Menu

حوار افتراضي بين حنظلة وناجي العلي

أحمد طنيش

نشر في مجلة الهدف العدد (74) (1548)

يعتبر حنظلة جزءاً هاماً من سيرة ناجي العلي ، فإذا كان ناجي العلي الفنان الرسام والمناضل والإنسان، فكذلك حنظلة الإبداع والكاريكاتير الناطق والفنان والمناضل والإبداع المؤنسن، في عصرنا الحالي وصلنا إلى مرحلة "الميتافيرس" حيث ادمج الإنسان مع الآلة، وذلك حينما انخرطنا في أدوار تداخلية، لكن ناجي العلي وحنظلة كانا لهما السبق إلى هذا التلاقح والتداخل وتبادل الأدوار؛ لذا نستحضر في هذا الحوار الافتراضي ما صرح به ناجي العلي للصحافة والرأي العام الفني والسياسي عن حنظلة ونستحضر إبداعات حنظلة وصورته وبلاغاته..

يعد حنظلة الجناح الطفولي لناجي العلي، والجناح الحي والحقيقي والصادق في البشرية، ويعد وصية الرجل للعالم.

حنظلة: أنا أيقونة فلسطينية مثل ناجي العلي ومثل كل الكبار والشهداء الذين قضوا نحبهم والذين ينتظرون منذ سنة 1948، إلى غزة الحالية، أنا أشهر الشخصيات على الورق، بل أنا الضمير العربي الذي رسمه ناجي العلي في كاريكاتيراته وقد قدمني سنة 1969 بجريدة "السياسة الكويت ية". تاريخ الولادة إذن هو 5 حزيران 1967، جنسيتي، كما صرح ناجي العلي: لست فلسطينياً ولا أردنياً ولا كويتياً ولا لبنانياً ولا مصرياً، باختصار ليست لدي هوية ولا حتى لي نية التجنيس، أنا إنسان عربي فقط..

ناجي العلي: يوجد حنظلة في المنزلة بين المنزلتين بين اللامبالاة واليقظة، بين غض الطرف والامتعاض الصامت حيال ما جرى ويجري. لا يتكلم قط، ولم نسمع صوته بتاتاً، ولكنه قال كل شيء امتنعت عن إظهار حنظلة متكلِّماً. فقط تركته يحتجُّ بالصمت والعراء، متحوِّلاً بوجهه عن مخاطبتنا. الصمت احتجاج الحكماء، إيحاءات لامتناهية، بلاغة البلاغات. إنه واجم تشغله هواجس ثقيلة.

حنظلة: أنا الغاضب دوماً، مكتفياً باقتفاء الأثر السلبي في هذا العالم حضرت الحروب والمنافي ودخلت السجون ومخافر السلطة وعشت بين اللاجئين والمنفيين، ألقيت بكل شيء خلف ظهري، احتجاجاً وموقفاً، أبدعني ناجي العلي الأب والصديق والرفيق، وأبدع أيضاً ثلاث شخصيات أخرى، وهي فاطمة تلك المرأة التي لا تهادن على مستوى تصورها للقضية الفلسطينية، والسمين صاحب بطن ومؤخرة كبيرتين إشارة إلى الأوليغارشيات العربية العاجزة، ثم الجندي الإسرائيلي صاحب الأنف الطويل، المرتبك حين مواجهة أطفال الحجارة، لكن في نهاية المطاف بقيت البطل خارج النص، وكانت استمراريتي عبر يوميات تمرد ناجي العلي واحتجاجه.

عمري بحسابكم وصلت الآن إلى 56 سنة لكن ناجي العلي أرادني ذاك الطفل الدائم والصدق الدائم وجعلني ذاك الصبي الذي وقف عند العد 10 سنوات، اغتالوا أبي بعد أن عشت معه 18 سنة، ولكن ناجي العلي أراد لي 10 سنوات وكلنا تواطأنا لأبقى في عشر سنوات. والآن يحضرني ناجي العلي في ذكراه، في ذكرى رحيله واغتياله سيان، وأدركت لماذا عمري 10 سنوات، لقضية لا تشيخ..

