"مصائد الرياح"[1]: المنتج الروائي الأحدث عند إبراهيم نصر الله، بدا لي هذا العمل، في بنائه وتنظيمه ولغته، عملاً سينمائيًا جاهزًا ومتكاملاً. يشهد على هذا القول العديد من المقاطع المشهدية في كثير من فصول الرواية، المكتوبة بحرفية عالية تنتظر تحرّكات الكاميرا.
وبالرغم من أن فصول الرواية تنطوي على حركية واضحة، إلا إن جوهر المحتوى السردي فيها ذو طبيعة ذهنية فلسفية نفسية مركّبة، يلتقط القارئ فيها أنفاسًا وجودية وإحالات من عوالم يونج (الإيحاءات الأسطورية) وفرويد (مكبوتات اللاوعي من حاجات ورغبات جنسية)، علاوة على نسبية المفاهيم والقيم والعلاقات.
وسط هذا الحيّز الفلسفي النفسي المركّب، تلعب الخيول دورًا فعّالًا في كشف دواخل البشر، ولعلها تساعدهم على فهم أنفسهم بصورة أعمق وأكثر تنوعًا.
الخيول بين روايتين
حينما انتهيت من قراءة رواية "مصائد الرياح" للشاعر والروائي إبراهيم نصر الله، تساءلت عمّا يدفع كاتبًا أفرد للخيول مساحة واسعة في روايته الملحمية "زمن الخيول البيضاء"، إلى استدعاء الخيول مرة أخرى في "مصائده" الأخيرة. والحقيقة أن إبراهيم، في الرواية الأولى، قد توّج الخيول عنوانًا للرواية، ومنحها ما تستحق من مكانة، فكانت أيقونة قيمة على المستويين الدلالي والرمزي، وكذلك الواقعي.
لقد كان هذا التساؤل حول عودة الخيول في رواية أخرى حافزًا لتأمل غير عابر، واستقراء لتصوّرات وتفسيرات مختلفة، فعزوت هذه العودة إلى اختلاف السياق، وهو ما يستولد المعاني والمبررات والأبعاد، وهو ما يضفي على كل حضور تمايزًا وظلالًا خاصة.
فكيف تجلّت صور الخيول في الروايتين في ظل اختلاف السياق؟
الحصان في "زمن الخيول البيضاء"
تلعب الخيول في رواية زمن الخيول البيضاء أدوارًا مهمة في عمل فني ملحمي يحكي قصة أجيال فلسطينية في مراحل تاريخية ونضالية، إذ كانت الخيول عنصرًا رئيسيًا من عناصر الحياة الفلسطينية، تمحور حوله عنقود من القيم والرموز ارتقت إلى مستوى الروح الإنسانية، وتمتعت بكرامة لا تعادلها إلا قيمة المرأة في بيت لا تُهان فيه امرأة ولا فرس.
ومن يتأمل أسماء الخيول في الرواية، يجد أن أجيالًا متسلسلة منها حظيت باسم "الحمامة"، مع ما يمثّله هذا الاسم من دلالات للسلام والبراءة والجمال. أما "الجليلة"، فكان اسمها يحمل ظلالًا من القداسة والطهر والسمو.
وللخيول بالطبع قيمتها الوظيفية والاجتماعية والوطنية في البيئة الفلسطينية؛ إذ إنها تُعدّ من أفراد الأسرة في حقوقها وواجباتها، علاوة على قيمتها المادية، باعتبارها ملاذًا في أوقات الضيق، وكنزًا ثمينًا للفارس أو الفلاح، لا سيما إن كان الحصان أصيلًا.
والخيول في زمن النضال والقتال، تخوض ميادين الحروب، وتغدو قاطرة تنقل المناضلين من مكان إلى آخر، بل وتحميهم بسرعتها وقوة تحملها وصبرها. وهنا تمثّل الخيل دورًا وطنيًا، ناهيك عن دلالات الحرية والتحرر. وإذا كان ما ورد آنفاً يمثل سياق الخيول في رواية نصر الله "زمن الخيول البيضاء" فما سياقها في المصائد؟
الخيل في مصائد الرياح
في زمن الخيول البيضاء حضرت الخيول ودلالاتها ورمزياتها وقيمها في سياقات إنسانية وشخصية، ووطنية واجتماعية وإنسانية عامة، لكنها جاءت في "المصائد" في سياق علاقات إنسانية شخصية، علاقات وعواطف متبادلة، وتأثر وتأثير متبادلين، بين الإنسان والحصان، بين (الفرس) والحصان.
