لا يحكم "أريج الطباشير" رابط سردي منتظم بالمعنى الكلاسيكي للرواية أو السيرة، بل يتوزع في شذرات ومقاطع أشبه بصفائح الذاكرة المنكسرة أو بومضات يومية غير مكتملة. هذا الشكل لا يمثل مجرد اختيار أسلوبي، بل هو تعبير عن تشظي التجربة الحياتية نفسها، وعن استحالة القبض على الذات أو العالم عبر خيط سردي واحد. كما يقول رولان بارت:" الشذرة هي لغة المحبة، لغة لا تنتظم لأنها تسعى إلى قول ما يتجاوز النظام".
ان عناوين الفصول وحدها تكشف هذا التمزق الدال: «أين الخشوع يا أستاذ؟»، «مدير المركز يلغي فوضى الفرشاة»، «أدب الرحلة إلى أمينتانوت وعلة المحنة»، «استعن بالصبر والصلاة»، «أترحم على بوكماخ»، «غسل الميت»، «الماخور وكر الجواسيس»، «يشطب عليك من أسلاك الوظيفة»… وهي عناوين تُشبه إشارات طرقية أكثر مما تشبه محطات في مسار خطي، كل شذرة تبدو كجزر معزولة، لكنها حين توضع بجانب بعضها تنتج أثرًا فسيفسائيًا يتجاوز المجموع البسيط لأجزائه.و هنا نستحضر موريس بلانشو الذي يرى أن: "الكتابة الشذرية هي كتابة اللانهائي، لأنها لا تدّعي الإحاطة بل تترك فجوات تجعل النص في حالة انتظار دائم".
في هذه الفسيفساء، يتجاور المثل الشعبي مع النص القرآني، الحكاية الشفوية مع الشعر والزجل. ومن بين كل هذه المرجعيات، يظل النص القرآني الأكثر حضورًا وتفاعلاً، ليس كخطاب ديني فحسب بل كطاقة بلاغية وصورية تُنعش السرد، وتمنحه كثافة إيقاعية ورمزية، وتُعيد ربط اليومي البسيط بالأفق الكوني. هنا يقترب النص من ما يسميه أدورنو في «المينيمورا» بـ الشذرة-الفكر، أي تلك القطعة النصية الصغيرة التي تدمج التجربة الفردية بالبعد الفلسفي أو القيمي، دون أن تخضع لبنية نسقية شاملة.
وهكذا، يتجسد النص كتاريخ شخصي/جماعي لبطل امتهن التدريس بحب في قرى وجبال نواحي إيمينتانوت في بداية مشواره المهني، وصولاً إلى سنوات ما قبل التقاعد في برشيد.
و بين 1982 و2017، يمتد زمن الحكاية متشظيًا، محمّلًا بالسياسة والنقابة والهموم النضالية و القيمية والفكرية، دون أن يُروى في خط متصل، بل عبر شذرات أشبه بقطع فسيفسائية. كل شذرة تفتح نافذة على حدث أو محنة أو لحظة تأمل، بحيث تصبح الكتابة الشذرية هي الشكل الأكثر مطابقة لزمن معيش مفكك، وزمن مهني/نقابي/سياسي /وجودي لم يعرف انتظامًا قط.
إن "أريج الطباشير" بهذا المعنى ليس سيرة ولا رواية خطية، بل هي كتابة شذرية لمقاومة النسيان، كتابة تُبقي التجربة مفتوحة على اللااكتمال، تمامًا كما وصف بارت الشذرة بأنها: "شكل من أشكال الأثر، لا يريد أن يغلق نفسه في المعنى".
وإذا بدت "أريج الطباشير" لعبد اللطيف صردي روايةً أحادية الصوت في ظاهر بنيتها، فإن هذا الصوت المونولوغي سرعان ما ينفتح في العمق على تعددية غير مباشرة، تتشكل لا من خلال الحوار الصريح أو الأصوات المتجاوبة كما عند باختين، بل من خلال البياضات والصمت والانقطاعات التي تتركها الكتابة الشذرية.
