في مشهد يومي بات مألوفاً منذ نحو عامين، يعيش سكان قطاع غزة واحدة من أقسى المآسي الإنسانية في العصر الحديث، إذ يدفعهم القصف العنيف وانهيار الأبراج السكنية إلى نزوح متكرر، بحثاً عن مأوى مؤقت لا يوفر الأمان ولا الحد الأدنى من مقومات الحياة.
وتستهدف قوات الاحتلال "الإسرائيلي" قصف الأبراج السكنية والتجارية والخدماتية في قلب مدينة غزة، مدمرة مئات الشقق التي كانت تؤوي عائلات كاملة، حيث أنّ سكان هذه الأبراج يجدون أنفسهم بين ليلة وضحاها بلا مأوى، يحملون ما تبقى من متاعهم، وينتقلون نحو مدارس مكتظة أو خيام مهترئة في مناطق النزوح.
ويصف شهود عيان القصف بأنه استهداف مباشر لحق الناس في البقاء، إذ تُستخدم المتفجرات والآليات لإحداث دمار شامل، ما يحوّل أحياء بأكملها إلى ركام.
وفي الأيام الأخيرة، صعّد الاحتلال قصفه ونسف الأبراج السكنية، مستخدماً طائرات مسيّرة لإسقاط مواد حارقة على الخيام والمنازل، كما وجّه إنذارات بإخلاء مدينة غزة، رغم عجز الجنوب عن استيعاب مزيد من النازحين.
نزوح متكرر بلا أمان
النزوح بات ترحالا قسرياً متكرّراً من الشمال إلى الوسط ثم الجنوب من دون أمان، في ظل تكدّس وحالة خوف بعد إعلان جيش الاحتلال مدينة غزة "منطقة قتال خطيرة"، فيما دُمّرت رفح وخان يونس وتكدّست مئات آلاف الأسر في المخيمات، مع تهديد متصاعد لمناطق الوسطى.
المواطن محمد شومر، نزح مع عائلته 11 مرة منذ بداية الحرب من منطقة التوام شمال غزة، يقف حائراً وسط الاكتظاظ في جنوب القطاع، بلا مأوى آمن.
يقول شومر في حديثه مع "بوابة الهدف"، إنّ "أبنائي ينامون على الأرض بين مئات العائلات، بلا طعام كافٍ أو مياه نظيفة، وكل خطوة خارج خيمتنا مخاطرة بحياتنا"، مؤكداً أنّ "النزوح المتكرر يضاعف الضغوط النفسية والجسدية على العائلات، ويهدد الأطفال والنساء وكبار السن بالأمراض وفقدان أبسط مقومات الحياة".
أما سامي وادي (38 عاماً) يقف أمام خيمته المؤقتة وسط مدينة غزة، وهو يحاول التحدث عن حجم المعاناة التي يعيشها السكان في ظل القصف المستمر.
يقول وادي "للهدف": "القصف لا يترك لنا خياراً سوى الرحيل، الاحتلال يدمّر منازلنا وأحياءنا بشكل ممنهج، وكأن هدفه ليس مجرد ضرب مواقع، بل تفريغ المدينة بالكامل من أهلها"، مضيفاً أنّه "رأيت بأم عيني الأبراج تنهار فوق رؤوس سكانها، ومئات العائلات تُجبر على النزوح إلى المخيمات والخيام المكتظ، وكل خطوة نحاول فيها البحث عن مأوى هي مخاطرة، والقصف مستمر بلا رحمة، يبدو أنّ الاحتلال يسعى لتنفيذ مخططه الممنهج لتهجيرنا وفرض السيطرة على المدينة."
ووسط تصعيد الاحتلال المتواصل، لم يجد الغزي ناصر مهنا أي أمان بعد نزوحه من حي الشجاعية إلى غرب غزة، وسط امتلاء المدارس والمخيمات والطرق، دون أي مساحة تحمي عائلته من القصف أو توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة.
يبين مهنا لـ "الهدف"، أنّ "الكلمة الوحيدة التي تصيبنا بالرعب الآن هي أخلوا مناطق سكنكم نحو مناطق الجنوب، لأنه لا يوجد شبر واحد هناك يستطيع استيعاب أسرة صغيرة، ومع كل إنذار جديد نشعر أننا مضطرون للرحيل مجدداً، بدون وجهة واضحة"، لافتاً إلى أن تكلفة الخيام المؤقتة والغذاء والماء والرعاية الصحية تجعل النزوح المتكرر فوق قدرة معظم الأسر، التي تضطر أحياناً لتحمل قروض أو بيع ممتلكاتها لتأمين مأوى، بينما يبقى الأطفال والنساء الأكثر تضرراً بسبب نقص الخدمات وارتفاع الأسعار.