وما بين زمن الخيول والمصائد اختلف السياق من أفق اجتماعي- وطني (من دون غياب لقيمتها الروحية والرمزية) إلى أفق العاشق والمعشوق، وقد بدت العلاقة المتبادلة بين أحلام والحصان (حس) في تصوري وكأن الأولى قد تنازلت عن نصف كيانها لتمنح حس مساحة يحتلها في ذلك الكيان بما يوحي بتشكل كيان متكامل منسجم تضافرت فيه السمات الأبرز لكل من الكائنين.
حفزني هذا التصور الذاتي لواقع العلاقة بين أحلام وحس (المرأة -الحصان) لاستحضار أسطورة القنطور centaurus/ centaur وهي إحدى الأساطير الإغريقية حول الإنسان والحصان إذ تم تصورهما كياناً واحداً بحيث يمثل القسم العلوي من الكائن المركب رأس إنسان وجذعه، فيما يمثل القسم السفلي جذع حصان وقوائمه. هي حالة من التوحد بين العقل والقوة في كيان واحد متكامل أو مخلوق جديد مركب من حصان أو فرس ومن رجل أو امرأة، ولعل هذا ما يربط هذه الرؤيا بفكرة "النموذج البدئي" لعالم النفس السويسري كارل جوستاف يونج الذي رأى أن السلوك الإنساني أو الشخصية الإنسانية تتحرك بدوافع من مجموعتي نماذج أصلية أو بدئية كالأساطير والأديان وغيرها. وقبل أن نرصد حركه تطور العلاقة وأبعادها بين "أحلام وحس" لا بد من الإشارة الى القواسم المشتركة بين الحصان والإنسان كما يمكن استخلاصها من الرواية أو من كتابات تناولت هذه السمات المشتركة.
- السمة الاجتماعية: كما الإنسان، الحصان مخلوق اجتماعي، مفطور على الوجود في جماعات ولا يحب الوحدة، وبتحوير بسيط لمقولة ابن خلدون يكون الحصان اجتماعياً بالطبع ولا يتنافر هذا مع العلم والواقع، وبذا يكون الحصان كائناً يتمتع بالذكاء الاجتماعي.
- السمة العاطفية: والحصان كما الإنسان مخلوق عاطفي ذو ذكاء عاطفي أيضاً، إذ إنه محب للعائلة متفهم لعواطف البشر بل إنه قادر على تطوير علاقة عاطفية عميقة مع الإنسان يتبادل معه الحب والاحترام وأحياناً يشعر بالغيرة فيثأر لكرامته بطريقته.
- السمة النفسية: وكلاهما يتمتعان بالكرامة وعزة النفس والثقة.
- حب الحرية: والإنسان والحصان مجبولان على الحرية؛ يمقتان القيود والأماكن الضيقة والمغلقة.
- الحاجات: وكما الإنسان، فإن للحصان/ للفرس رغبات وحاجات روحية وعاطفية وفسيولوجية لا بد من الاستجابة لها.
مسار العلاقة بين "أحلام" و"حس"
تتمتع أحلام في الرواية بشخصية مختلفة عن الأديب المحتفى به في المؤتمر، فهو في الغالب متردد وخجول وخائف وحذر وقلق، أما هي، كمنسقة للمؤتمر وكمعجبة بالأديب، فهي منفتحة، نشطة في حركتها جيئة وذهاباً، كأن خيلاً في رأسها، وهي مولعة بالخيول، وهو ولع يتردد أحياناً على لسانها وأحياناً على ألسنة شخصيات أخرى. لأحلام -في ظاهر العلاقة- انجذاب روحي وعاطفي وجمالي نحو الخيول ولديها رؤى وتقدير ومحبة للخيول تشي بأن الخيول تعيش في عالمها أو أنها هي ذاتها تعيش في عالم الخيول، لكن قراءة معمقة للغة الشخصية "أحلام"، ومواقفها، وأفكارها وسلوكها، تشير إلى أن إحساسها بالحصان لا يتوقف عند استجابة روحية أو عاطفية فقط، بل يتعداه إلى ميل حسيّ أيضاً، وهي ذاتها التي أطلقت على ذلك الحصان الأسود اسم "حس"، وهو ما يوحي بظلال معينة للوصف.
