Menu

الافتتاحية

في ذكرى فارس الشهداء أبوعلي مصطفى وعندما يتحدث الشهداء - نشر في مجلة الهدف العدد (74) (1547)

تمرُّ ذكرى استشهاد الرفيق القائد أبوعلي مصطفى، فارس الشهداء، وقطاعُ غزةَ بأهله ومقاوميه يواجه حربَ الإبادةِ والتطهير العرقيِّ بكلِّ أشكال الأسلحة والتقنيات الأمريكية والغربية القاتلة والمدمرة، وظلَّ صامداً ثابتاً يقاومُ ويقاتل...

يواصلُ العدوُّ الصهيونيُّ عدوانَه وجرائمَه بالقتلِ والتدميرِ والحصارِ والتجويعِ، بهدف الإبادةِ والتهجيرِ، متوهِّمًا بقدرتِه على فرضِ الاستسلامِ وإخضاعِ الشعبِ والأهلِ هناك.

إن ما تتعرض له الضفةِ الغربيةِ و القدس ِ ليس أقلَّ خطورةً مما يجري في غزةً، فالتّهويدُ والاستيطانُ وقرارُ الضمِّ لأراضي الضفةِ وتدميرُ المخيماتِ والشروعُ بتسجيلِ الأراضي في المنطقة (ج) لصالحِ المستوطنين، ما هو إلا استكمالٌ لمخطَّطِ التهجيرِ والتصفيةِ وقطعِ الطريقِ على فكرةِ إقامةِ دولةٍ فلسطينيةٍ.

من أقوالِ الشهيدِ أبوعلي مصطفى: "عُدْنَا لِنُقَاوِمَ، وعلى الثوابت لا نُسَاوِمَ"، وخيارنا؛ بالوحدةِ والمقاومةِ ننتصرُ".

وبعد فشلِ خيارِ المفاوضاتِ واتفاقياتِ أوسلو البائسةِ، بات الرهانُ على العمليةِ السياسيةِ شيئًا من الوهمِ والخيالِ والتضليلِ، ولم يعدْ أمامَ الشعبِ الفلسطينيِّ إلا خيارُ المقاومةِ بكلِّ أشكالها. وما يجري على الأرضِ الفلسطينيةِ من جرائمَ وإبادةٍ وتهجيرٍ يؤكد أن الصراعَ تناحريٌّ وجوديٌّ، ولا إمكانيةَ للتعايشِ مع الصهيونيةِ الفاشيةِ والعنصريةِ. فالمقاومةُ خيارٌ موضوعيٌّ تقومُ به الشعوبُ لحمايةِ نفسها وتحريرِ أرضها، وهذا حقٌّ كفلتْه كلُّ الشرائعِ والقوانين. وهذا ما يمارسُه شعبُنا في فلسطينَ المحتلةِ، خاصةً في غزةَ والضفةِ. وها هي عملياتُ المقاومةِ بالاستنزافِ وحربِ العصاباتِ تتواصلُ بضرباتٍ وكمائنَ نوعيةٍ تصطادُ دباباتِ وآلياتِ وأفرادَ العدوِّ كلَّ يومٍ، رغم جبروتِه وإجرامِه وما يملكُه من إمكانياتٍ وقدراتٍ عسكريةٍ بريةٍ وبحريةٍ وجوٍّفضائيةٍ وسيبرانية.

وما الكمائنُ التي أعدَّها أبطالُ المقاومةِ في بيت حانون ورفح، وليس آخرُها كمينُ خان يونسَ الذي اشتركتْ به ثلاثُ مجموعاتٍ فدائيةٍ واستمرَّ بمعركةٍ لعدةِ ساعاتٍ وكبَّد العدوَّ خسائرَ كبيرةً بالأفرادِ والآلياتِ، إلا دليلٌ على رباطةِ جأشِ أبطالِ المقاومةِ الثابتينَ الصامدينَ، وقدرتِهم على ممارسةِ كلِّ فنونِ القتالِ بإرادةٍ وعزيمةٍ وتخطيطٍ وتحضيرٍ وتجهيزٍ ودقةٍ عاليةٍ بالتنفيذِ ضدَّ مواقعِ العدوِّ الصهيونيِّ وعلى امتدادِ مساحةِ القطاعِ.

يعترفُ ضباطُ العدوِّ بالقول: "لا نعرفُ من أين يخرجون ولا متى سيضربون، نطلقُ عليهم النارَ دون أن نراهم" "ويطالبون بوقف فوري للحرب التي باتت عبثية".