فالكتابة المقطعية تجعل النص يتوزع إلى مقاطع منفصلة، غير مرتبطة بروابط سببية أو منطقية، وهو ما يخلق فراغات يتسلل منها صوت الغياب وصمت الحضور؛ أي التعدد الذي لا يُقال ولكنه يتردد في الهوامش حيث الفيافي والجبال ،و هذا ما يحوّل المونولوغ إلى نوع من البوليفونية الصامتة.
ويتجسد هذا التوتر في العلاقة بين الكلام (الإلقاء، الأداء الشفهي، سلطة النص القرآني النموذجي) والكتابة (الانحناء على البياض، البطء، الخشوع الذي يطلبه الشيخ الوقور: «أين الخشوع يا أستاذ؟»)،و هنا تتحول الرواية إلى مختبر لصراع بين الشكل والجوهر، بين الترديد الآلي والصمت الباحث عن معنى عميق.
ويبلغ هذا التوتر ذروته في المشهد التعليمي، الأستاذ يأمر التلميذ بمسح السبورة، لكن التلاميذ لا يفهمون، فيرددون الكلمة دون فهم معناها،إذ يقف حاجز اللغة بين العربية والأمازيغية بينهم ، ولا يتم تدارك هذه الفجوة إلا عبر "ترجمان" من الهامش ،تلميذ في الصف الأخير تعلم العربية من خلال عمله مع بقال للمواد الغذائية.
هذه الوساطة اللغوية الهشة تكشف عن تعدد أصوات غير مسموعة، لكنها تتحرك في النص من خلال سوء الفهم، الترجمة الجزئية، الصمت الذي يتخلل الخطاب.
ومن هنا تكتسب عبارة "امسح السبورة" وظيفة رمزية عميقة، إنها ليست مجرد أمر للتلاميذ، بل هي درس في الكتابة، حيث الكتابة لا تُفهم إلا في جدليتها مع المسح، فكل كتابة تحتاج إلى أن تُمحى كي تُكتب من جديد، وكل كتابة تُصبح ممكنة بفضل السبورة التي لا تحتفظ إلا بالأثر المؤقت، فالمسح إذن ليس إلغاءً بل شرطا للمعاودة، شرطا لتحرير الكتابة من سلطة الترديد الصوتي.
وهذا ما يجعل العنوان "اريج الطباشير" دالًا بهذا المعنى، فالطباشير، بما هو أداة للكتابة السريعة الزائلة، يترك أثرًا هشًا لكنه يفتح إمكانات لا نهائية للمحو وإعادة الكتابة.
إن "أريج الطباشير" هو عطر الزوال نفسه، العطر الذي يرافق كل كتابة وهي تُمسح لتفسح المجال لأخرى، أي أن المعنى لا يتحقق إلا في فعل متكرر من الكتابة؛ المسح؛ الكتابة.
وفي المقطع السردي الموسوم بـ "غسل الميت"، يعترف السارد صراحة بقوله: «ظللت حريصًا على استظهار مادة القرآن دون تفسيرها باعتبار ملكة الاستظهار مهارة مهمة في عالم قروي... كان الأمر يبدو متناقضًا أشد التناقض لدى من درسوا معي. كيف لشيوعي أن يلزم تلامذته ويشدد في استظهار المادة...» (ص 48). هذا الاعتراف يكشف عمق المفارقة، فالاستظهار (كلام/صوت/حفظ) يُمارس بوصفه قيمة مجتمعية، لكن المعنى الحقيقي يُبحث عنه في مكان آخر، في الكتابة، البلاغة، الطاقة الأدبية الكامنة في النصوص النموذجية، هنا يتحول الإلقاء القرآني من سلطة مغلقة إلى مخزون بلاغي مفتوح، يسمح بتحرير المعنى عبر الكتابة، لا عبر الترديد.
