بات واضحاً أن جرائم الإبادة الجماعية قصفاً وتجويعاً وقنصاً، وإعداماً بدمٍ بارد، والتي يرتكبها جيش الاحتلال الفاشي وقيادته المجرمة بحق أبناء الشعب الفلسطيني ، قد أيقظت وجدان الرأي العام العالمي ؛ فاجتاحت العالم تحولات سياسية كبرى في المزاج الشعبي العام ، والمواقف السياسية الرسمية. هذه التحولات التي بدأت بالمظاهرات الجماهيرية واعتصامات طلبة الجامعات والأكاديميات ، ثم اتسعت لتشمل مواقف الأحزاب وأعضاء البرلمانات المنددة بجرائم الاحتلال ، التي لم تشهد البشرية مثيلاً لها لا قبل الحرب العالمية ولا بعدها ، وفاقت بقسوتها وشدتها جرائم النازية والفاشية وجرائم المغول والتتار والقبائل الأوروبية المتناحرة في العصور الوسطى.
وقد اتخذت هذه التحولات أشكالاً عديدةً عند بعض الدول، وصل بعضها إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية وطرد السفراء ، والمطالبة بتقديم مجرمي الحرب إلى محكمة العدل الدولية ،وتنصيب أنفسهم مدعياً عليهم مثل دولة جنوب أفريقيا وكولومبيا والبرازيل ، ولم تنته هذه التحولات عند هذا الحد فقد تفاقمت إلى أن وصلت إلى أعضاء الحكومة ، والتي كان آخرها استقالة نحو تسعة وزراء من الحكومة الهولندية على رأسهم وزير خارجيتها، احتجاجاً على موقف رئيس الحكومة الرافض لفرض عقوبات على دولة الكيان ، في الوقت الذي لم يجرؤ أي مسؤول عربي صغير- وليس وزير - على اتخاذ موقف مشابه لهذا ولو بالحد الأدنى. كل هذا يؤشر إلى اتساع الحملة العالمية ضد دولة الكيان، والتي باتت بعزلة دولية تامة. وتأتي هذه الاستجابة نتيجة لما وصل عبر المنصات الإعلامية وشاشات التلفزة ، من صور أشلاء الأطفال في خيام النازحين المحترقة ، وصور الجثث التي تلتهمها النيران بفعل قصف الطائرات والدبابات الإسرائيلية، وكذلك صور البطون المنتفخة والهياكل العظمية للأطفال المجوّعين ، نتيجة لمنع إدخال المساعدات والحصار المستمر منذ عقدين من الزمن، وصور ٣٠٠ ممن استشهدوا تجويعاً، بينهم ١١٧ طفلا بسبب سوء التغذية ، وأيضاً مشاهد الدمار الشامل للبلدات الفلسطينية ، بما فيها المشافي ومراكز الإيواء الأممية ومصادر الحياة من مياه وكهرباء وغذاء ووقود ، واغتيال الطواقم الطبية والإغاثية والصحفية، والتي كان آخرها مجزرة مجمّع ناصر الطبي ، والتي كان بين ضحاياها ستة من الصحفيين سقطوا اغتيالاً بهدف إسكات صوت الحقيقة ، ليصل عدد الصحفيين الشهداء إلى 246 صحفيا منذ بداية الحرب العدوانية.
