Menu

ما الذي يدفع مواطنين أمريكيين للقتال في الصفوف الأمامية لجرائم الحرب في غزة؟

جمال كنج

تُعتبر الخدمة العسكرية أسمى أشكال التعبير عن الولاء للوطن. فعندما يرفع الشباب الأمريكيون أيديهم اليمنى، يقسمون على الدفاع عن وطنهم، دستورهم، وشعبهم. غير أن آلافًا منهم يختارون خيانة هذا القسم، ليس بالانضمام إلى الجيش الأمريكي، بل بالسفر عبر المحيط للالتحاق بجيش أجنبي—جيش دولة الكيان، المعروف اختصاراً بـ(IDF).

حسب تقارير صحفية الواشنطن بوست، يخدم نحو 23,000 أمريكي يهودي في جيش الاحتلال، في حين أظهرت بيانات وزارة الدفاع الأمريكية أن أقل من 4,000 جندي أمريكي فقط عرّفوا أنفسهم كيهود عام 2006، وقدّر تقرير لاحق عام     2019 نسبتهم بـ0.4٪ من القوات المسلحة الأمريكية. بعبارة أخرى: عدد اليهود الأمريكيين الذين يقاتلون تحت راية ما يسمى“نجمة داوود” يفوق أضعاف من يخدمون تحت العلم الأمريكي.

من الطبيعي أن يحتفظ المهاجرون بروابط ثقافية وتاريخية مع أوطانهم الأصلية—لكن مع أوطان حقيقية ذات جذور وتاريخ، لا أسماء أوروبية مستوردة ومُعبرنة. ومع ذلك، لم تقم أي جالية أمريكية بإنشاء لوبيًا يخدم سياسه دولة أجنبية كما يفعل AIPAC لصالح الكيان.

فالأمريكيون من أصل مكسيكي مثلا يحتفلون بذكرى انتصار ثوار بلدهم الأصلي على الاستعمار الإسباني، بما يعرف ”سينكو دي مايو”(5 مايو)، لكنهم لا يلتحقون بالجيش المكسيكي. والأمريكيون من أصل أيرلندي يحيون يوم القديس باتريك، دون أن ينخرطوا في الجيش الجمهوري الأيرلندي. والأهم، لا توجد أي جالية أمريكية تجمع تبرعات معفاة من الضرائب لدعم جيش أجنبي—باستثناء المليارديرات اليهود الذين يمولون منظمة ما يسمى “أصدقاء جيش الدفاع الإسرائيلي”.

وبفضل قدره هذا اللوبي، لا يكتفي الكونغرس الأمريكي بغضّ الطرف عن هذا الاستثناء، بل يسعى إلى مكافأته، حيث تقدّم عضوا الكونغرس الجمهوريان اليهود، غاي ريشنثالر وماكس ميلر، بمشروع قرار H.R. 8445 لتعديل قانون الحماية المدنية لأفراد الخدمة الأمريكيين، ليشمل حاملي الجنسيه الأمريكية الذين يخدمون في جيش دولة الكيان. وإذا أُقرّ هذا القانون، فسيُعامل هؤلاء الجنود الأجانب معاملة الجنود الأمريكيين أنفسهم.

تأمل لبرهه: جندي في جيش دولة الكيان، يحمل الجنسية الأمريكية، يشارك في تجويع الأطفال ويرتكب جرائم حرب في غزة، سيُساوى قانونيًا بجندي أمريكي يحرس قاعدة كامب بندلتون في سان دييغو!

عندما يتعلق الأمر بدولة الكيان، يتضاعف تأثير AIPAC بفضل التمثيل اليهودي غير المتناسب في الكونغرس—تمثيلهم يعادل ثلاثة إلى خمسة أضعاف نسبتهم من مجموع سكان الولايات المتحدة البالغين. أضف إلى ذلك القوة المالية الهائلة لهذا اللوبي في تمويل الحملات الانتخابية، مما يؤهّل هذا اللوبي القدره على فرض استثناءات مؤسسية لصالح دولة الكيان. والسؤال المنطقي: اذا كان هذا القانون جيدا للمواطن الأمريكي الذي يخدم في جيش الاحتلال، فلماذا لا يُمنح لجنود أمريكيين يخدمون في جيوش أخرى؟ ماذا لو كان هؤلاء مسلمون أمريكيون يخدمون في باكستان أو مصر؟ مثل هذا السيناريو كفيل بإشعال أزمة سياسية في واشنطن، وستُطلق الاتهامات بالولاء المزدوج وربما الخيانة. 