ناجي العلي لماذا تركتني وحدي، وتركتني طفلاً في العشر سنوات فقط؟

ناجي العلي: كنت أعلم أنه لك الخلود ولو أنك شخصية من ورق، فقد أصبحت طفل العالم طفل يخاطب العالم، عشت بعد موتي وقد ظلت شخصيتك يا حنظلة باقية لأنها تجاوزت الزمان والمكان فعاشت بين الأجيال، ولم ولن يستطيعوا اغتيالك.

حنظلة: وظفتني في انتقاد إسرائيل وأمريكا، والعرب بل حتى بعض الفلسطينيين.

ناجي العلي: أعطيت ظهرك للعالم ومشيت، ومن يستحق النقد واجهته بوجهك المخصص لهم.

حنظلة: من أين اقبست اسمي؟

ناجي العلي: من نبات الحنظل وهو معمر محلي في منطقة فلسطين يحمل ثمرة مرة، وينمو مرة أخرى عند قطعه وله جذور عميقة، مثل الفلسطيني في وجه من يريد اقتلاعه..

حنظلة: لماذا أوقفت عمري في 10 سنوات؟

ناجي العلي: أبدعتك ذاك الصبي الذي له عشرة أعوام الذي يمثل سني حين أجبرت على ترك فلسطين ولن يزيد عمرك حتى تستطيع العودة إلى الوطن، جعلتك ترتدي ملابس مرقعة حافي القدمين تمثل الفقراء، صرحت مراراً أنك ولدت في العاشرة من عمرك وستظل دائماً في العاشرة من عمرك، ففي تلك السن غادرت فلسطين وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون في العاشرة من ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء.

حنظلة: ولماذا أمشي مكتف اليدين إلى الخلف؟

ناجي العلي: سبب تكتيف يديك إلى الخلف مرجعيته أنه بعد حرب أكتوبر 1973 كانت المنطقة تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة، وهنا كان تكتيف الطفل دلالة على رفضه المشاركة في حلول التسوية الأمريكية في المنطقة، فهو ثائر وليس مطبع.

حنظلة: وصلني أنك سئلت متى يُرى وجهي؟

ناجي العلي: نعم، وكان ردي كالتالي؛ موعد رؤية وجه حنظلة عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته.

حنظلة: إذا سألني الناس بكل أطيافهم مناضلون خونة سياسيون مدعون، نقاد أنقاض، مفكرون شعراء، عسس وبصاصون، إلخ بماذا أجيبهم:

ناجي العلي: قل لهم إن حنظلة وناجي العلي، تختزل سيرتهما معاً في رحلة حياتية نضالية وصولاً إلى لحظة اغتياله وطريقتها المؤلمة والمريبة، وقل لهم إن سيرتنا معا تختزل في هوية أيقونة طفل اسمه حنظلة كأنه ناجي العلي، وناجي العلي كأنه حنظلة الطفل الشاهد عبر الزمن، الذي تمرَّد على ولادته منذ أولى لحظات الولادة، وعلى مفهوم الولادات المعتادة، لأنه أبدى رفضه المبدئي حيال ظلم في عالم يعيش خلاله الفرد مشرَّداً في سعة وطن له جغرافيات وتاريخ مسبي محروم من حضانة سيرته وتاريخه.

حنظلة: تركتني في قسوة عالم بهذه الشاكلة، أرغمت وأنا الطفل الذي وعى حضوره المتوقف زمنياً وله الرجع الزمني بين الشتات وأفق العودة، ومسارات نضال وخيانة وتطبيع. طفل أصله رؤية، يحيا بطريقة مختلفة عن وضعية الجميع، يدير ظهره تماماً لهذا الجميع، منصرفاً دون اكتراث، وجسده عارياً، حافي القدمين، دون أن يقف أحد قط بعدها على قسمات وجهه.