يمكن في هذا السياق استدعاء ما أضاءه رولان بارت وهو يقرأ كوينتليانوس في فعل الكتابة،حيث يقول في كتابه البلاغة القديمة(ص 54/55) ترجمة وتقديم عبد الكبير الشرقاوي : " حين درس كوينتليانوس المجازات والصور البلاغية(الكتاب الثامن إلى العاشر من مصنفه)،فقد وضع نظرية أولى لفعل الكتابة، فالكتاب العاشر موجه لمن يريد أن يكتب، كيف بإمكانه، الحصول على السهولة الممتنعة (firmament facilitas) اي كيف التغلب على العقم المتأصل ، ورعب الصفحة البيضاء (السهولة) ومع ذلك ،قول شيء ما،وعدم الاستسلام إلى الثرثرة والهذر والسيولة (الممتنع)؟رسم كوينتليانوس خطاطة لتحضير اولي للكاتب ،تلزم القراءة والكتابة بكثرة،ومحاكاة النماذج (القيام بمعارضات)،والتصحيح المستمر والمكثف لما يكتب، ذلك التصحيح لايتم الا بعد مدة يترك فيها العمل "راقدا" ،وجودة الاختتام، ولاحظ كوينتليانوس أن اليد بطيئة وان ل"الفكرة "والكتابة سرعتين متفاوتتين (إنها مشكلة سريالية:كيف التمكن من كتابة سريعة سرعة...الكتابة نفسها؟)؛غير أن بطء اليد شيء نافع، فلا ينبغي الإملاء، وعلى الكتابة أن تظل مرتبطة لا بالصوت، بل باليد، بالعضل، الاطمئنان إلى بطء اليد ، والامتناع عن مسودة عجلى".
ان رولان بارت، وهو يقرأ كوينتليانوس، يبرز مفارقة أساسية، الفكرة سريعة، واليد بطيئة، هذا التفاوت يولد "رعب الصفحة البيضاء" والبحث عن السهولة الممتنعة.
في "أريج الطباشير"، نجد هذه المفارقة وقد تحولت إلى دراما سردية، فالشيخ الوقور يسأل الأستاذ «أين الخشوع يا أستاذ؟». هنا الخشوع ليس سوى وعي ببطء اليد أمام سرعة النص النموذجي (القرآن، الإلقاء، الصوت) ،فالكتابة ليست مجرد ترديد، بل انحناء على البياض، أي مقاومة للإملاء الصوتي.
و كوينتليانوس يرفض أن تكون الكتابة مجرد إملاء، فهي ليست خاضعة للصوت، بل لليد.
وفي الرواية، يتجسد هذا المبدأ في التوتر بين الإلقاء الشفهي (تلقين القرآن، أمر الاستاذ التلميذ بمسح السبورة) والفعل الكتابي البطيء (الكتابة الشذرية، الصمت، البياض)، حيث الكتابة هنا تنفلت من سلطة الصوت الأصلي، لتدخل مجال اليد البطيئة التي تُدخل التقطيع والشذرية، أي تُمكّن من "التعددية الصامتة" التي أشرنا إليها.
حيث كوينتليانوس يشدد على ضرورة أن يُترك النص "راقدًا" قبل مراجعته، أي أن الكتابة تحتاج إلى زمن صامت كي تنضج.
وفي رواية "أريج الطباشير" للكاتب عبد اللطيف صردي ، نجد أن الصمت والبياض بين المقاطع السردية يشبهان هذا "الرقاد" ،إنهما المسافة التي تجعل من النص أكثر من مجرد مونولوغ ، وزمن مخفي يُحوّل النص من كلام مباشر إلى كتابة متأملة.
كما ان السهل الممتنع عند كوينتليانوس يعني: قول شيء ما دون أن يكون لغوًا أو ترديدًا أجوف.
وهذا ما يتجسد في الرواية، الاستاذ يؤدي (سطحًا/كلامًا)، لكن السؤال «أين الخشوع؟» يفضح نقص العمق، وهذا ما يجعل الكتابة الشذرية بدورها تحاول استعادة هذا العمق عبر الإنصات للصمت، أي عبر تحقيق "السهولة الممتنعة" من داخل التوتر بين الشفهي والكتابي.
ويمكن القول إن رواية "أريج الطباشير" تعيد تفعيل الإشكال الذي طرحه كوينتليانوس كما يقرأه بارت:
سرعة الفكرة = سلطة الإلقاء الشفهي/النموذج القرآني.
