Menu

وهم (إسرائيل) الكبرى والصغرى وأحلام نتنياهو

حمزة البشتاوي

نشر في مجلة الهدف العدد (74) (1548)

أعلن بنيامين نتنياهو مجدداً أمام العالم عن أوهامه وحلمه بإقامة (إسرائيل الكبرى) في الوقت الذي تدمر فيه آلة الحرب الإسرائيلية مدن ,قطاع غزة، ويمزق الجوع أمعاء سكانه، وفي الضفة ترتفع وتيرة تحرك بلدوزر الضم والاستيطان، ولم يكن إعلانه عن هذه الأوهام موضع استغراب كبير كونها تشكل ركناً أساسياً من الرواية الإسرائيلية الزائفة التي يستند إليها المشروع الصهيوني التوسعي تحت عنوان ما يسمى الشرق الأوسط الجديد.

وما بين أوهام نتنياهو والحقائق الماثلة على الأرض يوجد فرق شاسع وكبير يظهر من خلال تمسك واستمرار الشعب الفلسطيني بالنضال والثورة من أجل العودة وتقرير المصير والاستقلال والخلاص من الاحتلال، وهناك فرق آخر تجده في الكثير من المواقف التي تتحدث عن هذه الأوهام وعدم القدرة على تحقيق الشعارات الصهيونية المتعلقة بإقامة (إسرائيل الكبرى) ومن المواقف اللافتة تصريحات أدلى بها موشيه فريدمان الحاخام الأكبر السابق للطائفة اليهودية في النمسا، حيث وصف (إسرائيل) بأنها دولة مارقة منبوذة وإجرامية وأنها بشكلها التي قامت عليه على أرض فلسطين منذ العام 1948، سوف تزول في غضون سنوات قليلة، وأن نتيناهو سيكون آخر (ملوك إسرائيل).

لكن نتنياهو الذي يتباهى بهذا اللقب ويتبنى كل ما أنتجته الحركة الصهيونية من معتقدات ارتكزت على الاستيطان وفرض السيطرة على الأرض أمنياً وعسكرياً واقتصادياً، يعتبر نفسه ساحراً ومنظراً مثل مناحيم بيغن وزئيف جابوتنسكي وهو الشخصية التي يهتدي بها ويحتفظ بسيفه ويتباها أن والده عمل سكرتيراً له في عشرينات القرن الماضي.

ومن أفكار جابوتنسكي يستمد نتنياهو أوهامه التي تستيقظ مع كل حرب يخوضها بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية ومن شركائه المحليين أمثال دانييلا فايس رئيسة حركة (غوش أمونيم) التي تقول: ما دمت أتنفس سأحارب حتى تكون أرض إسرائيل كلها بأيدينا، أرض إسرائيل بأكملها، إضافة لسموتريتش وبن غفير وغيرهم من غلاة المتطرفين الصهاينة الذين يدعون إلى فرض ما يسمى (إسرائيل الكبرى) من النيل إلى الفرات، وليس العمل فقط على احتلال كل فلسطين وتهجير كل الشعب الفلسطيني ومصادرة الأرض والإرث والتراث والموارد والرواية الفلسطينية المضادة لأوهام وأفكار الحركة الصهيونية بكافة تياراتها ومنظريها القدامى والجدد، من تيودور هرتزل ومناحيم بيغن مروراً بشيمون بيريز الذي دعا إلى سوق شرق أوسطية بقيادة إسرائيلية على دول قال عنها إنها بلا تاريخ وبلا هوية وبلا ذاكرة.

ويحلم بنيامين نتنياهو من خلال الحرب والتطبيع، إحداث تغييرات تعيد رسم خريطة جديدة للمنطقة تكون فيها الهيمنة الاقتصادية والسياسية والعسكرية لكيان الاحتلال الإسرائيلي الذي تقوده اليوم الأحلام والأكاذيب وأوهام تغيير الحدود والجغرافيا إبتداء من غزة وفق ما قاله وزير خارجية كيان الاحتلال الأسبق إيلي كوهين: بأن حجم غزة بعد الحرب لن يعود كما كان قبلها.

وتشير حرب الإبادة والتجويع على قطاع غزة بأن هذه الحرب تتضمن خطوات عملية لتنفيذ الأحلام والأوهام الصهيونية على الأرض، من خلال التدمير والتهجير، ولذلك لا يمكن اعتبار كلام نتنياهو عن ما سماه حلم الأجيال مجرد خطأ لفظي لإرضاء المستوطنين، بل هو تأكيد بأن هذه الأوهام هي من تحكم فعلياً في كيان الاحتلال، وتدفع قادته إلى طرح الرؤية التوسعية التي يضفي عليها نتيناهو طابعاً (دينياً) والإدعاء بأن العدوان على فلسطين ولبنان وسوريا، ما هو إلا تنفيذ للتعاليم والأساطير التي تتبناها الحركة الصهيونية بعقلية عنصرية إجرامية متوحشة مسكوت عنها دولياً ومدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر نفسها بمثابة (إسرائيل الكبرى) وإسرائيل هي طفلتها الصغرى التي لا حدود لأطماعها التوسعية في فلسطين والمنطقة.

وكان من المتوقع بعد حديث نتنياهو عن رؤية (إسرائيل الكبرى) أن يدق الجميع ناقوس الخطر بمواجهة نتنياهو العاجز عن تحقيق نصر عسكري في قطاع غزة رغم الإبادة والتجويع، ويلجأ إلى الأساطير لإخفاء فشله في حرب غير قابلة للربح، ويطرح خرافة (إسرائيل الكبرى) مع أن الوقائع تشير إلى إمكانية زوال (إسرائيل الصغرى) بفعل حقائق التاريخ والجغرافيا والصمود والمقاومة التي تعمل على ضرب البنية التحتية للمشروع الصهيوني في فلسطين والمنطقة.

ويمكن وضع تصريحات نتنياهو التي حاول فيها ربط الأساطير بالواقع الذي يسعى الاحتلال لفرضه على الأرض بأنها جاءت في ظل انحسار شعبية نتنياهو داخلياً، وفشله على المستوى السياسي والعسكري وتحويل الكيان الإسرائيلي على المستوى الدولي إلى كيان معزول محاصر بالانتقادات وتهم جرائم الإبادة الجماعية والتجويع. وبدلاً من توفير الأمن للمستوطنين داخل الجدران الإسمنتية والحديدية، يرتفع منسوب الخوف والهجرة العكسية، بعيداً عن الأوهام والأساطير القتالة.