واذا كانت أحلام قد وصفت المزرعة ذات مرة ببيت الروح، فإن إحساسها بحصانها تعدّى سقف الروح. لقد كان حصاناً من نار، جسده شعلة، وشعر عنقه شعلة، وغرته شعلة، عيناه شعلتان، رقبته الطويلة شعلة". (166)
اقتربت منه ذات يوم والتصقت به، "ومنذ ذلك اليوم تعيش ذلك الالتصاق ولا تقول تحسّ به، تعيش سريان الحصان في جسدها، تدفقه في روحها. منذ ذلك اليوم أصبحت جبهتها ثملة، ثملة حقاً وليس مجازاً، ثمله وتوزع خدرها اللذيذ على بقية أنحاء جسدها." (169)، سيتوالى الحضور الفرويدي لحصان أحلام التي لم تخفِ انجذابها للكاتب المحتفى به، ولم تتحفظ في تلميحاتها وإشاراتها، لكنه شخصية حذرة، وجلة، قلقة. وإذ تصحبه ذات يوم إلى شاطئ البحر تقول له "هناك نار لا تطفأُ إلا بالنار". قالت له هذه الجملة وتركته معلقاً فوق لهيبها.
وفي إحدى زياراتها للمزرعة، "ذهبت إلى "حس" ونامت في مأواه.. ضاربة عرض الحائط بكل المخاطر المحتملة، مسّدت عنقه، قبلته، مسدت ظهره ثم التصقت به" (255)
وحين تتجول في مزرعة الخيول تخطر في ذهنها تساؤلات وتأملات مثل:
"هل تحلم الخيول أم تتذكر؟ هل تنتظر شروق الشمس مثلنا أم أن جوعها لوجبة الفطور هو السبب؟ هل ينتظر الحصان فرساً أو امرأة وتنتظر الفرس حصانًا أو رجلاً، كما ينتظر البشر؟ وهل الرغبة التي تشتعل في أحشائها توقاً للشريك متشابهة؟(238)
وليست هذه التأملات ببعيدة عما أسماه يونج "الأنيما" و"الأنيموس" طالما أن أحلام تتأمل حالتَي الذكورة والأنوثة، الرجل والمرأة. ففي حالة الأنيما يتمثل النموذج الأصلي في الشخصية الأنثوية التي تقيم في لا وعي الرجل، أما الأنيموس فهو النموذج الأصلي لشخصية الرجل المقيم في لاوعي المرأة.
صحيح أن الموقف يمثل حالة أقرب إلى الحلم، أو حلم اليقظة، أو مجرد "سرحة" خيالية، إلا أن هذا الموقف في مجمل الأحوال تجربة تعيشها أحلام من خلال ذكور الخيل وإناثها في مزرعة الخيول حيث ينفتح اللاوعي على امتداده، ثم يتعين علينا ألا ننسى أن أحلام كطفله عاشت تجربة الولد والبنت متقلبة بين واقع البنت وصورة الولد الذي تمناه الأب، ما انعكس على شخصية الفتاة في حركاتها وتدفقها وتمردها على الأهل والمجتمع.
خلاصة
على الرغم من هذا الحضور المبهر للخيول في مصائد الرياح، إلا أنني أعتقد أن الرسائل التي يتضمنها الخطاب الروائي إنما هي موجهة للإنسان أولاً وأخيراً، ذلك أنّ الإنسان هو غاية الحياة والوجود والعلاقات الإنسانية، وما يعلق بها من روابط مع كائنات وكيانات أخرى، وأهم هذه الرسائل التأكيد على أن الإنسان ظاهرة مركَّبة في تكوينه، وليس مخلوقاً مستقلاً منعزلاً عن مملكة حيوانية أو نباتية أو عن ظواهر طبيعية تترك آثارها عليه. ثم إن الإنسان كحالة وجودية مركّب من قوى متضافرة مجدولة؛ قوى عقلية وروحية وعاطفية وجسدية ونفسية وجمالية. إن قيمة هذه المكونات الكونية والإنسانية تفتح لنا نوافذ للتعرّف من خلالها إلى ذواتنا، وإدراك طاقاتنا ومحدودياتها. والأهم من ذلك كله تكاملها في إطار علاقة نسبية تخلو من الإطلاق في الحياة اليومية العادية ومسارها الطبيعي، هذه الحياة التي لا بد أن تكون كريمة ولا بد للإنسان أن يكون حرًا. هذا ما قالته الخيول وما تغنّت به أحلام وأحياناً المزرعة، وما نطق بمعناه الرّاوي العليم الذي قفز من مكان مجهول إلى فضاء الرواية وشخصياتها وكتبها في نهاية المطاف إبراهيم نصر الله.
- [1]إبراهيم نصر الله، مصائد الرياح، الدار العربية للعلوم ناشرون ودار طباق،2024.

