يقول الكاتب الروائي والفيلسوف اليوناني نيكوس كازانتزاكيس: «إنّ القاعدة الغامضة في مسار التاريخ البشري لا تخطئ: في البداية؛ الشر هو الذي ينتصر، وفي النهاية خسارته حتميّة. لكن ما بين الخسارة والانتصار، الطريق طويل، شاقّ، مليء بالعذاب والألم والدماء، وأكفان الأطفال البيضاء، التي ترشح منها الدماء«.
يؤكد المؤرّخ الإسرائيلي إيلان بابيه: «إنّ فهم جوهر الصراعات يكمنُ في التاريخ، لأنه يوفّر الفهم الحقيقي غير المتحيّز للماضي»، كما أنّ تشويه التاريخ أو التلاعب به «يؤزّم المشهد ويجعله أكثر تعقيداً وبعيداً عن الحل». ويقرّ بأنّ تشويه التاريخ يشجّع على انتشار الاضطهاد، ويحمي نظام «إسرائيل» الذي يصفه بالاستعماري والاستيطاني. ليست هذه الشهادة الوحيدة لكبار المؤرّخين اليهود.”
إذا أردنا أن ندرك ماهيّة الأسباب التي ولدت في الماضي، وأدّت إلى النتائج التي نعيشها ونختبرها اليوم، لا سيما ما يتعلق منها بالوضع الدولي السيئ والوضع الداخلي القلق للأمم، فإنه يجب دراسة التاريخ لأن التاريخ يكرّر نفسه دوما ً، لأنّ هدف الصراع المستمر ما انفكّ أبداً هو نفسه منذ أزمنة سحيقة، ونعني به الصراع الدائم القديم بين قوى الخير وقوى الشر للسيطرة على العالم.
الذي حدث هو أنّ كلاًّ من قوى الخير والشر انقسمت بدورها إلى جهات عديدة – ولا تزال – وهي تتوزع بين هذه الجهات التي تصارع كل منها جهة من الفئة المعاكسة، وتعمل على حدة في سبيل بلوغ الهدف الذي تسعى إليه الجبهة التي تنتمي إليها.. تتناهى إلى الجماهير هذه الخلافات في الرأي بين هذه الجهات المختلفة عن طريق أجهزة الدعاية والإعلام، ولكن يغلب في هذه الأجهزة أن تستعمل إلقاء الأكاذيب أو نصف الحقائق إلى الجماهير عوضاً عن أن تنقل إليها الحقائق الكاملة غير المزيفة أو المنمقة المتعلقة بأية حادثة وبأي موضوع.
مناسبة الحديث عن التاريخ وتسليط الضوء على الأيادي الخفيّة التي تحرّك وتحبك المؤامرات ليل نهار ما يسمى رئيس حكومة العدو الصهيوني بنيامين نتنياهو، الذي يقرأ من أسفار التوراة عن العماليق ووجوب قتلهم من الطفل حتى الكهل ومن الشجر حتى الحجر، ولكن دون أن يرتدي (الكيباه) على رأسه كما يفعل الكثير من الصهاينة المتشددين.
بالعودة إلى التاريخ.. قفزت إلى الذاكرة جماعة اليهود المتمردة على رسالة موسى وهم جماعة «العجل الذهبي»، هذه الجماعة التي ما التفتت في يوم من الأيام إلى شريعة موسى وظلوا على عهدهم القديم بتأجيج المؤامرات وبثّ الفرقة في المجتمعات التي يسكنون بينها؛ إلى أن وصلت بهم الأمور بالتحديد إلى القرن السابع عشر، حيث عاش رجل دين مسيحي وأستاذ لعلم اللاهوت في جامعة (انغولدشتات) الألمانية يدعى (آدم وايز هاوبت) بيد أنه ارتدّ عن المسيحية ليعتنق الإلحاد وتقمّصت فيه روح الشر الإلحادية بشكل خبيث.
