في مساءٍ عربيٍ عادي، تبث إحدى القنوات الفضائية العربية تقريراً عن "التعاون الإقليمي"، تُعرض فيه صور لمصافحات رسمية، وتُذكر إسرائيل بوصفها "شريكاً اقتصادياً واعداً"، بينما تغيب فلسطين تماماً عن المشهد. لا ذكر لغزة، لا تلميح للضفة، لا حضور للقدس. وكأن فلسطين لم تكن يومًا قلباً نابضاً في الوعي العربي، وكأنها لم تكن القضية التي شكّلت وجدان أجيال، وألهمت الشعراء، وأشعلت الميادين.
هذا الغياب ليس مجرد صدفة تحريرية، بل هو تحول سردي ممنهج، تُعاد فيه صياغة فلسطين لا بوصفها قضية مركزية، بل كـ"ملف حساس"، يُستحسن تأجيله أو تجاهله. تتحول من رمز للضمير العربي إلى عبء سياسي، ومن مرآة للعدالة إلى عقبة أمام "الاستقرار الإقليمي". في هذا التحول، لا يُعاد فقط ترتيب الأولويات، بل يُعاد تشكيل الوعي ذاته، وتُعاد هندسة اللغة التي تصوغ علاقتنا بالقضية.
في هذا المقال، نحاول أن نفكك هذا التحوّل، ونرصد كيف يُعاد تشكيل فلسطين في الإعلام العربي، بين التغطية والتوجيه، بين السلطة والناس، وبين الشاشات والمنصات. لأن ما يُقال عن فلسطين في الإعلام، لا يُعبّر فقط عن موقف سياسي، بل يُشكّل وجدانًا، ويُعيد بناء ذاكرة، ويُحدّد ملامح المستقبل.
الخطاب الإعلامي، في زمن التطبيع، لا يكتفي بإعادة سرد الواقع، بل يُعيد إنتاجه وفقاً لمزاج السوق، وضرورات السلطة، وإيقاع المصالح العابرة. في سياق إعادة تشكيل الخطاب الإعلامي، تتحول الكلمات إلى أدوات تفكيك رمزي، تُفرغ القضية من شحنتها الأخلاقية، وتُعيد ترتيب المعاني بما يخدم سردية التطبيع. فـ"السلام" لم يعد يعني إنهاء الاحتلال، بل أصبح مرادفاً لـ"التطبيع"، أي إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل دون اشتراط العدالة أو الاعتراف بالحقوق الفلسطينية. كذلك، يُستبدل مصطلح "الاحتلال" بكلمات مثل "النزاع" أو "الوضع القائم"، مما ينزع عنه صفته القانونية ويجعله يبدو وكأنه خلاف بين طرفين متكافئين. أما "المقاومة"، فتُعاد تسميتها بـ"الجماعات المسلحة" أو "العناصر المتطرفة"، في محاولة لتجريم الفعل المقاوم وتحويله إلى تهديد أمني. ومصطلح "العدوان" يُخفف إلى "عملية عسكرية" أو "رد أمني"، بينما يُطلق على الشهيد الفلسطيني وصف "القتيل" أو "الضحية"، مما يُفرغ الحدث من رمزيته الوطنية والدينية. حتى "النكبة"، التي كانت تُروى بوصفها مأساة جماعية، تُختزل اليوم في تعبيرات مثل "أحداث 1948" أو "الهجرة الجماعية"، وكأنها مجرد فصل تاريخي عابر. والاستيطان يُعاد تقديمه بوصفه "توسعاً عمرانياً" أو "مشروعاً تطويرياً"، و القدس المحتلة تُسمى "القدس الشرقية" أو "القدس الموحدة"، في تغييب متعمد للوضع القانوني والسياسي. اللاجئ الفلسطيني يُشار إليه أحياناً بـ"النازح" أو "المهاجر"، مما يُضعف حقه في العودة ويُعيد تعريفه كمشكلة إنسانية لا سياسية. حتى الانتفاضة، التي كانت تُعد تعبيراً شعبياً عن الرفض، تُختزل في توصيفات مثل "أعمال شغب" أو "توتر ميداني"، مما يُشوّه الحراك الجماهيري ويُفرغه من شرعيته. وتُصبح فلسطين، في بعض التغطيات، مجرد خلفية رمادية، تُذكر على استحياء، أو تُستبدل بروايات أخرى أكثر انسجاماً مع المزاج السياسي الجديد.