بطء اليد = الكتابة الشذرية/البياض/الصمت.
السهولة الممتنعة = التوتر بين السطح المونولوغي والعمق البوليفوني الصامت.
وبهذا تصبح الرواية بمثابة تجربة بلاغية وجودية تعيد التفكير في علاقة الكتابة بالكلام، في هشاشة اليد أمام سرعة الفكرة، وفي الصمت كشرط لتعددية خفية تنبثق من تحت سطح المونولوغ.
الفكرة سريعة، اليد بطيئة، والكتابة لا تُحتمل إلا بانحناء على البياض وبخشوع للصمت الذي يُنضج النص. والرواية"اريج الطباشير" تعيد تفعيل هذا الإشكال ،فالكلام سريع ومهيمن، لكنه مهدّد بالسطحية؛ بينما الكتابة البطيئة الشذرية، بتقطيعها وبياضاتها وصمتها، تحاول أن تحقق "السهولة الممتنعة"، أي أن تقول شيئًا من العمق وسط مقاومة الترديد.
وهنا يتضح أن التوتر الذي يشتغل عليه النص بين سلطة الكلام وحرية الكتابة يجد إضاءته الأعمق في مفهوم التهجين اللغوي كما صاغه باختين، فالتهجين ليس مجرد اجتماع لغتين (العربية والأمازيغية) أو خطابيْن (الديني/الأدبي)، بل هو التماسّ بين خطابات متغايرة يتولد عنه معنى جديد لا ينتمي لأيٍّ منها بشكل خالص.
فـ"امسح السبورة" ليست مجرد حركة تعليمية، بل علامة هجينة، بين أمر سلطوي (صوت) وممارسة كتابية (مسح/إعادة كتابة)، بين إرث ثقافي ثقيل ورغبة في تحرير الكتابة.
وبهذا المعنى، تصبح "أريج الطباشير" نصًا هجينيًا بامتياز، فالطباشير رمز للكتابة الزائلة، للكتابة التي لا تترسخ إلا بمقدار ما تُمحى، أي للكتابة التي تُقيم داخل المفارقة بين الصوت والبياض ،وهذا هو جوهر التهجين الباختيني، أن يولد المعنى الجديد لا من سلطة خطاب واحد، بل من التوتر الحي بين خطابات متغايرة، بين ما يُستظهر وما يُمحى، بين ما يُقال وما يُصمت عنه، بين الصوت والكتابة.
وهكذا، تتحول الرواية إلى فضاء للحرية، لا تكتفي بالانصياع لسلطة الكلام النموذجي واشكال التسلط المختلفة ، بل تُدخله في حوار داخلي صامت مع الكتابة، ليظهر في العمق معنى آخر، معنى التهجين الذي يفتح أفقًا للتعدد، ويعيد للكتابة خشوعها، لا بوصفه خضوعًا، بل بوصفه إنصاتًا لبطء اليد وزمن المعاودة.
ان الإشارة في النص إلى هدوء السارد وإتقانه لفن الإنصات منذ الطفولة، يمكن أن يمنح التحليل بعدًا إضافيًا، لأنها تُظهر أن التعددية الصوتية في الرواية ليست مجرد تقنية سردية، بل هي صفة في وعي السارد نفسه، فالإنصات يعني فسح المجال للآخر، للإصغاء إلى الصمت، الهامش،الطبيعة ولما لا يقال، وهكذا يتصل الإنصات بالتهجين اللغوي وتعدد المعنى، وبالتحرر من سلطة الكلام الموروثة (إلقاء النص القرآني)، نحو كتابة تسمح للمعنى بأن يتشكل عبر المسافة والفراغ والإنصات.
وبهذا المعنى، يتبدى السارد ـ الأستاذ نفسه ـ كامتداد لهذه البنية السردية الهجينة؛ فهو يعترف بصفته «هادئًا ويتقن فن الإنصات منذ أن كان طفلاً».
هذه السمة ليست مجرد ملامح شخصية،في رواية امتهن فيها البطل مهنة التدريس بل تتحول إلى موقف وجودي وسردي ،فالرواية لا تقوم على سلطة الصوت الواحد بل على إصغاء متواصل للأصوات الأخرى، حتى تلك التي لا تنطق.
