للتجاذبات الداخلية والإقليمية والدولية، ومع تراكم الأزمات، يبقى ملف سلاح المقاومة الأكثر إثارة للجدل في الحياة السياسية اللبنانية، بينما يعتبره بعض الأطراف عقبة أمام قيام الدولة، يرى آخرون أنّه ضمانة وطنية لا يمكن الاستغناء عنها في ظلّ ميزان القوى القائم في المنطقة.
أوّلًا: معادلة السّلاح والدّولة
المطالبة بنزع سلاح المقاومة تنطلق من مبدأ "حصرية القوة بيد الدولة"، وهو مبدأ مقبول نظريًا، لكن تطبيقه في الواقع اللبناني يصطدم بمعادلة صعبة: دولة ضعيفة وجيش محدود القدرات، مقابل عدو إسرائيلي يملك أحد أقوى جيوش المنطقة وأكثرها تطورًا، وبالتالي، فإنّ إسقاط هذه المعادلة على الواقع يعني ببساطة تجريد لبنان من عناصر قوته وتركه مكشوفًا للعدو الإسرائيلي، والسماح له بانتهاك سيادة الدولة اللبنانية، والقيام بأي عمل عدواني عندما تسنح الفرصة تحت حجة "الإرهاب"، ومن الممكن أن يتعدى الأمر أكثر من ذلك، وهو التمدد داخل لبنان واحتلال أراض فيه، وإقامة مستوطنات، وهو حلمهم بـ"إسرائيل العظمى" التي صرح عنها مؤخرًا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
لقد شكّل سلاح المقاومة على مدى العقود الماضية عنصر توازن وردع في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، ولولاه لكان لبنان عرضة لاحتلال دائم واعتداءات متكررة. إنّ التجربة التاريخية تؤكّد أنّ السلاح لم يكن عبئًا على لبنان بقدر ما كان مظلّة حماية، وأداة ضغط سياسية تمنح لبنان موقعًا تفاوضيًا أفضل.
ثانيًا: دروس من التّجربة الفلسطينيّة بعد عام 1982
من أهم الشواهد التاريخية على خطورة التخلي عن السلاح ما جرى بعد خروج الثورة الفلسطينية من بيروت عام 1982، وتسليمها سلاحها تحت ضغط الاجتياح الإسرائيلي، فبمجرد أن غابت المقاومة الفلسطينية المسلحة، وقعت واحدة من أبشع المجازر في تاريخ المنطقة: مجزرة صبرا وشاتيلا.
- في غضون ثلاثة أيام فقط (16-18 أيلول 1982)، ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي وحلفاؤها مجزرة مروّعة أسفرت عن استشهاد آلاف المدنيين من الفلسطينيين واللبنانيين العُزَّل.
- لم يكن هناك سلاح يحمي المخيمات أو يردع المهاجمين، فكانت النتيجة إبادة جماعية كشفت بوضوح أنّ التخلي عن السلاح لا يجلب الأمن، بل يفتح الباب للقتل الجماعي.
ولم تقف المأساة عند ذلك الحد؛ إذ تحولت المخيمات الفلسطينية بعد 1982 إلى ساحات مكشوفة:
- حرب المخيمات (1985-1989) تعرّضت المخيمات الفلسطينية في بيروت والجنوب لحصار خانق وقتال دموي، أسفر عن آلاف الضحايا المدنيين وتجويع السكان، وكل ذلك في ظلّ غياب قوة رادعة تحميهم.
- تل الزعتر (1976) رغم أنها سبقت خروج المقاومة، غير أنّها شكّلت مثالًا على أن المخيمات الضعيفة تسليحيًا تتحوّل إلى مسرح لمجازر بشعة، حيث قُتل الآلاف ودُمّر المخيم عن بكرة أبيه.
هذه التجارب تثبت أنّ التخلي عن السلاح لم يحقق للفلسطينيين الأمن ولا الاستقرار، بل جرّ عليهم سلسلة من الكوارث، وأثبت أنّ القوة وحدها كانت قادرة على ردع المعتدين.
ثالثًا: المقارنة مع تجربة المقاومة اللبنانية
في المقابل، فقد قدم لبنان منذ نشوء المقاومة الوطنية والإسلامية ضد الاحتلال الإسرائيلي، نموذجًا يؤكد ضرورة وجود السلاح بأيدي المقاومة، وهذا السلاح أدى إلى:
- التحرير عام 2000: أجبرت المقاومة إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان بعد 22 عامًا من الاحتلال، في إنجاز تاريخي لم يتحقق بفضل القرارات الدولية ولا المفاوضات، بل بفضل التضحيات والسلاح.
- حرب تموز 2006: شكّلت محطة مفصلية أكدت معادلة الردع، إذ فشل جيش العدو الإسرائيلي في تحقيق أهدافه، واضطر إلى التراجع تحت وطأة ضربات المقاومة وصمودها. هذه الحرب أثبتت أنّ السلاح قادر على تغيير المعادلات الإقليمية ومنع فرض الإرادة الإسرائيلية على لبنان.
إنّ مقارنة بسيطة بين وضع الفلسطينيين بعد تسليم سلاحهم في 1982، ووضع لبنان بوجود المقاومة في 2000 و2006، تبيّن بوضوح أنّ السلاح يصنع الفارق بين الهزيمة والانتصار، وبين المجزرة والصمود.
رابعًا: السلاح ورقة قوة سياسية
إلى جانب دوره العسكري، يشكّل السلاح عنصرًا أساسيًا في المعادلة السياسية، فوجوده يمنح لبنان قوة في التفاوض، ويحول دون تحوّله إلى ساحة خاضعة بالكامل للضغوط الخارجية. إنّ المطالبة بالتخلي عن هذه الورقة في ظلّ ميزان القوى الحالي تعني ببساطة إضعاف الموقف اللبناني، وتجريده من أي قدرة على فرض شروطه أو حماية مصالحه.
خامسًا: نحو إستراتيجية دفاعية وطنية
الحلّ لا يكمن في نزع سلاح المقاومة، بل في تنظيم العلاقة بين المقاومة والدولة عبر إستراتيجية دفاعية وطنية تضمن تكامل الأدوار، بحيث تبقى المقاومة عنصر قوة لا عبئًا، وتظل الدولة صاحبة القرار السيادي. إنّ هذه الصيغة وحدها هي الكفيلة بالحفاظ على قدرة لبنان الدفاعية من دون الإضرار بمؤسسات الدولة.
في النّهاية، إنّ كل الشواهد التاريخية تثبت أنّ التخلي عن السلاح يؤدي إلى المجازر والانكسارات، بينما امتلاكه يصنع التوازن ويمنع العدوان. من تل الزعتر وصبرا وشاتيلا وحرب المخيمات بعد نزع سلاح الفلسطينيين، إلى التحرير عام 2000 وصمود 2006 بفضل المقاومة اللبنانية، يبرز الدرس واضحًا:
سلاح المقاومة ليس مشكلة لبنان، بل ضمانته الوحيدة حتى بناء دولة قوية وقادرة، وإلى أن يتحقق ذلك، يبقى سلاح المقاومة صمّام أمان لبنان، وحصنه الأخير في مواجهة الأطماع الإسرائيلية والتقلبات الإقليمية.

