منذ قيام إسرائيل عام 1948 عرفت الدولة العبرية سلسلة من الأزمات بين مؤسستها العسكرية وطبقتها السياسية، لكنها كانت في معظمها عابرة، محكومة بقدرة الجيش على استعادة زمام المبادرة، أو بقدرة الحكومات المتعاقبة على شراء الوقت وإعادة توزيع الأدوار.
غير أن الأزمة التي تعصف اليوم بتل أبيب تبدو مختلفة جوهريًا، لأنها لا تقتصر على خلاف حول عملية عسكرية أو جدل على طريقة إدارة الحرب، بل تمسّ البنية الداخلية للجيش والمجتمع والدولة معًا، ما يجعلها أشبه بزلزال يهدد ركائز المشروع الصهيوني نفسه.
في الماضي واجهت إسرائيل أزمات داخلية كبرى، مثل حادثة سفينة ألتالينا عام 1948 حين كاد الصدام بين منظمة "إرجون" بزعامة مناحيم بيغن والقوات الموالية لديفيد بن غوريون يتحول إلى حرب أهلية لولا تسوية اللحظة الأخيرة.
كما عرفت أزمة الثمانينيات حين أدت حرب لبنان عام 1982 إلى انقسام عميق بين القيادة العسكرية والسياسيين حول جدوى الاجتياح وتبعاته، وصولاً إلى مظاهرات حاشدة في تل أبيب ضد أرييل شارون.
وفي الانتفاضة الثانية مطلع الألفية الجديدة تصاعدت الانتقادات داخل الجيش نفسه لسياسات الحكومة التي وضعت الجنود في مواجهة يومية مع الشارع الفلسطيني دون أفق سياسي، لكن كل تلك الأزمات كانت قابلة للاحتواء بن غوريون حسم الأمر عسكريًا، وحكومة بيغن صمدت رغم الجدل، والجيش بقي متماسكًا رغم الانتقادات.
اليوم، يختلف المشهد، الأزمة الحالية بدأت بسلسلة إقالات واستقالات داخل المؤسسة العسكرية، حيث تمّت الإطاحة بعدد من القيادات تباعًا قبل أن يصل الدور إلى إيال زامير، الذي لم يقدّم طرحًا جديدًا بل استنتج النتيجة نفسها التي توصّل إليها من سبقوه؛ أن الخلاف ليس في الأشخاص ولا في تكتيكات الحرب، بل في غياب ثقة متبادلة بين الجيش والحكومة، وفي تفكك الرابط التقليدي الذي كان يربط الأمن بالسياسة في إسرائيل.
هذه النتيجة تكشف أن الأزمة أعمق من تبديل وجوه أو تغيير توجهات، وأن المشكلة لم تعد تكتيكية بل بنيوية.
إسرائيل تجد نفسها اليوم أمام أزمة متعددة الأبعاد جيش يتآكل ولاؤه الداخلي، حكومة فقدت ثقة المؤسسة العسكرية، مجتمع منقسم بين الحريديم والعلمانيين، وحلفاء غربيون يتساءلون عن استقرارها.
واشنطن التي طالما اعتبرت الجيش الإسرائيلي مؤسسة صلبة ومستقرة بدأت تعرب عن قلقها من أن يتحول إلى قوة منفصلة عن القرار السياسي.
في تصريح لمسؤول أمريكي سابق في إدارة بايدن نقلته وسائل إعلام عبرية جاء: "ما يقلقنا ليس فقط العمليات في غزة أو لبنان، بل تآكل الانسجام بين القيادة السياسية والعسكرية".
"إسرائيل بالنسبة لنا قيمة إستراتيجية لأنها دولة بجيش منضبط، وإذا فقدنا هذه الميزة فسنفقد جزءًا من مبرر شراكتنا الخاصة معها".
داخل إسرائيل يزداد الانقسام حول ملف الحريديم وقانون التجنيد، وهو الملف الذي طالما أجّله نتنياهو عبر مساومات وصفقات قصيرة الأمد.
لكن مع تعمق أزمة الجيش بات هذا التأجيل بلا معنى، الضباط يتحدثون صراحة عن انهيار في التماسك إذا استمر إعفاء عشرات آلاف الشباب الحريديين بينما يطلب من غيرهم التضحية في الجبهات.
ومع ازدياد قوة الحريديم السياسية والديموغرافية، تبدو الأزمة كساعة رملية انتهى وقتها، فلا مجال لمراوغات جديدة. كما كتب أحد المعلقين في معاريف: "نتنياهو هرب إلى الأمام لسنوات، لكنه اليوم وصل إلى الحائط".
هنا يتضح عمق اللحظة: نتنياهو محاصر بين جيش يطالب بحسم ملف التجنيد، حريديم يرفضون التنازل، معارضة يقودها غانتس ولابيد وليبرمان، وضغط أمريكي متصاعد.
غانتس اختار العودة إلى الحكومة في محاولة لحفظ التوازن الداخلي وتفادي الانهيار، مستفيدًا من صورته كقائد عسكري سابق قادر على مخاطبة المؤسسة الأمنية، فيما رفض ليبرمان الخطوة لأنه يرى أن الانضمام لنتنياهو هو إنقاذ له شخصيًا لا للدولة.
إنها أزمة غير مسبوقة، لأنها تكشف أن العقد الاجتماعي – غير المكتوب – بين الجيش والمجتمع والسياسة في إسرائيل يقترب من الانهيار.
في الماضي كان الجيش فوق الخلافات السياسية، رمزًا للوحدة القومية اليوم أصبح جزءًا من الصراع الداخلي. ومع كل تصريح لإيال زامير أو غيره من الجنرالات يزداد الوعي بأن المسألة ليست حكومة فاشلة أو حربًا متعثرة، بل مشروع يواجه حدود قدرته على البقاء.
والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: إذا كانت إسرائيل قد نجحت في تجاوز أزماتها السابقة لأنها كانت خلافات فوق أرضية صلبة، فهل تستطيع أن تتجاوز أزمتها الراهنة وهي أزمة بنية داخلية، أم أن الكيان يسير بالفعل نحو مرحلة الانهيار الذاتي؟