وجد كبار المرابين اليهود في ألمانيا بغيتهم فيه، حيث كلّفوه بمراجعة بروتوكولات حكماء صهيون القديمة وإعادة تنظيمها على أسس حديثة بهدفِ وضعِ خطة للتمهيد لكنيس الشيطان للسيطرة على العالم عن طريق فرض عقيدة الإلحاد والشر على البشر جميعاً، أو على الأصح على من يتبقّى منهم في حال نجاح المؤامرة في تدمير المجتمعات والشعوب والأمم وإثارة المجازر والمذابح والثورات وإقامة الأنظمة الإرهابية الدموية وتخريب الحكومات القائمة على مبادئ الخير والعقائد الصحيحة.
نتنياهو يعتبر نفسه وريث وحامل راية الخير بوجه العالم الذي يشك بأحقية «إسرائيل» في العيش. وبالتالي فإن النظرة للحوييم أي من غير اليهود، تبقى ثابتة من وايزهاوبت إلى نتنياهو، ولا أبالغ في أن الصهيونية العالمية استطاعت استيلاد الشيوعية مقابل النازية وأنّها وآلتها الإعلامية من روّجت للإلحاد الأحمر (الشيوعية) والأزرق (النازية) بعد أن تشرّبوا من تعاليم وايزهاوبت ووصاياه المدوّنة في كتب كثيرة.
يعني ذلك أن نتنياهو (لوسيفر) حامل الضوء أو النور باللغة اللاتينية، وعليه فإن العالم بأمسّ الحاجة إليه في الوقت الراهن لأنه «المخلّص» والمنقذ من الشر القادم من الشرق، وأدواته معروفة مسبقا ً المعاداة للسامية، وأعداء الحضارة مع بروز مصطلح، «الحيوانات البشرية» الذي وصف به المقاومة الإسلامية في قطاع غزة، مع توجيه النصائح للدول الأوروبية بمساندته ودعمه بالقضاء عليها لأنها ستصل واشنطن ولندن وباريس في حال انتصرت حسب زعمه.
اعتقد نتنياهو بعد الصدمة التي شكلتها المقاومة الفلسطينية يوم السابع من أكتوبر 2023 والتي أسمتها ‘‘طوفان الأقصى’’ أن الفرصة سانحة للتخلص نهائيا ً من المقاومة وبالتالي أقدم على عملية برّية خاف منها رئيس العدو السابق أرئيل شارون وانسحب دون اتفاق مخلفا ً وراءه المستوطنات والمستوطنين الذين هربوا بقضهم وقضيضهم؛ وذلك نتيجة للضربات القوية التي تلقاها من المقاومة الباسلة التي لقنته درسا ً في العلوم العسكرية واللوجيستية.
مغامرة نتنياهو في القطاع لم تكن وليدة الحسابات العسكرية الدقيقة والتباين في العدة والعتاد، إنما لحسابات الهروب من المساءلة والمحاكم التي تطارده ليل نهار. أما اليوم ومع اقتراب الحرب من سنتها الثانية ومع الإقرار والقناعة بالفشل العسكري الواضح، والذي أكده رئيس الأركان المُقال هريتسي هاليفي وجنرالات عدة بصعوبة القضاء على المقاومة في غزة، وآخرها تحفظات رئيس الأركان الحالي إيال زامير، وتقاريره التي لم يؤخذ بها عند نتنياهو والتحالف المتشدد، والتي أشار من خلالها باستحالة القضاء والتخلص نهائيا ً من الحركات التحررية، وأن الأمر يحتاج إلى سنوات ومزيدٍ من الصبر والمصابرة!
