Menu

الإبادة الجماعية والتطهير العرقي سياسة استعمارية متوارثة!

الهام الحكيم

نشر في مجلة الهدف العدد (74) (1548)
  • يقول مايكل هولي إيجل, من نشطاء الهنود الحمر : " تاريخنا مكتوب بالحبر الأبيض , إن أول ما يفعله المنتصر هو محو تاريخ المهزومين, و يا الله, ما أغزر دموعهم فوق دماء ضحاياهم, و ما أسهل أن يسرقوا وجودهم من ضمير الأرض هذه واحدة من الإبادات التي واجهناها و سيواجهها الفلسطينيون كذلك .. إن جلّادنا المقدّس واحد"!

ربما يتزامن صدور هذا العدد "الهدف" مع "اليوم الدولي للسكان الأصليين في العالم" 9 أيلول الذي تم اختياره احتفاءً بأول اجتماع عقده فريق الأمم المتحدة المعني بالسكان الأصليين عام 1982 في جنيف لإذكاء الوعي باحتياجات تلك المجموعات السكانية.. هذا اليوم حفّز لديّ دافع الكتابة عن واقع أليم ألمَّ بالعديد من الشعوب التي تعرضت للإبادة الجماعية والتطهير العرقي على يد شعوب أخرى متطفّلة يغلب عليها الطابع الاستعماري الإجرامي الطامع بالاستيلاء على مقدّرات الآخرين بحجة أنها تمثل العرق الأفضل المستحق للبقاء!. وربما كان وعد بلفور عام 1917 دافعاً قوياً للصهاينة لممارسة سياسة إبادة الفلسطينيين منذ اللحظة الأولى لإطلاقه ومنح الأرض الفلسطينية لهم كونها خالية من السكان ومن حق اليهود الاستيلاء عليها باعتبارهم شعب بلا أرض هذه الكذبة التي خطّط لها السياسيون الصهاينة وتلقّفوها فور إطلاقها وبدأت دعوتهم لهجرة اليهود من مختلف أنحاء العالم واحتلالها وإحلالهم فيها بدل الفلسطينيين أصحابها الشرعيين الذين كانوا يخضعون للانتداب البريطاني صاحب الوعد الكاذب متمسكين بجملة "أرض بلا شعب" التي تضمّنها الوعد.. وطبعاً هذه السياسة الاستيطانية للصهاينة بدل الفلسطينيين لم تكن الأولى فقد سبقتها العشرات بل المئات من المجازر الإبادية والتطهير العرقي تحقيقاً لمقولة "البقاء للأقوى" في مختلف مناطق العالم , والتي يحاول الصهاينة الإيحاء دوماً أن "الهولوكوست النازي" هو المجزرة الوحيدة بالعالم متجاهلين الكثير من المجازر السابقة واللاحقة وأن مجازرهم في فلسطين وتصرفهم اللاأخلاقي في غزة يعتبر امتداداً لمجازر مَهولة مورست بحق الهنود الحمر الأصحاب الشرعيين للأرض المجهولة التي وصلها كريستوف كولومبس بالخطأ عام 1492 ظناً منه أنها الهند لكنه عندما علم أنها ليست الهند وبما أن لون سكانها يميل للحمرة أطلق عليهم "الهنود الحمر" لتمييزهم عن الهنود الآسيويين, وهذا دلالة على الرؤية الأوروبية الاستعمارية ونظرتها للآخر وإطلاق التسميات والألقاب حسب تصوّر صاحب البشرة البيضاء! كما أطلقوا على أول مستعمرة فيها اسم "إنكلترا الجديدة" ومع اكتشاف البحار الإيطالي " أمريكو فسبوتشي " لخليج المكسيك عام 1507 تم تسمية هذا العالم الجديد "قارة