ان الإنصات هنا يكمل التهجين اللغوي، ويعمق التعدد الصامت، لأن ما يُسمع ليس دائمًا ما يُقال، وما يُكتب لا يساوي ما يُلقى.
في رواية "أريج الطباشير" يتبدى فعل الكتابة باعتباره تحررًا من سلطة الكلام الموروث، حيث يتحول الأمر البسيط «امسح السبورة» إلى ما يشبه درسًا في الكتابة ذاتها، كتابة تقوم على المعاودة، المحو، وإعادة التشكل.
إننا هنا أمام انتقال من النص الأصل/النموذج ـ القرآن بوصفه مصدرًا أول للثقافة العربية الكلاسيكية وملكة الاستظهار ـ إلى ممارسة جديدة تضع المعنى موضع انفتاح، فلا يُحفظ لذاته بل يُعاد تداوله في فضاء الكتابة،وفي هذا السياق، يبوح السارد باعتراف دال: «ظللت حريصًا على استظهار مادة القرآن… باعتباره خطابًا أدبيًا غزير الصور، وغني البلاغة…»(ص 48). هذا الاعتراف يرسّخ من جهة الازدواجية والتهجين ، شيوعي يصرّ على التلاميذ في استظهار القرآن، حيث النص المقدس يتحول إلى مادة لغوية/بلاغية تثري الخيال، وتتجاور فيه سلطة المقدس مع حساسية نقدية يسارية، ليولد فضاء كتابي متعدد الدلالات.
لكن هذا التهجين لا يقتصر على النص وحده، بل يتجسد في السارد نفسه، فهو يعترف بصفته «هادئًا ويتقن فن الإنصات منذ أن كان طفلاً».
والإنصات هنا ليس مجرد صفة شخصية، بل موقف وجودي وسردي: الإصغاء للآخر، للصمت، للهامش، ولما يُحجب عن القول، هكذا يتشكل المعنى العميق في الرواية لا من الصوت المفرد، بل من التعدد الصامت، من فسح المجال للغة كي تتناسل لا كإلقاء أو استظهار، بل ككتابة تُصغي وتعيد تشكيل ذاتها باستمرار، وهكذا يلتقي الإنصات مع فعل مسح السبورة، ومع البطء الذي تحدّث عنه بارت، حيث المعنى يترسّب في المسافة بين القول ومحو القول، بين الذاكرة واليد، بين سلطة الاستظهار وحرية الكتابة.
يمكن القول إن تجربة "أريج الطباشير" تقدّم لنا نموذجًا مغايرًا للكتابة، حيث النص ينفتح من داخل شكله المونولوغي على تعددية صوتية، ويؤسس لمسافة نقدية مع الموروث الثقافي الذي طالما حكم الذاكرة الجماعية تحت سلطة الأمر والنهي. إنّها كتابة تُمارس فعل التحرر عبر الشذرة، التهجين، وعبر استدعاء أصوات متنافرة تتحاور بدل أن تنصهر في وحدة مغلقة.
ان الكتابة في أريج الطباشير ليست مجرد سيرة تُروى، بل هي فعل انعتاق بطيء من أسر الكلام الموروث،حيث في الظاهر صوت واحد يسرد، وفي العمق أصوات تتزاحم، تتنافر أحيانًا وتتناغم أحيانًا أخرى،ذلك ان هناك توتر دائم في النص بين الوحدة والتعدد، بين سلطة القول وأفق المعنى، بين السبورة التي تُمسح والكتابة التي تعود لتترك أثرًا لا يُمحى.
ومن هنا، تبدو الكتابة كتمرين على الإصغاء أكثر منها على التلفظ؛ إصغاء يفتح النص على الذاكرة، المثل والحكايات، الشعر-الزجل والنص القرآني، دون أن يستسلم لسلطتها، بل ليتحوّل إلى فضاء للاشتباك معها.
إنّها كتابة لا تدّعي الكمال، بل تصرّ على الشذرة، على التقطّيع، على بقايا الطباشير التي تتطاير كغبار حرّ.