نزوح عكسي
في المقابل، اضطرت العديد من العائلات للنزوح من الجنوب نحو شمال غزة، ليس طلباً للأمان، بل هرباً من انعدام الإمكانات والخدمات في المخيمات والمدارس المكتظة جنوباً، وعلى إثر ذلك برزت في غزة ظاهرة النزوح العكسي، حيث عاد أكثر من 20 ألف نازح من الجنوب إلى الشمال هرباً من التكاليف الباهظة والاكتظاظ الشديد، وسط صعوبة العثور على خيام أو مأوى مناسب، وارتفاع نفقات الإقامة والنقل بما يفوق قدرة معظم الأس، بحسب بيانات رسمية.
الفلسطيني مازن حمودة، الذي نزح جنوب القطاع ثم عاد إلى مدينة غزة، يؤكد أن تجربة النزوح مليئة بالتحديات المالية والمادية، إذ يواجه النازحون تكلفة باهظة لتأمين خيمة ومكان للإقامة والخدمات الأساسية.
تكلفة تفوق قدرة الأسر
يقول حمودة لـ "الهدف"، إنّ "تأمين خيمة ومكان للإقامة والخدمات الأساسية مكلف للغاية، مع إيجار الأرض وشراء الخيام والمستلزمات الأخرى، لتصل التكاليف الإجمالية إلى نحو 5,000–6,000 شيكل، إضافة إلى مصاريف النقل التي تتراوح بين 2,000 و3,000 شيكل، ما يجعل الحد الأدنى للنزوح نحو 7,000 شيكل أي نحو (2000 دولار) وهو مبلغ يفوق قدرة معظم الأسر."
ويلفت حمودة إلى أنّ المخيمات والمدارس في الجنوب مكتظة وخدماتها معدومة، ما يجعل البقاء في الشمال تحت القصف أحياناً "أرحم من النزوح إلى الجنوب"، رغم استمرار الخطر على المدنيين.
وتعكس هذه الظاهرة معاناة واسعة لنحو مليوني غزي تعرضوا لأكثر من عشر موجات نزوح منذ أكتوبر 2023، بين الجنوب والمناطق الإنسانية غرب خان يونس ودير البلح، وسط ارتفاع تكاليف المعيشة وفقدان الخدمات الأساسية، ما يجعل العودة إلى الشمال خياراً اضطرارياً للعديد من الأسر.
بدوره، أكد المكتب الإعلامي الحكومي أنّ أكثر من مليون فلسطيني لا يزالون في منازلهم بمدينة غزة وشمال القطاع، رافضين التهجير نحو الجنوب، في مخطط أعلن الاحتلال أنه سيكون "بلا عودة"، مبيناً أنّ عدد سكان غزة وشمالها يبلغ نحو 1.3 مليون نسمة، بينهم 914 ألفاً في المدينة و398 ألفاً في الشمال، فيما اضطر نحو 300 ألف للنزوح داخل المدينة.
حشر السكان في 12% من مساحة القطاع
وأوضح المكتب في بيانه، أنّ بعض المناطق شهدت "نزوحاً عكسياً"، حيث عاد أكثر من 20 ألف شخص بعد أن وجدوا الجنوب يفتقر للمرافق الأساسية، مؤكداً أنّ منطقة المواصي تعرضت لأكثر من 109 غارات، مع قطع خط مياه "ميكروت"، وأنّ الاحتلال يحاول حشر 1.7 مليون شخص في 12% فقط من مساحة القطاع، ما يمثل جرائم حرب وانتهاكات للقانون الدولي، محملاً الاحتلال والولايات المتحدة والدول المشاركة المسؤولية.
ووفق منظمة "هيومن رايتس ووتش"، دمرت "إسرائيل" منذ أكتوبر 2023 نحو 88% من البنى التحتية في قطاع غزة، بما في ذلك المنازل، ولم يعد لمعظم النازحين الفلسطينيين سوى المدارس وبعض مباني الجامعات كمأوى مؤقت.