أمريكا".. وكان يقطنها حسب بعض الدراسات بين "50 إلى 100 مليون نسمة" عام 1500م موزعين كقبائل وعشائر على الأمريكيتين الشمالية والجنوبية منذ 15 ألف سنة, تؤكد الوثائق التاريخية أن كولومبس حثّ الأوروبيين على احتلال تلك الأرض وجاء بإحدى رسائله: "هؤلاء السكان يجب أن يكونوا خدّاماً جيدين وأتباعاً مخلصين للكنيسة", هذه الدعوات فتحت شهية المستعمِرين فتتالت الرحلات الأوربية الاستكشافية لتلك الأرض, وأخذت لاحقاً الطابع الاستعماري الاستعلائي المجسّد بارتكاب المجازر الوحشية بحق السكان الأصليين كونهم أقل منزلة من "الرجل الأبيض" فهم همج وبدائيون وكائنات منحطة بالوراثة "وحوش لا تعقل ويأكلون زوجاتهم وأبناءهم"!.. بدأت بعض الدول الأوروبية "البرتغال, بريطانيا , فرنسا , إسبانيا , هولندا , السويد , الدانمارك" باحتلال أراضيهم وتقاسم النفوذ فيما بينهم , إضافة لاستعبادهم وفرض الضرائب عليهم واستغلال ثرواتهم الطبيعية والكنوز الهائلة فيها, وتهجيرهم من مناطقهم الحيوية الخصبة إلى مناطق قاحلة لا تصلح للعيش بهدف اقتلاعهم من جذورهم وطمس وجودهم وتغيير التركيبة السكانية والهوية الثقافية لهم! رفض السكان الأصليون هذه السياسة الاستيطانية.. تتالت انتفاضاتهم وخاضوا كفاحاً مسلحاً ضد "الإسبان والفرنسيين والبريطانيين" لكنهم انهزموا لعدم التكافؤ بالخبرة والعتاد, تناقصت أعدادهم بشكل كبير بسبب الحروب والمجازر الجماعية والمجاعات والأوبئة التي جرّتها عليهم تلك الحملات الهمجية حتى وصل عددهم إلى أقل من "280 ألف" هندي أحمر نهاية القرن التاسع عشر بما يعني القضاء على أكثر من " 95% " من السكان الأصليين بأسلوب مخطط له خاصة على يد البريطانيين الذين استعبدوهم "بيع وشراء أسرى الحروب كعبيد"! , يقول كلاوس كونور الأستاذ بجامعة برينستون:" إن الإنكليز هم أكثر القوى الاستعمارية الأوروبية ممارسة للإبادات الجماعية , فهدفهم في العالم الجديد كأستراليا ونيوزيلندا وكثير من المناطق التي يجتاحونها هو إفراغ الأرض من أهلها وتملّكها ووضع اليد على ثرواتها" – الإنكليز أساس نكبتنا - ! تتالت الانتفاضات ضد الولايات المتحدة الأمريكية بعد سقوط الاستعمار الإنكليزي عام 1776 لكن الحكومات الأمريكية واصلت حملات الإبادة والتهجير ضدهم وقتلت المدنيين ودمّرت المزارع وكانت ذروة الإبادة بين عامي" 1839 -1929 " وفي 28 أيار 1980 أصدر الكونغرس قانون "إبعاد الهنود" لإبعادهم إلى أراض فيدرالية غرب الميسيسيبي ضمن تجمعات سكانية للهنود" أمم محلية تابعة "تتمتع بالسيادة على مناطقها وسكانها دون التمتع بالاستقلال الكامل! يقابل ذلك التخلي عن أراضيهم للمهاجرين الأوروبيين!..كما يتوزع "الهنود الحمر " كأقليات في العديد من دول أمريكا اللاتينية, وكندا التي تطلق عليهم "الأمم الأولى"!..