وبهذا المعنى، تصبح الكتابة عند صردي فعل مقاومة مضاعف، مقاومة سردية تُزعزع وهم الانسجام الشكلي، ومقاومة رمزية تُعيد توزيع السلطة بين الذاتي والجماعي ،ولعل قيمة هذا النص تكمن في كونه لا يقدّم مجرد سيرة شخصية، بل يفتح أفقًا للتفكير في السيرة في قالب الرواية كفضاء للصراع الرمزي، حيث يتقاطع الحميمي مع السياسي، والفردي مع الجماعي، والذاتي مع الكوني.
إنّ أريج الطباشير ليست مجرد عودة إلى الذات ، بل هي فعل حضور في الكتابة، حضور يلتقط عبر التوتر بين الأحادي والمتعدد، بمعنى أن تكون الكتابة نفسها مقاومة للاندثار ومقاومة للكلام الذي لم يعد يملك شرعية إطلاق الأحكام، وهنا يلتقي النص مع ما ذهب إليه أدورنو حين اعتبر أن "التفكير في الشذرة هو تفكير ضد الاكتمال القسري"، أي ضد أي شكل من أشكال السلطة التي تدّعي الاكتمال، وهنا بالذات تكمن قوة النص في أنّه يجعل من الذاكرة كتابة، ومن الكتابة مقاومة و المقاومة أثرًا لا يُمحى.
وفي المقطع السردي الختامي في رواية " أريج الطباشير" لا يُقدَّم كخاتمة مغلقة أو ملخص عابر، بل يتخذ شكل عودة إلى الأصل البعيد، وفتح على تاريخ طويل من الألم والتحول، فمنذ الجملة الأولى، يفتتح السارد نبرته الأخيرة باستدعاء الأصل الذي يتجاوز الفرد ليعيد وصل الحاضر بالذاكرة الكونية، حيث يقول: «أنا الإفريقي المثخن جراحًا…». هذا الأصل البعيد لا يمثل حنينًا إلى ماضٍ ساكن، بل استدعاء لكلام مؤسس، يشهد على تواريخ عنف وعبور، وعلى طبقات من الذاكرة الممتدة في الجسد واللغة.
يتجلى هذا الأصل عبر رموز ووجوه متنوعة: الفينيقيون، المجدلية، الكاهنة، ابن خلدون، الطوارق، الأمازيغ، الغجر، الخوارج، والثوار، فهذه الأسماء ليست مجرد علامات ماضٍ غابر، بل طاقة كونية تحملها الكتابة إلى الحاضر، لتقول إن الفرد لا يكتب سيرته إلا وهو يعيد إنطاق الكلام الأول، لكن بلغة حرّة، اعترافية، ومتمردة، تنزع عنه صفة القداسة وتمنحه إمكان المقاومة.
حيث على مستوى الأسلوب، يهيمن الإيقاع التعدادي التراكمي: سرد متواصل للأسماء والصور المتنافرة (الملح، التوابل، الخيول، البيداء…) تتعاقب بلا فواصل صارمة، في مونولوج كوني يمحو الحدود بين الأسطورة والتاريخ، المقدس والمدنس،و هذا التراكم الأسلوبي يعكس توترًا بين سلطة الكلام الموروث (النصوص الدينية، التاريخية،الأدبية،الأسطورية) وحرية الكتابة التي تستعيده وتعيد تركيب أصله بجرأة شعرية.
يتطور المقطع عبر انزياح من ضمير الأنا الفردية إلى ضمير الأنا الجماعية، فالسارد لا يتحدث عن ذاته وحدها، بل عن "سلالة" تمتد من الطوارق والأمازيغ والغجر إلى الخوارج والثوار،حيث هذا الاتساع يمنح السيرة بعدًا تعدديًا جماعيًا، حيث تتحول الذات إلى مرآة للتاريخ الإفريقي والعربي المقاوم، وتتسرب الرموز الإفريقية والعالمية الثورية : مانديلا، عمر المختار، سانكارا، فانون إلى وجدان الطفل/المتعلم، مكوّنة خلفيته الوجدانية والنضالية.