ولقد شكلت هذه الاحتجاجات ، التي شارك فيها مئات الآلاف من الأكاديميين والطلبة والفنانين والمثقفين والمؤثرين ورجال السياسة في دول العالم ، عاملاً ضاغطاً على حكوماتهم لاتخاذ إجراءاتٍ من شأنها أن تفضي إلى وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب ؛ ما دفع بعض الدول ، وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا وأستراليا ، وغيرها من الدول التلويح للاعتراف بالدولة الفلسطينية، في خطوة منها لكسر تعنّت نتنياهو ، وفرض وقف إطلاق النار ، وإنهاء حربه المجرمة ، والبدء بتنفيذ مبادرة حل الدولتين. غير أن هذه الدول قد نسيت أو تناست الأيديولوجية الاستعمارية التوسعية الصهيونية النتنياهوية الرافضة لأي مبادرة سلام ، والرافضة أصلاً لأي وجود فلسطيني ، وتعامت أيضا عن الأيديولوجية الاستثمارية الترامبية الداعمة له ولمخططاته ؛ سيما ما أفصح عنه نتنياهو مؤخراً حول مخططه التوسعي "إسرائيل الكبرى" ، إذ لم يأتِ هذا مصادفةً ولا زلّة لسان ، بل تأكيد لهذه الأيديولوجيا الاستعمارية التوسعية ، وبأنه - أي نتنياهو اللاهوتي - بمهمةٍ روحانية وتاريخية بمقتضى السردية التوراتية وأن عليه تحقيقها.
إن هذا المخطط لن ينتهي عند حدود غزة أو الضفة الغربية ، والسيطرة على حقل غاز غزة ، وشق قناة بن غوريون بديلاً لقناة السويس فقط ، بل سيتجاوزها ليصل إلى وسط المملكة السعودية ، مروراً بالعراق وسوريا ولبنان والأردن ومصر، ووصولاً إلى الكويت .
هذه الأيديولوجيا - التي تماهت تماماً مع فكر ترامب الاستثماري - وجدت في المنطقة كلها مرتعاً لاستثماراته ومصالحه ومدخلاً للتحكم بطرق التجارة العالمية ، وتهديداً للشرق الآسيوي وبالأخص الصين ، والهيمنة الاستعمارية على بلدان وشعوب المنطقة ؛ مستفيداً من الذراع الإسرائيلية الضاربة في الإقليم ، وما محاولة إثارة القلاقل والتوترات والصراعات العرقية والطائفية والمذهبية في المنطقة ، بدعوى حماية الأقليات ، إلا سبيل لفرض وصاية الولايات المتحدة ، كانتداب جديد على أنظمة هذه الدول وشعوبها ، وتهديدها بمزيد من الانقسام والتجزئة ؛ ما يهدد وجود الدول الوطنية ، التي شكلتها اتفاقية سايكس بيكو منذ نحو مئة عام.
وفي سياق آخر، تأتي مطالبة إدارة ترامب وحكومة نتنياهو لسحب السلاح من المقاومة، ومن كل ما يمثل في المنطقة تهديداً أمنياً لمشاريعهما ومخططاتهما الإستراتيجية إلا خطوة أولى في هذا الاتجاه. ولم يعد خافيا على أحد إن مصادقة الحكومة الإسرائيلية، وبدعم من إدارة ترامب على احتلال غزة والبدء بعملياتها العسكرية ، تحت مسمى "مركبات جدعون 2" ، إلا محاولة للإجهاز على المقاومة والبدء بمخطط تهجير أهل غزة ؛ لرصف الطريق أمام مخطط "إسرائيل الكبرى". وأن لعبة المفاوضات ليست إلا ذرا للرماد في العيون ، ومحاولة لطمأنة خادعة للمجتمع الإسرائيلي الداخلي ، وللرأي العام العالمي، وتجميلا لوجه نتنياهو وترامب أمام شعوب العالم. وهو أيضا، محاولة يائسة لفك العزلة الدولية التي مني بها الكيان. إذ لم تعد موافقة حماس على المقترح الأخير للصفقة كافياً ، بل هناك شروط إسرائيلية تدعو إلى نزع سلاحها بالكامل ، ومغادرة أهالي غزة إلى ما يُسمى "المدينة الإنسانية" كخطوة نحو التهجير القسري ، وفرض ما أسماه نتنياهو "السيطرة" على غزة بدلاً من " احتلال غزة" استرضاء للدول الأوروبية التي أدانت هذه الخطوة. وما منع إدخال المساعدات وعدم تفعيل البروتوكول الإنساني إلا إمعان في مزيد من حصار الإبادة الممنهجة وهندسة التجويع.
