ( أم سعد) والفيلم الروائي القصير« البرتقال الحزين» من إخراج كوركيس يوسف في العام 1969، الفيلم مأخوذ عن قصة كنفاني « أرض البرتقال الحزين» ويتناول حياة مأساة عائلة فلسطينية هجّرت من فلسطين وعاشت حياة البؤس والتشرد في المخيمات، ولكن الحنين للأرض والأمل بالعودة ظلت تعيش في دواخلهم.
لقد كان الشهيد كنفاني متحمساً جداً للسينما، وساهم بشكل فعال في تأسيس قسم للسينما في الجبهة الشعبية والذي تم رفده بالمعدات الفنية اللازمة، ناهيك عن استقطاب جهود كثيرين من السينمائيين الفلسطينيين والعرب والأصدقاء والذين كانوا متحمسين للسينما الفلسطينية النضالية.
ولأن الكلمة عنده كان لها فعل الرصاصة، ولأن الجملة كانت لديه لها فعل الإضاءة في الفكر والروح، اتخذ طريق الأدب الروائي للنضال وحمل هموم شعبه على عاتقه باحثاً في الفكر والسياسة نسج شخوص رواياته من بين جموع الشعب المناضل والمدافع عن قضيته وسلك طريقاً في مخاطبة الفكر الإنساني فكانت له البصمات الواضحة في هذا المجال. ولما رأى دهاقنة الاستخبارات الصهيونية الخطر الذي يشكله غسان كنفاني في الصراع العربي الصهيوني لم يتأخروا في البحث عن طريقة لإطفاء هذه الشعلة المتقدة. واستطاعوا عبر عملائهم الوصول إلى عربته التي كان يستقلها كل يوم إلى مركز الإشعاع الذي أسسه واتخذ منه الانطلاق في مجلة الهدف. وفي صبيحة الثامن من شهر تموز من عام 1972، وعندما كان يدير محرك سيارته وبرفقة ابنة أخته انفجرت عبوة ناسفة بالجسدين الطاهرين ليلتحقا بركب الشهداء الذين مضوا. ولتخسر القضية الفلسطينية والأدب الإنساني أحد أعلامها المضيئة على طريق النضال مع عدو غاصب حاول إطفاء جذوة النضال في نفوس المناضلين وعلى كل الجبهات في الفكر والسياسة والأدب وساحات القتال. ولكن أدب غسان كنفاني لازال يعيش في فكر وقلوب الشعب الفلسطيني، وحكاياته لا تزال تتداولها الألسن طوال كل تلك السنين.

