Menu

حرب نتنياهو أم حرب المشروع الصهيوني؟

موسى جرادات

نشر في مجلة الهدف العدد (74) (1548)

في خضم الحرب الدائرة رحاها على غزة ، منذ ما يقارب من عامين ، برزت معضلة شديدة التعقيد حاول الخبراء وصناع القرار تقديم مقارابات عملية ومنهجية لها ، وتتلخص هذه المعضلة في عدم قراءة مسرح الحرب من منظور شامل. وبتنا أمام مقاربات تقزيمية في قراءة الحرب ، تختصرها مقولة إنها حرب نتنياهو بهدف بقاءه السياسي ومواصلة الحكم والتهرب من المحاكمات بتهم الفساد.

هذه المقاربة التي تتداولها وسائل الإعلام المختلفة ، حيث يحضر فيها المحللين "المهرجين " الذين يكررون نفس اللازمة في كل يوم .

والمدقق في هذه المقولة التقزيمية يرى بوضوح بطلانها ومع هذا ماتزال هي الرافعة الأساسية في تفسير ما يجري من أحداث.

الجواب هنا لا يتوقف عند بطلان تلك المقولة بل يتعداها ليصل إلى الأسباب الكامنة وراء استخدام تلك المقولة طوال عاميين ، والهدف منها هو التعمية عن قراءة المشهد بشكل شمولي ، فالحرب ليست حرب نتنياهو كما يود البعض تسميتها ، ولا هي حرب شخصية ، بقدر ماهي حرب توسعية شاملة بقيادة المشروع الصهيوني بوجه يميني متحالف مع الغرب ومتقاطع معه في الأهداف والمصالح .

وهذا المشروع كشف عن وجهه الحقيقي ، فلا تسوية ولا سلام في الأفق ولهذا نرى الكثير من المحللين وصناع القرار في بلادنا ، يحاولون التهرب من هذه الحقيقة، لأنها تلزمهم في التنصل والتخلي عم كل مقولاتهم بشأن إمكانية السلام مع هذا العدو . وتكشف عمق وضحالة استجابتهم لهذا التحدي الوجودي ، لهذا نراهم في كل يوم يحاولون رسم مسار الأحداث وفق منهجية ضالة ومضللة ، بغية بقائهم السياسي .

فهل هي حرب نتنياهو أم حرب الصهيونية ؟

من نافل القول إنها حرب المشروع الصهيوني الذي يعلن جهارا نهارا عن مكبوته المتضمن بناء إسرائيل الكبرى، سواء باحتلال مزيد من الأراضي العربية أو بفرض هيمنة ونفوذ على تلك الكيانات الضعيفة من حوله .

صحيح أن هذا التصور يلزمه الكثير من المقومات العملية له ، والذي تفتقده دولة الاحتلال اليوم ، إلا أنه ما يزال المهيمن على مجرى الأحداث ، فالمعلن من المستوى السياسي في دولة الاحتلال أصبح أكثر وضوحا ، وربما التناقضات الداخلية لا يمكن تجاوزها دون الإبقاء على تماس مباشر مع أسس المشروع الصهيوني ، والناظر اليوم لحال الحكومة اليمينية بزعامة نتنياهو، تجد نفسها أمام مفترق طرق ، إما الذهاب نحو المجهول ، أو الإنهيار .

لهذا نجد الحراك السياسي والمجتمعي للصهاينة منصب اليوم على فرملة عجلة التصور اليميني ، ليس رفضا للفكرة ، بقدر عدم القدرة على تنفيذها ، بغياب المقومات الاقتصادية والمجتمعية وإلى حد ما المقومات البشرية القادرة على تنفيذ هذا المشروع ، سيما أن كل الانتصارات العسكرية التي حققتها دولة الاحتلال وعلى أكثر من جبهة لم يتم استثمارها سياسيا ، فلم يعلن المهزوم الاستسلام بعد ، لهذا نرى التدخل الأمريكي الأوروبي الغربي ، في طرحه القائم على إنهاء المقاومة وتسليم السلاح مقابل تنمية لا تراعي مطالب الشعوب العربية بحدها الأدنى.

وحتى نقرأ المشهد بشكل واضح لا بد من ترتيب صور المشهد ، الآلة العسكرية الصهيونية تدمر ، والغرب يحاول الاستثمار السياسي ، والكيانات العربية ونخبها تحاول تدوير الزوايا ، عبر إخفاء محركات الصراع الفعلية من مسرح التحليل.

فقد أضحى نتنياهو جزءا أصيلا من مسرح حربي أوسع وأشمل ، وهو اليوم أداة منفذة من أدوات الغرب الأمريكي على وجه الخصوص ، ولن تنتهي حالته السياسية دون موقف أمريكي واضح ، فسقوطه وبقاءه اليوم لم يعد شئنا داخليا إنما الأمر يقر في واشنطن، وهناك مركز الشر العالمي ، مع ملاحظة بسيطة كاشفة بأن الحرب العالمية الأولى شرعية وجود دولة الاحتلال ، أما الحرب العالمية الثانية شكلت رافعة لإعلانها ، ولا بد من حرب عالمية جديدة، تعيد رسم حدودها الجديدة ، هذا هو التحدي الوجودي لنا ، فهل من مذكر! .