فلماذا لا تُثار هذه الاتهامات عندما يتعلق الأمر بدولة الكيان؟

خذ مثلاً ديفيد مايرز من كاليفورنيا، الذي خدم ست سنوات في البحرية التابعة لدولة الكيان. برّر قراره لخدمه جيش الاحتلال بالقول: “لدي ارتباط عميق وطويل باسرائيل.” وعندما سُئل عن سبب تفضيله جيشًا أجنبيًا على جيش بلاده، أجاب: “الولايات المتحدة، بقوتها وحجمها، لا تحتاج إلى قدراتي وجهودي.”

لكن منذ متى أصبحت قوة أمريكا مبررًا للتخلي عن الخدمه؟! تصريح مايرز يعكس اما ضعف ارتباطه بوطنه الأم، أو على الأقل ارتباطًا أدنى من ارتباطه بدولة أجنبية. الحقيقة أن قوة أمريكا تكمن في خدمة مواطنيها لها، لا في تركها والانخراط في صفوف جيش أجنبي. فالزعم بأن الجيش الأمريكي “قوي لدرجة أنه لا يحتاج إليهم” ليس قضية ضرورة، بل قضية ولاء في غير محله.

الكثير من هؤلاء يُعرفون بـ”الجنود الوحيدون”: شباب أمريكيون بلكنة نيويوركية أو تكساسية، تراهم عند الحواجز، مهمتهم إذلال الفلسطينيين وتشديد الحصار على غزة.

يُبرر البعض فعله بأنه “دفاع عن الشعب اليهودي”، بينما الحقيقة أنهم لا يحمون كنيسًا في نيوجيرسي ولا عائلة في كاليفورنيا، بل ان افعالهم هذه تزيد الكره لليهود لإنهم يمثلون  صورة المستوطنات اليهودية المبنية على أرض فلسطينية مسروقة، ويحمون احتلالًا عنصريًا لصالح كيان سياسي أجنبي، قادته مطلوبون أمام المحكمة الجنائية الدولية.

إن مشاركة هؤلاء الأمريكيين في حرب وصفتها الأمم المتحدة ومنظمات مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش بأنها جرائم حرب—من تجويع الأطفال في غزة، إلى قمع الفلسطينيين في الضفة الغربية—سيجعلهم عرضة للمساءلة يومًا ما، لا كأبطال، بل كمتواطئين في جرائم ضد الإنسانية. ومن المفارقات أن الكونغرس يسعى الآن إلى مساواة مجرمي الحرب، بالجنود الأمريكيين!

الأرقام لا تكذب: الأمريكيون اليهود ينضمون إلى جيش الاحتلال بمعدل يفوق خمس مرات خدمتهم في الجيش الأمريكي. صحيح ان هذا لا ينطبق على كل اليهود، لكنه يطرح سؤالاً جوهريا: لماذا يُبدي كثيرون منهم استعداداً أكبر للتضحية من أجل كيان أجنبي، أكثر من استعدادهم للدفاع عن وطن منحهم كل شيء؟

إذا اختار بعض الأمريكيين اليهود تكريس ولائهم لدولة أجنبية، فهذا خيارهم. لكن مساواتهم بالجنود الأمريكيين تُعدّ إهانة لكل من يرتدي الزي العسكري الأمريكي. والأسوأ أن التغاضي عن العواقب الأخلاقية والقانونية قد يورط الولايات المتحدة في جرائم حرب يرتكبها هؤلاء المواطنون الأمريكيون—جرائم قد تُحاسب عليها واشنطن يومًا ما في لاهاي، كما يجب أن يُحاسب عليها أعضاء الكونغرس أمام ناخبيهم.

الولاء القبلي حين يتخفى وراء شعارات دينية أو قومية، يعمي البصر والبصيرة، ويجعل الانتماء الجماعي يتقدّم على الحقيقة والأخلاق والإنسانية. و هذا العمى القبلي هو ما يدفع بعض الأمريكيين اليهود للانخراط في صفوف جيش الاحتلال والمشاركة في حرب الإبادة على غزة.