هذا المشهد الإعلامي ليس معزولاً، بل هو جزء من عملية أوسع تُعيد تشكيل الذاكرة الجماعية، وتُعيد تعريف ما يُروى وما يُنسى، وما يُعتبر قضية وما يُصنّف كإرث تاريخي. إنه انتقال من فلسطين كقضية وجودية إلى فلسطين كملف تفاوضي، ومن سردية المقاومة إلى سردية التكيّف، ومن الحضور العاطفي إلى الحياد البارد.
من القضية إلى الملف
في زمن تتسارع فيه خطوات التطبيع بين بعض الأنظمة العربية وإسرائيل، لم يعد الخطاب الإعلامي العربي حول فلسطين كما كان. لقد دخل مرحلة جديدة من التشكيل، حيث تتداخل السياسة مع السرد، وتُعاد صياغة المفاهيم، وتُهمّش الرموز التي لطالما كانت مركزية في الوعي الجمعي العربي.
فمنذ أن وُلدت القضية الفلسطينية في وجدان العرب، لم تكن مجرد ملف سياسي يُناقش في القمم، بل كانت مرآة للكرامة، ومقياساً للضمير، ومركزاً للهوية الجماعية. في المدارس، كانت تُعلّق صور القدس، وفي الأغاني، كانت تُردّد أسماء الشهداء، وفي الإعلام، كانت فلسطين تُعرض بوصفها الجرح الذي لا يندمل، والحق الذي لا يُنسى.
لكن شيئاً ما تغيّر. في السنوات الأخيرة، ومع توقيع اتفاقيات التطبيع بين عدد من الدول العربية والاحتلال الإسرائيلي، بدأ الخطاب الإعلامي الرسمي يُعيد تشكيل صورة فلسطين، لا بوصفها قضية مركزية، بل كملف إقليمي، يُعالج ضمن سياق "السلام"، أو يُهمّش ضمن أولويات "التنمية"، أو يُختزل في تقارير تقنية لا تُلامس الوجدان.
هذا التحوّل الإعلامي لا يُعبّر فقط عن تغيّر في السياسات، بل يُعبّر عن إعادة هندسة للوعي الجماعي، حيث تُعاد صياغة المفاهيم، وتُعاد ترتيب الأولويات، ويُعاد إنتاج الذاكرة وفقاً لمصالح السلطة، لا لنبض الناس.
من مركزية القضية إلى "إرث الماضي"
في العقود السابقة، كانت فلسطين تُقدَّم في الإعلام العربي بوصفها "القضية المركزية"، رمزاً للعدالة المفقودة، وللصراع بين الحق والاحتلال. لكن مع موجة التطبيع، بدأ بعض الإعلام الرسمي وشبه الرسمي يعيد تموضع فلسطين في الخطاب، لا بوصفها قضية حية، بل كـ"إرث تاريخي" أو "ملف معقد" يُستحسن تركه للمفاوضات الباردة.
التحول ليس مجرد تغيير في اللغة، بل في المنظور الأخلاقي والسياسي الذي يستخدم مفردات تفرغ الخطاب من شحنته الأخلاقية ويجعله أقرب إلى الحياد البارد.
في زمن التحولات السياسية المتسارعة، لم تعد فلسطين تُذكر في الإعلام العربي كما كانت تُذكر من قبل. لم تعد القضية تُقدَّم بوصفها مركزاً للوجدان القومي، بل باتت تُعاد صياغتها وفقاً لمعادلات جديدة، حيث تتداخل المصالح، وتُعاد تعريف المفاهيم، ويُعاد تشكيل الوعي الجماعي عبر خطاب إعلامي يُراوغ أكثر مما يُعبّر.
منذ توقيع اتفاقيات التطبيع بين عدد من الدول العربية والاحتلال الإسرائيلي، بدأ الإعلام العربي الرسمي يُعيد رسم صورة فلسطين، لا بوصفها قضية مركزية، بل كملف يُعالج ضمن سياق "السلام"، أو يُهمّش ضمن أولويات "التنمية"، أو يُختزل في أخبار عاجلة عن اشتباكات أو تصريحات متفرقة. هذا التحوّل لم يكن بريئاً، بل كان جزءًا من إعادة هندسة الوعي، حيث يُعاد تعريف "العدو"، ويُعاد ترتيب "التحالفات"، ويُعاد إنتاج "الذاكرة" وفقاً لمصالح السلطة.