ويقولُ الحاخامُ مائير هيرش، رئيسُ حركةِ "ناتوري كارتا" المناهضةِ للصهيونيةِ: "إن ما يجري في غزةَ ما هو إلا جريمةٌ مروعةٌ ضدَّ الإنسانيةِ، وهذا الجيشُ الصهيونيُّ يرتكبُ الجرائمَ في غزةَ والضفةِ، وهو الأكثرُ تعطشًا للدماءِ".

رغم ما يدَّعيه الكيانُ الصهيونيُّ وفرقُه العسكريةُ وعصاباتُ المستوطنينَ من إنجازاتٍ على الأرضِ والميدانِ في فلسطينَ أو لبنانَ أو اليمنَ أو سورياَ أو إيرانَ، إلا أنه يواجهُ أزماتٍ داخليةٍ عميقةٍ، بنيويةٍ وسياسيةٍ واقتصاديةٍ، وعلى كلِّ المستوياتِ، تشيرُ إلى بداياتٍ جديّةٍ لتآكلِ وتفككِ الكيانِ من الداخل.

إن عمليةَ الثباتِ والصمودِ للشعبِ الفلسطينيِّ، وللمقاومةِ في فلسطينَ والمنطقةِ، تستنزفُ العدوَّ وتُربكُه وتُعمقُ الخطرَ الوجوديَّ الذي يهددُه، وتُفاقمُ أزماتِه البنيويةِ والقومية" والاجتماعيةِ، مما يزيدُ من تسارعِ الانقساماتِ الحادةِ على خلفيةٍ دينيةٍ أو قوميةٍ (إعلاء الهوية الفرعية على حساب الهوية الموحدة)، وربما يكون ذلك دافعاً إلى المغادرة أو الهروب الجماعي للمستوطنين والمستجلبين.

ما يفتقده الفلسطينيونَ اليومَ في مواجهةِ حربِ الإبادةِ وأخطارِ السيطرةِ على الأرضِ الفلسطينيةِ بأكملها وفرضِ السيادةِ عليها ومشاريعِ التهجيرِ القسريِّ أو الطوعيِّ أو الاقتلاعِ، هو القرارُ الواحدُ الموحدُ، المتمثلُ بالوحدةِ والمقاومةِ، تحت مظلةِ منظمةِ التحريرِ الفلسطينيةِ، الممثلِ الشرعيِّ والوحيدِ، وهي الإطارُ الجامعُ الذي يضمُّ الجميعَ بدون استثناءٍ، ما دامت رايتُه فلسطينَ وأهدافُ الشعبِ الفلسطينيِّ بالتحريرِ والعودةِ.

هذا هو النهجُ الوطنيُّ والثوريُّ الذي خطَّه الحكيمُ، وتمسك به فارسُ الشهداءِ أبو علي مصطفى ، وهو ذاتُ النهجِ الذي تتبناه الجبهةُ بقيادةِ الرفيقِ أحمد سعدات ورفاقِه في هيئاتِ الجبهةِ على كافةِ المستوياتِ وفي جميعِ الساحاتِ، فالوحدةِ الوطنيةِ ضرورةٌ ملحةٌ، وتتعاظمُ أهميتُها كلما اشتدتِ الأخطارُ، فهي شرطُ الصمودِ والانتصارِ. وهذا ما يلتقي عليه ويؤكدُه الأحرارُ من شعبِنا، بغضِّ النظرِ عن انتماءاتِهم ومواقفِهم وأيديولوجياتِهم. وهذا ما نقرأُه أيضاً في مدوّناتِ الكثيرِ الكثيرِ من كوادرِ وقياداتِ حركةِ فتحٍ، والتي تطالبُ القيادةَ الرسميةَ والهيئاتِ القياديةَ لمنظمةِ التحريرِ باتخاذِ خطواتٍ صادقةٍ وعمليةٍ باتجاهِ الوحدةِ الوطنيةِ الفلسطينيةِ، ولمِّ الشملِ الفلسطينيِّ والشراكةِ الحقيقيةِ، وإعادةِ الاعتبارِ لمكانةِ ودورِ المنظمةِ كقائدةٍ للمشروعِ الوطنيِّ الفلسطينيّ، فالوقتِ من دمُ وطاقاتُ شعبِنا لا تنضبُ، وشرطَ انتصارِها هو الوحدةُ والمقاومةُ فقط لا غير.