Menu

تقريرعهدٌ يتجدّد: "جمّول" من بيروت 1982 إلى غزة اليوم

آية غسان سعيد

خاص - بوابة الهدف - تقرير: آية غسان سعيد

في السادس عشر من أيلول/سبتمبر 1982، أعلن الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي، برفقة الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي محسن إبراهيم، انطلاقة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية – "جمّول". كان هذا إعلانًا ثوريًا في وجه الاجتياح الصهيوني الذي بلغ العاصمة بيروت. من قلب العاصمة المحتلة، جاءت الدعوة إلى "السلاح" وتوحيد اللبنانيين، بعيدًا عن الاصطفافات الطائفية والحزبية، لمواجهة الاحتلال.


ولادة في لحظة مصيرية
تأسست "جمّول" بعد 100 يوم من حرب الكيان الصهيوني على لبنان، التي وصلت فيها قوات الاحتلال إلى بيروت، في ظل صمت عربي رسمي لم يتجاوز بيانات الشجب والاستنكار. اعتبرت هذه الجبهة حالة وطنية جامعة، شاركت فيها قوى من الحزب الشيوعي اللبناني، منظمة العمل الشيوعي، وحزب العمل الاشتراكي، بالإضافة إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، وحركة أمل، ومنظمات فلسطينية مثل الحزب الشيوعي الفلسطيني والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية والقيادة العامة.
أولى عملياتها كانت ليلة 20 أيلول 1982 في منطقة الصنائع ببيروت، قرب صيدلية بسترس. استهدفت مجموعة مقاومة تجمعًا لجنود الاحتلال الصهيوني بالقنابل اليدوية، فأوقعت إصابات مباشرة وعادت سالمة. وقد جاء في البيان الأول للمقاومة الوطنية اللبنانية: "هاجمت مجموعة من قوات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية جنود الاحتلال الصهيوني في منطقة الصنائع، فجرحت وقتلت ما لا يقل عن 8 جنود للعدو. وهرعت سيارات الإسعاف إلى مكان العملية، فيما عادت المجموعة إلى أماكنها سالمة".
منذ تلك الليلة، توالت العمليات النوعية في شوارع بيروت وأزقتها، لترغم الاحتلال على الانسحاب من العاصمة مذلولًا. كانت تجربة نادرة في تاريخ الجيش الصهيوني، حيث اضطر الجنود إلى مخاطبة السكان عبر مكبرات الصوت: "يا أهالي بيروت، لا تطلقوا النار... نحن منسحبون".
من بيروت إلى الجنوب
على مدار سنوات، أثبتت "جمّول" أن المقاومة ليست خيار فئة أو حزب، بل فعل وطني جامع. شكّلت الجبهة حلقة مركزية في مسار التحرير الذي توج باندحار الاحتلال الصهيوني عن جنوب لبنان في 25 أيار/مايو 2000.
وفقًا للسجلات الميدانية، نفذت "جمّول" مئات العمليات التي حررت أكثر من 80% من الأراضي اللبنانية المحتلة، وصولًا إلى الشريط الحدودي. هذه التجربة جعلت من جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية نموذجًا مؤثرًا في الصراع مع الاحتلال، ورسّخت قناعة أن الكيان الصهيوني إلى زوال.
فلسطين هي البوصلة
رغم أن انطلاقة "جمّول" كانت لمواجهة الاحتلال الصهيوني للبنان، إلا أن خطابها أكد منذ البداية أن فلسطين هي القضية المركزية. فبندقية "جمّول" لم تُسأل عن هوية حاملها، بل عن وجهتها، التي كانت دومًا فلسطين.
اليوم، بعد 43 عامًا على ولادتها، يرى كثيرون أن غزة تكمل الطريق الذي بدأته بيروت وصيدا وصور. فالمجازر، والحصار، والإبادة الجماعية في القطاع تعيد إلى الأذهان مشاهد بيروت المحاصرة عام 1982، وتؤكد أن "المقاومة خيار، وليس الاحتلال قدرًا".
واقع عربي مأزوم
بينما تواجه غزة حرب إبادة وتدميرًا شاملًا، والضفة الغربية اعتقالات وضمًا للأراضي، تتواصل الغارات الصهيونية في بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء، في ظل هوان رسمي عربي يكتفي ببيانات التنديد. يؤكد مراقبون أن الكيان الصهيوني، المدعوم من الولايات المتحدة، يسعى لإعادة رسم خرائط المنطقة بما يخدم مصالحه، فيما تدفع الشعوب العربية ثمن ذلك من دمها وحريتها واستقرارها.

 

الدروس التاريخية
أثبتت التجارب العربية أن الهزائم ليست قدرًا نهائيًا.
* نكبة 1948 أعقبتها ثورة عبد الناصر.
* عدوان 1956 ولّد صعود مصر كقوة تحررية.
* نكسة 1967 فتحت الطريق أمام حرب الاستنزاف وتصاعد العمل الفدائي الفلسطيني.
* واليوم، يرى المقاومون أن حرب غزة سيكون لها ما بعدها، وأن الشعوب العربية ستنهض مجددًا دفاعًا عن أوطانها وكرامتها.
عهد جديد للمقاومة
في ذكرى انطلاقة "جمّول"، تتجدد الدعوة إلى إعادة بناء ثقافة المقاومة كهوية جامعة، عابرة للطوائف والمذاهب، تستعيد جوهرها كخيار وحيد لتحرير الأرض وصون الكرامة.
الرسالة التي انطلقت من بيروت عام 1982 ما زالت حية: "إلى السلاح... استمرارًا للصمود البطولي دفاعًا عن بيروت والجبل، عن الجنوب والبقاع والشمال، تنظيمًا للمقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال وتحريرًا لأرض لبنان من رجسه".
واليوم، بين بيروت وغزة، بين لبنان وفلسطين، يبقى العهد واحدًا: المقاومة خيارنا... الوحدة سلاحنا... والحرية مصيرنا.