  • الجدير ذكره نكران السياسي والمسؤول الأمريكي للمجازر التي ارتكبها أسلافه بحق السكان الأصليين لأمريكا ولا يدرّسون بمناهجهم سوى الهولوكوست ضد اليهود ! كما ينكرون حق الهنود الحمر بالاستقلال والسيادة الوطنية على أراضيهم التي هجّروا منها واستوطنها الغربيون بدلاً منهم, والحقيقة أن غالبية الأمريكيين هم من المهاجرين بمن فيهم ترامب الرافض لمئات الآلاف من اللاجئين بحجج كاذبة واهية!..
  • إبادة الصهاينة للفلسطينيين بمباركة أمريكية أوروبية :

عَوْد على بدء.. بالنظر إلى ما يحصل في غزة من عدوان صهيوني نازي بشتى أنواع الأسلحة الفتاكة ضد الشعب الفلسطيني واستهداف المسنين والنساء والأطفال بما فيهم الرضع وحتى الأجنة في الأرحام خاصة, نجد أنها سياسة مدروسة ممنهجة منذ اللحظة الأولى لبدء الاعتداء قبل قرابة العامين!.. لم تترك حكومة الاحتلال وسيلة إبادة إلا واتبعتها حرصاً منها على التخلص من أكبر عدد من اللاجئين الفلسطينيين الذين يمثلون معظم أهالي القطاع وبهذا تضرب عدة عصافير بحجر واحد! فهي تنهي وجود اللاجئين في غزة وبالتالي تلغي حقهم بالعودة إلى ديارهم التي هجّروا منها قبل ثمانية عقود ويتمسكون بتنفيذ القرار الأممي بعودتهم إلى مدنهم وقراهم وبلداتهم! كذلك يزحف الخوف إلى الحاضنة الشعبية للمقاومة في غزة فيطالبوها بالتوقف والاستسلام حرصاً على أبنائهم! كما يتسلل الرعب في قلوب أخوة لهم في الضفة الغربية و القدس والداخل المحتل خوفاً من امتداد العدوان الفاشي تجاههم! لم يوفر الصهاينة وسيلة إبادة وتطهير عرقي إلا اتبعوها ضد أبناء الشعب الفلسطيني باعتبارهم "حشرات بشرية" وكائنات يجب إبادتها على غرار التبريرات الاستعمارية الغربية ضد الهنود الحمر قبل قرون لهذا ارتكب الاحتلال جرائم ضد الإنسانية من خلال "القصف, التدمير , الحرق , القنص , التجويع , التعطيش ,منع الأدوية" وغيرها بهدف الترويع والتهجير القسري للسكان وإجبارهم على الإخلاء بناءً على طلبهم "الهجرة الطوعية" خارج غزة بما يعني استبدالهم بالمستوطنين والمرتزقة الغربيين! والسيطرة على الأرض وثرواتها واستثمارها من قبل التجار بمباركة من الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب الذي يدّعي رعايته لمفاوضات السلام وإنهاء العدوان لكن الواقع يؤكد التنسيق الكامل الصهيوأمريكي والاتفاق على سحق شعب ليحل مكانه شعب آخر مقتدياً بما فعل أجداده بالهنود الحمر وبما يخدم السياسة العنصرية "الأبارتهايد" التي تعتبر استمراراً لحرب الإبادة الجماعية للإيغور ومذابح الصرب في البوسنة والهرسك , والمجازر ضد الروهينجا في ميانمار ,وقبلها مجازر المغول والتتار وغيرها الكثير من فقْد البشر لإنسانيتهم طمعاً بأملاك الغير وحباً بالتملّك والسيطرة على حساب شعب آخر وطبعاً لا يمكن نسيان السياسة المتوحشة الغربية ضد كل الدول التي استعمرتها خلال القرن الماضي ومنها كافة الدول العربية فهل ننتظر من تلك الدول وزعمائها الوقوف بوجه العدوان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني الذي تمنحه الشرعية الدولية حق المقاومة والدفاع عن النفس كونه من السكان الأصليين لبلده فلسطين ؟!..