Menu

حملات التضامن العالمية مع غزة..أين العرب؟!

رضي الموسوي

نشر في مجلة الهدف العدد (74) (1548)

في الوقت الذي تعج فيه شوارع دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية بالمظاهرات والمسيرات والاعتصامات والفعاليات المناصرة لنضال الشعب الفلسطيني ضد الإبادة الجماعية في غزة ويدفع شبابها أثمانا باهظة لمواقفهم المبدئية والإنسانية والأخلاقية كالتوقيف والطرد من الجامعات ومواجهة مصير مجهول في الحصول على فرص العمل، في هذا الوقت تعاني الشوارع العربية من قلة المناصرين والمتضامنين مع فلسطين إلا ما ندر، في مشهدية صادمة وغير مفهومة وغير مقنعة لهذه المقاربة التي تعبر عن مأزق حاد وانفصام في شخصية الرأي العام العربي في مواجهة واحدة من أكثر الحروب الوجودية والإبادات الجماعية والتجويع التي يشهدها التاريخ الحديث، ما يضع علامات استفهام كبرى إزاء هذه المعطيات المفجعة التي قادت إلى هذا السكون القاتل واللامبالاة التي اتسم بها الشارع العربي والسبل الكفيلة لدراسة هذه الظاهرة والبحث عن مخارج جدية لمعالجتها بما يعيد الوهج للقضية المركزية للأمة ويبعث الروح من جديد في مفاصل الشارع العربي.

 

مفاجآت الحراك الشعبي الغربي

لم تكن أكثر التحليلات تفاؤلا تتوقع أن الجامعات الأمريكية والأوروبية يمكن لها أن تنتفض وتسجل مواقف سياسية متقدمة ضد الإبادة الجماعية في غزة وعموم فلسطين وأن ترفع شعارات من طراز "فلسطين حرة" و"من النهر إلى البحر فلسطين ستبقى حرة" وغيرها من الهتافات التي لا تزال تصدح تأييدا وتضامنا مع الشعب الفلسطيني وضد طرده من أرضه. لقد تفاجا اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة بتآكل وتداعي السردية التي أصّل لها وأسّس وبنى عليها قناعات راسخة لدى الجمهور الغربي حول كذبة "أرض الميعاد" و"أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" وسيف "معاداة السامية" المُسلط على رقاب كل من يعارض جرائم الكيان الصهيوني، حيث اطمأن المدافعون عن الدولة العنصرية أن هذه القناعة راسخة ولن تتغير. لكن، وبعد أن تفجر طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر وما تبع ذلك من كشف المزيد من الحقائق عن طبيعة الكيان الفاشية، انتفض الشباب الأمريكي وأعاد إحياء صخب المظاهرات والاحتجاجات التي شهدتها المدن الأمريكية أبان حرب فيتنام في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي. بدأت التظاهرات والاعتصامات من جامعة كولومبيا بنهاتن في نيويورك منتصف أبريل/نيسان 2024 وانتشرت كالنار في الهشيم لتشمل عشرات الجامعات بما فيها اهم الجامعات مثل هارفارد، وأخرى في العاصمة واشنطن دي سي وفي مختلف الولايات، منها كولومبيا، إيموري، وجنوب كاليفورنيا وجورج واشنطن وجورج تاون.

هز هذا الحدث الكبير أمريكا وأثار الرعب في أوساط اللوبي الصهيوني في كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، خصوصا وأن شباب الجامعات هم من أشعل الفتيل وانضم إليهم أعضاء في هيئات التدريس، ما قاد رجالات الدولة العبرية في الكونغرس الأمريكي إلى عقد جلسات تحقيق مع رؤساء الجامعات ومسؤولين فيها تشبه محاكم التفتيش وطالب بعضهم بإدخال الشرطة للقبض على المعتصمين المتضامنين مع فلسطين في حرم الجامعات، وقد فعل البوليس والأمن الأمريكي ذلك في بعضها وتم اعتقال مئات الطلبة وهيئات التدريس كما هاجمت قوات الأمن المخيمات التي نُصبت في حرم الجامعات وتم تفكيكها، بيد أنه لم يعد بالإمكان السيطرة على الغضب الشبابي، فذهب رئيس مجلس النواب الأمريكي بعيدا ووصف المظاهرات بأنها "تبعث على الكراهية ومعاداة السامية".

