مثل كل الحكايات التي ترويها الجدات لأحفادهن في المساءات، بدأت الحكاية بالبحث عن متعة المعرفة، ولم تنته بسؤال، تناسلت الأسئلة الأولى، وما زال نسلها يفرخ علامات استفهام، أعجز عن وقف انسيابها، ولا أرى نهاية للهاث وراء الأجوبة . قُذفت إلى الصحراء بفعل فاعل، قبل إتقان السمع، لم أعرف الجدات، وما عدمت الرواة، وجد المعدمون الكهول في حكاياتهم المبعثرة مجرى للأسى، وآخر لاجترار كرامة لا يدركونها، وغنمت من مجالسهم دهشة تكفي لقرون من الاستماع. كنا نترجم سذاجتنا إلى مشاريع قصص وقصائد، يلقي بنا إطراء المسؤولين عن صفحات القراء إلى حواف الغرور، نقرأ دون تمييز بين غث وسمين، ونستغرق في لذة شعور زائف بطرق أبواب التاريخ الموصدة حين فاجأني صديق بإشارته إلى إغفالنا كتابات غسان كنفاني ، استغربت غفلتنا، وبات العثور عليها هدفاً يستحق السعي إليه. لم يكن كنفاني مجهولاً، لكني لا أذكر ما كنا نعرفه عنه حين بحثنا عن قصصه في مكتبة شاءت الأقدار أن اسمها الأندلس، كل ما أذكره سخرية اكتشاف عجزنا عن توفير ثمن رواية رجال في الشمس، وجدنا الحل في بنك الدم، رفعنا أعمارنا لنقنعهم بدمنا، كانت مكافأة العشرة دنانير كافية للحصول على الرواية ومجلد القصص القصيرة، وما زلنا نتندر على الموقف: اشترينا "أبو فايز" بالدم . لخزان كنفاني وقع طروادة في وعي ذلك الزمن، أي مصير كان ينتظر الثلاثة لو وصلوا أحياء إلى المدينة، السؤال ثمرة تعاطف ساقتنا إليه أدوات عبقري الرواية الفلسطينية، لن يختلف مصيرهم عن مصائر الكهول الذين يغريني سماع صوت اجترارهم للمرارة، حسمت الإجابة بعد شيء من التفكير . رددنا عبارة الغوص في المقلاة التي قرأها أحد شخوص الرواية في رسالة، وشغلَنا غوصنا عن الاعتراف بأننا مشاريع مُجتري مرارات متوارثة، مثل قطط الشوارع التي تجد لذتها في لعق دمها على المبرد. لن أضيف جديداً إذا قلت إن الرواية ملغزة، ومحملة بالرموز، كانت رموزها طارحة للأسئلة، تلقفناها ورحنا نبحث عن تفسيرات، ونضيف أخرى، لا يخلو الأمر من الدروس، تعلمنا من القراءة الأولى "إمكانية" و"ضرورة" الكتابة عما نراه ونرصده في حياتنا اليومية، والكف عن ملاحقة المعروف والمتخيل من فعل المقاومة في لبنان وفلسطين. اجتهدنا في تطوير الأدوات الكتابية بإعادة توجيه بوصلة الاطلاع على أدب الآخر، انتقاء الحكايات التي نسمعها، المتابعة، وقراءة ما بين السطور، أطلقنا الخيال لنكتب قصصاً قصيرة بشيء من الاحتراف، وجدَت قصصنا مكانها على الصفحات الثقافية واسعة الانتشار بمقاييس ذلك الزمن، ووجدنا فيها ما يكفي لتفريغ القلق المزمن . أدركت من بين ما أدركته أن الروايات نتاج التحولات، واظبت على قراءتها لأطل على عوالم أجهلها، ووجدت ما يلح على كتابتها حين اصطدمت جباه الكهول المضبوعين الذين اتحفتنا قصصهم بحافة المغارة، كانوا قد شارفوا على الشيخوخة حين استعادوا وعيهم واكتشفوا ذروة خيباتهم، وأيقنت أنهم باتوا بحاجة إلى الشفقة، نحن أمام تحول يا رفاق، قلت لشركاء هموم تلك اللحظة، ورحت اقتطع وقتاً لكتابة ما ظننت يومها بأنه رواية، أخرطش بقلم رصاص على ما توفر من ورق في زمن احتشاد الجيوش في الإمارة وما حولها، وألجأ إلى الممحاة بين حين وآخر، مستفيداً من طريقة إسماعيل فهد إسماعيل في المحو والكتابة، وحديثه عنهما حين يعطينا مخطوطات رواياته وينتشي بانبهارنا بها . تعلمت في تلك البلاد العيش مع المؤقت تحت خيمة الانتظار، لم أكترث يوماً بإبعاد محتمل إذا فتحوا ملفات الفصائل المغضوب عليها وكانت لي معها تجربة، أو شنوا حملة للتخلص من صحفيين لا يروقون لهم، ولم أتوقع رحيلاً جماعياً يسبقني إليه الذين اعتادوا السير تحت ظلال الجدران المائلة، تريثت عنه بعض الوقت لأسباب تحيرني، قد يكون الخجل من أن يقال بأننا تركنا الأهل في محنة، أو الإصرار على رؤية آخر مشاهد تلك الملهاة، وأرجح أنه العجز عن توفير أجرة شاحنة