أمام هذا الواقع المأساوي اللاإنساني والكارثي ، والذي تسبب حتى لحظة كتابة هذه السطور في استشهاد نحو 63 ألف شهيد و 158 ألف جريح ، وتدمير أكثر من 75% من القطاع ، وأمام هذه المخططات والأيديولوجيات الاستعمارية ؛ هل لا زال هناك متسع لأي مبادرة سلام أو قانون إنساني؟ وهل الاعتراف بالدولة الفلسطينية - على أهميتة - كافٍ لوقف الحرب وإنهاء مأساة البشرية في غزة؟ وهل الاحتجاجات والتظاهرات والإدانات والاستنكارات - برغم أهميتها أيضا - ستردع الاحتلال ، وتوقف المجازر بحق الآمنين الأطفال والنساء ،وتوصل لقم العيش إلى المجوّعين، وتمحو تلك الصور الشائنة بحق المجتمع الدولي والإنساني؟ وهل إعلان "المجاعة في غزة" على لسان الأمين العام للأمم المتحدة سيفضي إلى سد رمق المجوّعين وينقذ الأجنّة والخدّج والأطفال من سوء التغذية، ونقص كل إمدادات الحياة لهم؟
إن دول العالم ، وعلى رأسها أكثر من 57 دولة عربية وإسلامية ، مطالبة اليوم باتخاذ إجراءات فعّالة تجبر الكيان وإدارة ترامب على الوقف الفوري لإطلاق النار وإنهاء الحرب. ومن هذه الإجراءات، وقف تصدير السلاح والعتاد لجيش الاحتلال، وفرض عقوبات اقتصادية وتجارية مؤثرة ، وتفعيل قرارات الشرعية الدولية وتقديم المجرمين إلى العدالة ، والتلويح بسلاح النفط والغاز للإدارة الأميركية ، وفك شراكة الاتحاد الأوروبي التجارية مع الكيان وإيقاف الاستثمارات معه ، وقطع العلاقات الدبلوماسية ، وطرد سفراء الكيان ، ومحاصرة سفارات الولايات المتحدة تنديداً بشراكتها للكيان الصهيوني ، والتلويح بتهديد المصالح الأمريكية ، وعلى الدول المطبّعة أيضا وقف التطبيع مع الكيان ، وإغلاق مكاتب التنسيق معه ، وتصعيد التحركات الجماهيرية وإفساح المجال أمام الشعوب لتأخذ دورها خاصة في الشركات والنقابات والهيئات الحقوقية والجامعات والأكاديميات، وقطع الشراكات العلمية والأكاديمية مع الجامعات الإسرائيلية ، ووقف كافة الأبحاث المشتركة التي يستفيد منها الاقتصاد الإسرائيلي ومصانع السلاح والعتاد.
أما فلسطينياً ، المطلوب المزيد من الصمود والمقاومة ، برغم الجراح والمعاناة الكبيرة والتي لا ترقى إلى مستوى كل الكلمات والمشاعر، والمطلوب من السلطة الفلسطينية وقف العمل باتفاقات أوسلو الساقطة ، والتي مزقها الاحتلال وتجاوزها ، والعمل على رص الصفوف وتجاوز الخلافات ، وإسكات كل المشككين والمهرولين نحو سلامٍ زائفٍ لا يمكن تحقيقه مع الصهيونية الدينية المتمثلة "بنبي إسرائيل الجديد" نتنياهو ، والعمل بروح "اتفاق بكين" الذي اتفقت عليه كافة فصائل العمل الوطني، والذي ينهي الانقسام ويعيد الّلحمة والوحدة الوطنية ، ورد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية على أرضية الميثاق الوطني الفلسطيني.
إن نزف دم غزة لن توقفه بيانات الاستنكار والشجب والإدانة، بل توقفه إجراءات رادعة وعقوبات مجدية ترقى إلى حجم الجرائم الصهيونية المتواصلة منذ قرابة عامين والتي باتت تشكل وصمة عارٍ على جبين البشرية والتاريخ الإنساني.