ولأن الأمر جلل والمجازر لم تتوقف، بل زادت، فقد رد أعضاء في هيئات التدريس ومنظمات متضامنة مع فلسطين على رئيس مجلس النواب ردا قاسيا زاد من حماوة الوضع وازدادت أعداد المتضامنين ونوعياتهم ودخلت فئات جديدة في حملات الدعم والتضامن من بينها حركة "ليس باسمنا" اليهودية التي رفعت الصوت عاليا وطالبت بوقف الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في غزة. لم يتأخر الفاشي رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو عن الدخول على الخط والتحريض، فأطلق تصريحاته وكأنه مسؤول أمريكي واصفا المتظاهرين الأمريكيين بأنهم "معادون للسامية". ولإثارة الهلع في صفوف الشباب واستعادة زمام الأمور، شّبه نتنياهو ما يقومون به من تضامن مع فلسطين بأنه يشبه ما كان يفعله النازيون إبان الحرب العالمية الثانية ضد اليهود، في محاولة لاستعطاف النخب والشارع الغربي، إلا أن شعار "معاداة الصهيونية" الذي طالما فعل فعلته في الرأي العام الأمريكي خصوصا والغربي عموما، لم يعد براقا، ولم يفعل فعلته هذه المرة بعد أن تكشفت الحقيقة فاندلعت المظاهرات في مدن جديدة ومنها الحشود التي تظاهرت في مدينة ديربورن الأمريكية. وخطت الشخصيات السياسية والأدبية والدينية والفنية المؤثرة في الرأي العام خطوات إلى الأمام ومنهم الممثلة الامريكية سوزان ساراندون، التي انضمت لقافلة الصمود المتوجهة من أسبانيا إلى غزة لكسر الحصار من ضمن 50 سفينة يشارك فيها 6000 متضامن من 44 دولة.

لم تثمر تهديدات قادة الكيان ومؤيديه في الغرب وبعض الإعلام العربي، من لجم حملات التضامن التي امتدت للمدن الأوروبية، التي نظمت نحو 40 ألف مظاهرة وفعالية منذ السابع من أكتوبر، وشهدت عواصمها مظاهرات مليونية، شملت لندن باريس ومدريد وبرشلونة وروما وحتى برلين المتوجسة، ووصلت إلى أستراليا التي كانت مظاهراتها مفاجئة للكثيرين في الغرب والشرق حيث شهدت الأيام الأخيرة حشودا ضخمة غطت الجسور والشوارع في العديد من المدن. وتشير استطلاعات الرأي أن 75 بالمئة من الالمان يؤيدون الضغط على الكيان لوقف عدوانه، ما أجبر الحكومة على اتخاذ قرار بتجميد تصدير الأسلحة، بفضل المظاهرات والضغوط القضائية. المفاجأة الأكبر هي ما شهدته تل أبيب نفسها عندما احتشد نحو 300 ألف متظاهر يطالبون بإسقاط نتنياهو وبوقف الحرب والذهاب إلى صفقة تبادل للأسرى. كما اقتحم متضامنون مع فلسطين من داخل الكيان القناة 13 الصهيونية وهتفوا "إسرائيل تجوع غزة"، ما اضطر القناة إلى وقف البث المباشر. وأضاف التقرير الأخير لمركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الانسان في الأراضي المحتلة (بتسيلم) القول بأنه "يستدعي إدراك حقيقة أن النظام الإسرائيلي يرتكب إبادة جماعيّة في قطاع غزة والخوف الشديد من امتدادها إلى مناطق أخرى يعيش فيها فلسطينيون تحت النظام الإسرائيلي، تحركًا عاجلاً وواضحًا من جانب الجمهور الإسرائيلي والمجتمع الدولي واستخدام كل الوسائل الممكنة بموجب القانون الدولي لوقف الإبادة الجماعيّة الإسرائيلية بحق الفلسطينيين".

من جانبها شهدت البرلمانات الأوروبية، جولات حامية الوطيس، مثلما فعل النائب ريتشارد باريت عضو البرلمان الإيرلندي الذي تحدث بالتفصيل عن الإبادة الجماعية التي يتعرض لها شعب فلسطين، في توجه لزيادة الضغط على الحكومة لفرض المزيد من العقوبات على الكيان ومستوطناته. أما البرلماني الإيطالي أنجيليو بوليني فقد وبّخ وقرّع رئيسة الوزراء الإيطالية لمواقفها الداعمة للكيان واستنكر عليها عدم صدور أي إدانة منها لجرائم الاحتلال في غزة.

في هذا الوقت، وبالتزامن، حضر الفن والرياضة، فشهدت إسبانيا مسيرة فنية عزفت لفلسطين في الشوارع وهي تهتف "فلسطين حرة" وضد الإبادة الجماعية في غزة. كما هتف المغني سام فندر "فلسطين حرة"، وردد الجمهور الذي كان يحضر حفله الفني نفس الهتاف وبحماس منقطع النظير. وفي ألمانيا أطلقت الفنانة مارينا فيجنر أغنية بعنوان "فلسطين في قلبي". وفي ساحات ملاعب كرة القدم، هتف المدرب الشهير غوارديولا: "هذا العالم بلا عدالة". وكذلك فعلت لاعبة كرة القدم الأوروبية التي هتفت "فري بالاستاين" أمام الجمهور. أما الصحافي البريطاني بيرس مورغان الذي كان ينتقد المقاومة الفلسطينية بعنف، وقد تبينت له الحقيقة فوجه انتقادات لاذعة للسفيرة الصهيونية في بريطانيا عندما سألها: كم عدد الأطفال الذين قتلتهم إسرائيل في غزة؟ لكن السفيرة تهربت من الإجابة على السؤال. كما وجه بيرس انتقادات لنتنياهو بسبب رفضه دخول الصحافيين والإعلاميين الأجانب إلى غزة للتأكد مما يجري والتحقق من ادعاءات الكيان.