في قلب هذه التجربة، تتحول المدرسة إلى استعارة كبرى، فهي ليست مجرد فضاء للتعلم بالطباشير، بل مختبر لتشكل الوعي السياسي والفكري؛ الطباشير، برائحته وأريجه لا يبقى أداة مدرسية محايدة، بل يصير رمزًا للكتابة الأولى، للذاكرة الأولى، وللوعي الذي يتفتح في صفوف الدراسة على وقع كلمات الأستاذ، ومن هنا تأتي العبارة المدهشة: «سبورتي النقابية»؛ فالسبورة ليست سطحًا أبيض محايدًا، بل جدارًا أوليًا نُقشت عليه البدايات، وتحولت مع الزمن إلى لوحة للنضال، منصة لتجريب الكلام الحر، وحائط أول لوعي نقابي وسياسي يرافق السارد في مساره كله،ذلك ان التكرار الصوتي والرمزي (مدرستي/سبورتي) يربط التعلم بالنضال ، والطفولة بالنضج السياسي، فيصبح الطباشير استعارة للكتابة نفسها؛ كتابة هشّة قابلة للمحو وإعادة الصياغة، أي حرية التشكيل المستمرة.
وفي الصفحة الأخيرة، ينزاح السرد إلى لغة الكثافة والصرامة، حيث تختفي الأسماء الرمزية المضيئة لتظهر صور النزاعات، الدم، ختان النساء، بوكو حرام… هنا يبقى جسد إفريقيا مثخنًا بالجراح، مكتوبًا بالدم كما كتب بالطباشير، و يتحول الأسلوب من الشعرية الخطابية إلى التقريرية الجافة، ليواجه القارئ بحقيقة القارة دون صور بلاغية، في توتر بين أمل الحرية وقسوة التاريخ.
وهكذا، يقوم المقطع الختامي على ثلاثة محاور أسلوبية ودلالية متكاملة:
1. التعداد التراكمي: الذي يفتح النص على الذاكرة الكونية، بين الفرد والجماعة، بين الماضي والحاضر.
2. التكرار الصوتي والرمزي:الذي يربط المدرسة بالنقابة، الطفولة بالنضال، ويحوّل الطباشير والسبورة إلى استعارات للكتابة والتحول السياسي.
3. الانتقال من الشعرية إلى التقريرية: الذي يعكس الانزلاق من الحلم إلى مواجهة الواقع، من الاعتراف الفردي إلى الجسد الجمعي.
وفي النهاية، يصبح الاعتراف الأخير: «شكرا مولاتي إفريقيا، أنت مدرستي وسبورتي النقابية» كعنوان للمقطع السردي الختامي ، إعلانًا أسلوبيًا ودلاليًا معًا، إنه ليس مجرد شكر، بل صياغة بلاغية لسيرة لا تنفصل فيها الكتابة عن النضال والمقاومة، الفرد عن الجماعة، ولا الأصل الموروث عن حرية إعادة كتابته، حيث الجرح والمقاومة وجهان لسيرة واحدة، متصلة بالطفولة، بالنضال، وبذاكرة القارة بكل تناقضاتها.
المراجع:
- المثن: عبد اللطيف الصردي ،رواية "اريج الطباشير "،المطبعة دار القرويين-الدار البيضاء، الطبعة الاولى 2021.
2. Roland Barthes, Fragments d’un discours amoureux. Paris: Seuil, 1977.
3. Maurice Blanchot, L'Écriture du désastre. Paris: Gallimard, 1980.
4. Theodor W. Adorno, Minima Moralia. Réflexions sur la vie mutilée. Trad. Éliane Kaufholz & Jean-René Ladmiral. Paris: Payot, 2003.
4. رولان بارت، البلاغة القديمة، ترجمة وتقديم عبد الكبير الشرقاوي، الدار البيضاء: دار توبقال، 1985.
5. Mikhaïl Bakhtine, Problèmes de la poétique de Dostoïevski. Trad. Guy Verre. Paris: Seuil, 1970.
6.كيليطو عبد الفتاح. الأدب والغرابة: دراسات بنيوية في الأدب العربي. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى 1982.