لنقل عفش البيت، حملت مخطوطي في نهاية ذلك المطاف، ويممت صوب الشمال، تحت سماء ألفتها ونجوم عرفتها. تفقدت قاع الحقيبة لحظة وصولي إلى غرفة مشتركة في فندق يطل على كراجات العبدلي، نحيت القصصَ المنشورة في الصحف جانباً، قلّبت المخطوط الذي ظننته في ذلك الزمن فصولاً لروايةِ، وعامَلته معاملة البضائع المهربة على نقاط الحدود التي مررت بها، انشغلت في الأشهر اللاحقة بالإصغاء لنبض المدينة الخارجة من الزمن العرفي المعلن إلى آخر غير معلن، العائمة على الصدى المعيشي لعقوبات اقتصادية أنهكت البلاد والعباد، الميالة للهدوء كقرية لا يبلغها الصخب، والقلقة دوماً مما يخبئه الزمن. ظل إلحاح الانتهاء من الرواية طاغياً رغم الانغماس في ماراثون رغيف الخبز، أتحايل عليه بحجة صعوبة الجمع بين إبداعين، أبرر تحايلي بقدومي إلى الصحافة من بوابة الالتزام بقضايا عادلة، ليست “سرفيساً” للوصول إلى النيابة والوزارة، أقول للأصدقاء، أطلعهم على ما كتبته في ظروف غير عادية، وأطرب لإشاداتهم. كنت كالنائم في ظل جدار، فاجأني عبدالوهاب البياتي بتشبيهه ذات لقاء مسائي، يضم أطرافه حين تلامسها أشعة الشمس لكنه وجد نفسه مكشوفاً بلا ظلال في لحظة ما، مضى في شروحاته وأصغيت له حتى النهاية، قد يصح القولَ على الجيل الأول، حاولت تصويب الفكرة، اختلفَت الأمور مع الأجيال اللاحقة، أكملت وفي ذهني لوم الأبناء للآباء على أخذهم إلى تلك البلاد، رأيت في تشبيهه ما يفتح هامشاً للحديث عن تفاصيل، ولم أتوقف عند ما سمعه من تضييقات على معيشة التعساء في بلاد الرخاء المفترض، حين تتراكم أوهام تسوية قضيتهم في أذهان زعاماتهم . ثلاثون عاماً مضت قبل الرجوع إلى ما اعتقدت يوماً بانه فصول رواية، تراكمت خلالها معاينات ما جرى وتداعياته، عودة إلى ما قبل كتابة كنفاني لرائعته، وإيغال في ما بعد مغادرته تلك البلاد، لأجدني أمام خريطة متاهات، لا تخلو من المحطات والمنعطفات. قرأت ما كتبت، لم أجد غير يوميات ومشاهدات ساذجة لزمن الكويت العراقي، رصد يكاد أن يكون دقيقاً، لكنه لا ينفذ بأي حال من الأحوال إلى عروق تجربة امتدت لنصف قرن أو يزيد، ولا يكفي لمعاينة عمق التحولات المفترضة عند كتابة الرواية، نحيتها جانباً وفي ذهني خوض المغامرة، استعنت بما أتاحه زمن العولمة من قدرة على الاتصال، اتسعت الرؤية مع شهادات الذين عاشوا أزمنة لا أعيها، ما جادت به أرشيفات الهندسة الاستعمارية من مراسلات، لم أهمل صورتنا في كتابات المستشرقين الذين جابوا البلاد، وضعت خطتي لرباعية الملح والسراب، وأبحرت في الخيال. انتهيت من ثلاث روايات، حرصت من خلالها على قراءة المشهد بعيون أكثر من جيل وشريحة، للوصول إلى أنماط تفكير مختلفة، تكوّن الأحاسيس، أنماط علاقات ذلك الزمن، تشكلها وانفلاشاتها، وجدت ضرورة لرصد محركات السياسة التي عبثت بمصائر البشر، وإيجاد التكنيك الملائم لتشظيات الكائنات التي أتناول حكاياتها، أتلمس في ما وصلتُ إليه مفاتيح فهم تاريخ سياسي ما زالت أبوابه موصدة، رغم اعتقادنا الساذج بمعرفة ماضينا، تسوقني ارتداداته إلى فهم مختلف لعذابات الناس وأوجاعهم، حيواتهم وخياراتهم . ماذا بعد، أنتظر صدور الرواية الرابعة، قد أقول بعدها إنني التقطت أطراف الخيوط التي ألقاها كنفاني بأصابع صياد خبرت إلقاء الشباك في محيط متلاطم الأمواج، وقد أدعي بأنني عثرتُ على النول الذي تركه بين صحراء وخليج ليبحث عن فضاءات أخرى، ويتيح لنا حرية غزل ذاكرة مختلفة لمن تنبأ بمصائرهم وعاشوا بعده، لم تعد الروايات لي، قد تكون بعض تاريخ الفلسطينيين المبعثر في أرجاء الأرض الأربعة، التشوهات التي لحقت بهم حين وجدوا أنفسهم في الفراغ، أو صور التقطت من ثقب باب موصد، مفاتيحه في أرشيفات ما وراء البحار. ألقي الحمولة عن ظهري، حالماً بأن تكون شريكاً في صياغة رؤية مختلفة، وأمضي إلى مشاريع كتابة أخرى، لم أعد قادراً على احتمال أرقها.