 

أين العرب؟

يصر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على السطو واحتلال قطاع غزة وأخذها، ويدّعي أن القطاع "لا حياة فيه وأنه سينقل سكانه الفلسطينيين الى مكان آمن" بعد أن دمرت الحرب كل شيء، وكأنه ليس شريكا فاعلا في جريمة الإبادة الجماعية. وحين سأله الصحفيون بأي سلطة تأخذ غزة؟ أجاب: بسلطة الولايات المتحدة الأمريكية..هكذا!!

تصريح ترامب لم يثر ذعر النظام الرسمي العربي الذي يعاني من التآكل المتسارع والانكشاف الفاضح، كما أنه لم ينعكس فعليا على الشارع العربي المنهك بأزمات لا حدّ لها، بدءا من لقمة العيش حتى الحياة الحرة الكريمة، حيث تعشعش البطالة في كل الدول العربية وتزداد نسبها بين الشباب، وتزيد موجات الهجرات الجماعية من الدول العربية بعد أن تحولت إلى دول طاردة لمواطنيها، كتبعات لتغييب دولة المواطنة المتساوية وتحول أغلبها إلى مزارع خاصة للسلطة وحاشيتها والفئات القليلة المنتفعة من وجود أنظمة فاشلة في كل شيء إلا القمع ومصادرة الحريات.

لكن، والأمر كذلك، فإن هذا لا يعفي المواطن العربي من القيام بدوره تجاه قضاياه المصيرية كالقضية الفلسطينية والعدوان على قطاع غزة والضفة الغربية تكثف في السنتين الأخيرتين بعد السابع من أكتوبر 2023. ففي العديد من الدول الغربية تحولت الإبادة الجماعية التي تتعرض لها غزة إلى قضية داخلية تناقشها البرلمانات وتضغط فيها الشوارع على حكوماتها لاتخاذ إجراءات عملية لمعاقبة الكيان من طراز منع تصدير السلاح لجيشه ومنع الفاشيين من دخول الدول الأوروبية ومقاطعة سلع المستوطنات وغيرها من الإجراءات "الناعمة" ضد التطهير العرقي في فلسطين. لكن الدول العربية لم تتخذ إجراءات من هذا القبيل، وهذا أضعف الإيمان، بل على العكس من ذلك، فقد أُحكم الحصار على قطاع غزة حتى بلغ مرحلة التجويع حتى الموت ولم تتمكن دولة عربية واحدة من إدخال قنينة ماء واحدة، بينما يسرح السفراء الصهاينة في العواصم المطبعة معه ويعيثون فسادا فيها وتآمرا على شعوبها دون أن يحاسبهم أحد!!

إن الشارع العربي مثقل بالأزمات المستفحلة، ورأيه تم مصادرته وظل منكفئا على نفسه خوفا من بطش الدولة الأمنية به، ولا يزال الخوف هو سيد الموقف بعد أن فعلت السياسات فعلتها في نفسية المواطن العربي وحولته إلى مخلوق همّه سد رمقه. يمكنه البكاء بين جدران بيته على أطفال غزة الذين جوعتهم الفاشية الصهيونية والتخاذل الرسمي العربي وتواطؤه، لكنه لا يخرج على الناس شاهرا غضبه مطالبا بالعدالة لفلسطين ووقف الإبادة إلا ما ندر.

هذا الوضع المقلوب، حيث يمارس المواطن في الغرب إنسانيته ويعبر عن رأيه الرافض للتجويع والتطهير العرقي، مقابل صمت وخذلان من المواطن العربي ونخبه التي أصابها المسّ وعطل قدرتها على الحركة والفعل بما فيها مؤسسات المجتمع المدني التي تشمل النقابات العمالية والنسائية والشبابية والثقافية والأدبية والفنية، والتي تتصرف وكأن هذه الإبادة والحرب الوجودية بعيدة عنها بسنوات ضوئية، في الوقت الذي يردد فيه قادة الكيان الصهيوني إصرارهم على تشييد "إسرائيل الكبرى" التي تمتد من الفرات إلى النيل. وحتى البرلمانات التي يفترض فيها تمثيل الشعب تحولت مهمتها إلى تلميع النظام وتقديسه والتصفيق له بحرارة الأموال التي تدخل في حسابات أعضائها، في الوقت الذي يصدح فيه أعضاء في البرلمانات الأوروبية بأعلى أصواتهم رفضا للجرائم التي ترتكب بحق شعب فلسطين.

هذا الواقع المرير الذي تعيشه الشعوب العربية يثير تساؤلا جوهريا: هل هُزم المواطن العربي من الداخل وانكسرت إرادته؟ أم أن عقودا من القمع والاستبداد حولته إلى كائن لا حول له ولا قوة، انعكست على نخبه وبالتالي لا يعول عليها في إحداث عملية التغيير المطلوبة؟!

لقد تخلى العرب حتى عن الظاهرة الصوتية التي وُصِموا بها منذ زمن..ولعل تلك الفنانة الأوروبية تُذكّرّهم بأنه "حين تسقط المدن، تبقى الإرادة صامدة".