وكان نتنياهو قد قال خلال مقابلة مع قناة "آي 24" الإسرائيلية الثلاثاء 19/8/ 2025"أشعر أنني في مهمة تاريخية وروحانية، وأنا مرتبط عاطفياً برؤية إسرائيل الكبرى". يتحدث عن أمنياته وأسماره، وكأنه تخلص من المقاومة متناسيا ً العناوين التي انتقاها للرد على المقاومة بدءا ً من السيوف الحديدية، ومرورا ً بعربات جدعون الأولى وليس انتهاء بعربات جدعون الثانية التي يريد من خلالها احتلال مدينة غزة وتهجير أهلها إلى الجنوب.. على كل حال له الأحلام ولنا الواقع الذي يسجل التاريخ لأول مرة بتجاوب العالم مع المظلومية الفلسطينية، وامتعاض الكثير من الدول الغربية من السياسات الإجرامية الصهيونية، ناهيك عن الاعترافات المقبلة بالدولة الفلسطينية وهذه المرة من فرنسا وبريطانيا وأستراليا والكثير يسير على نفس النهج.
إن نتنياهو وزمرته اليمينية المتشددة تسير نحو الهاوية بالرغم من الإعلان عن المزيد من المستوطنات المزمع قيامها في الضفة الغربية وفصل شمالها عن جنوبها وقتل الأمل بالدولة الفلسطينية، إلا أن هناك أملاً وواقعاً جديداً تفرضه المعادلة الفلسطينية المتمسكة إلى الآن بالحقوق الشرعية والتزامها الأخلاقي بالحرب وتكذيب الرواية الصهيونية غداة الهجوم الأسطوري على غلاف غزة بقطع الرؤوس وقتل الأطفال والاغتصاب والكثير من الأكاذيب لحرف العالم عن الحقيقة الساطعة التي تتمتع بها المقاومة.
أراد نتنياهو أن يلقي حجراً في المياه الراسبة، وأراد أن يهدد المنطقة برمتها من الغضب الإسرائيلي القادم بعد إدراكه المطلق بفشل عملية التطبيع مع المملكة العربية السعودية التي اشترطت بقيام الدولة الفلسطينية قبل هذا الإجراء.. ونتنياهو تعهد للشركاء في الحكومة بعدم قيام الدولة الفلسطينية طالما بقي في السلطة؛ إذا ً ما العمل؟
الكي آخر العلاج؛ القفز على الأحلام الدينية والأراجيف والخزعبلات والأوهام الصهيونية التي تعشش في مخيلتهم.. ‘‘إسرائيل الكبرى’’ فيها بعض الدول العربية ونهر الفرات والنيل؛ تقديم الخطة (د) على الخطة (ب) وذلك للضرورة القصوى وتحرير نتنياهو من الهواجس بحل حكومته وإخضاعه للمساءلة والمحاكمة أو على بالحد الأدنى تأجيلها برسم الحروب القائمة.
يبدو أن نتنياهو فقد البوصلة، وبالتالي أصبح عقدة في طريق الحل والتفاوض، واعتراف رئيسة وزراء الدنمارك (مته فريدريكسن) مشددة على قناعتها الراسخة بأن نتنياهو يمثل مشكلة بحد ذاته. بالإضافة إلى تهديدات ذوي الرهائن الذين فقدوا ثقتهم بنتنياهو وحكومته الفاشية وقناعة العالم التي تزداد يوما ً بعد يوم بأن الحكومة الصهيونية الفاشية أسوأ مجموعة بشرية على وجه التاريخ واصطفاف الكثير من الدول مع جنوب أفريقيا ودعوتها إلى محاسبة المجرمين بحق الشعب العربي الفلسطيني وارتكابهم مجازر بشعة وإبادة حقيقية للبشر والحجر والشجر.
نتنياهو وجوقته المجرمة لن تفلت من العقاب، وبالتالي فإن الممارسات التي يمارسونها و‘‘البربوغاندا’’ التي يحاولون اللعب على حبالها تارة بالانتقام وحق الدفاع عن النفس وتارة بالوعود الإلهية الكاذبة، وحتى معاداة السامية أصبحت كالنكتة القديمة التي لا تحرك ساكناً عند سامعيها بل يصابون بالاستهجان والضحك لهول ما شاهدوه من جرائم وقتل للأطفال والشيوخ والنساء.. هل يرضى رب العالمين بقتل طفلة تحمل الماء لأهلها ولا تحمل سلاحا ً تهدد به الكيان الغاصب؟