ناجي العلي: أعلم أنك توءم روحي، عشت معي ومن بعدي، وأنت ابني من إبداعي من جيناتي من ألمي من حزني من موقفي، من انتظاري من نضالي، أعلم ما إن يجري على اللسان نعت حنظلة، فتجلى تَوَّا معالم شخصيتي وتحضر تراجيدية الواقع الفلسطيني العربي، وتتمدَّد نطاقه باستمرار على أسِّ الهزيمة، أنساق وأجيال تجترُّ اجتراراً سرديات خيبات الهزائم.

أتذكر، قدمتك للقرَّاء وأسميتك حنظلة، كرمز للمرَارة. في البداية قدمتك كطفل فلسطيني، لكنه مع تطور الوعي والأحداث أصبح لك الأفق القومي ثم الأفق الكوني والإنساني. في المراحل الأولى، رسمتك ملتقياً وجهاً لوجه مع الناس، وكنت تحمل الكلاشينكوف، وكنت أيضاً دائم الحركة وفاعلاً ولك دور حقيقي، تناقش باللغة العربية والإنجليزية، بل أكثر من ذلك فقد كنت تلعب الكاراتيه، تغني الزجل وتصرخ وتؤذن وتهمس وتبشر بالثورة… ستظل في العاشرة حتى تعود للوطن.

حنظلة: أنا الطفل حنظلة إبداع الطفل الفلسطيني الذي يسكن ناجي سليم حسين العلي المزداد سنة 1937، في قرية الشجرة بمنطقة الخليل. في سنة 1948 مع أولى بواكير تاريخ النكبة والتشرد والمنافي والمخيمات، هاجر مبدعي رفقة أسرته صوب جنوب لبنان، كي يعيش في مخيم عين الحلوة جنوب لبنان. خلال تلك الفترة اعتقل من طرف الجيش الإسرائيلي، بسبب أنشطته الرافضة للاحتلال واقتيد وجهة غياهب الزنازين، حيث تعلَّم عبر التخطيط على جدرانها أولى خيوط الرسم، (وكأنني انطلقت وتكونت من هناك). بعد سنوات المدرسة الابتدائية، انتقل إلى مدرسة مهنية في طرابلس كي يحصل على شهادة لميكانيكا السيارات.
صنَّفته صحيفة يابانية ضمن قائمة أشهر رسامي الكاريكاتير العالميين، انطلق فعلياً مشروعه الفني الموصول بنيوياً دون فكاك بالقضية الفلسطينية عام 1961 بفضل تقدير بنَّاء من طرف غسان كنفاني ، عندما اكتشف صاحب رواية رجال في الشمس، لأول مرة ثلاثة أعمال أنجزها ناجي العلي، فشكَّل الأمر انطلاقة عمله في الصحافة؛ تحديداً مجلة الحرية التي نشرت له سنة 1063 صورة خيمة تعلو قمتها يد تلوِّح.

انتقل مبدعي إلى الكويت لمواصلة العمل في منابر الصحافة ثم بعد ذلك إلى لندن، حيث ترسَّخ اسمه بقوة ولفظ أنفاسه الأخيرة على أسِرَّة إحدى مستشفياتها ودفن في مقبرتها بروكود يوم 29 غشت1987، بعد أن أطلق عليه شخص مجهول يوم 22 يوليو رصاصة نحو رأسه في شارع إيفز جنوب غرب لندن، تتويجاً لسلسلة تهديدات توزعت مصادرها بين الموساد، منظمة التحرير الفلسطينية، وكذا أجهزة النظم العربية.

حنظلة حارس متحف ناجي العلي:

ترك ناجي العلي نتاجاً نوعياً، بلغ أربعين ألف لوحة كاريكاتير، سَخَّر جل موضوعاتها قصد السخرية من ديكتاتوريات المنطقة، وكذا توجُّهات منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة الراحل ياسر عرفات . توَّجه الاتحاد الدولي لناشري الصحف سنة 1988بجائزة "قلم الحرية الذهبي"، ويعتبر أول رسام عربي يحظى بهذا التكريم.