مقدمة
يُوصفُ قطاعُ غزة، بمساحته الصغيرة البالغة 365 كم²، بأنَّه "أكبر سجن مفتوح في العالم"، تحاصره إسرائيل عبر سياج ومعابر برية وبحرية منذ أكثر من سبعة عشر عاماً. هذا الحصارُ لم يكن مجرد أداة عسكرية بل آلية منهجية لعزل القطاع جغرافياً وبشرياً وتفكيك بنيته المجتمعية بما يتيح السيطرة الكاملة عليه في أي لحظة.
يُهيِّئ هذا الواقعُ مقاربةَ فكرِ ميشيل فوكو حول آليات الضبط والمراقبة التي حللها في كتابه المراقبة والمعاقبة، مع إدماج قراءات نقدية معاصرة من مفاهيم النيكرو-سياسة لأشتيل مبمبي، والهندسة الاستعمارية للمكان عند إيال ويزمان، بالإضافة إلى إعادة قراءة فوكو في سياق الممارسات الاستعمارية كما تقترحها آن لورا ستولر وتيموثي ميتشل.
غزة كسجن بانوبتيكي
يحتلُّ نموذجُ البانوبتيكون موقعاً مركزياً في فكر فوكو، حيث يُراقَب الأفراد دون أن يعرفوا إن كانوا تحت المراقبة في كل لحظة، فيؤدي ذلك إلى تطويع سلوكهم ذاتياً بما يخدم السلطة (Foucault, 1975). كذلك، يوضح فوكو في محاضراته حول السلطة الحيوية (biopower) أن السلطة الحديثة لم تعد تركز فقط على العقاب، بل على إدارة الحياة نفسها من خلال التحكم بالصحة، السكان، والإحصاءات (Foucault, 1975–76)، بينما يُبرز مفهوم الحكومية (governmentality) أساليب حكم الأجساد والسكان عبر إنتاج المعرفة وتوزيع السلطة (Foucault, 1977–78).
في غزة، يمكن تتبع هذا النموذج البانوبتيكي عبر مستويات عدة:
- التحكم في الحركة والبضائع: فرضت إسرائيل نظام إغلاق صارم لمعابر غزة، مع رقابة شاملة على تدفق الأشخاص والبضائع، بما يجعل القطاع فضاءً منضبطاً مكانياً وزمنياً (OCHA oPt, 2023).
- الهوية والسجل السكاني: تقييد لمّ الشمل والتحكم بالهويات القانونية يُحوّل الفرد إلى موضوع مراقب قانونياً، بحيث تصبح الهوية نفسها أداة ضبط للسكان (HaMoked/B’Tselem, 2021).
- إدارة الموارد الحيوية: من خلال وثيقة "الخطوط الحمراء" (2008)، حدّدت إسرائيل كميات الغذاء المخصصة للقطاع، بالإضافة لتقييدها حصص الكهرباء والمياه المسموح بها، محوّلة الحياة اليومية إلى معادلة محكومة بالحدود الدنيا للبقاء (Gisha, 2010).
- المراقبة الذكية: اعتماد أنظمة متقدمة تشمل الجدار الحسي، الطائرات المسيّرة، والبيانات البيومترية، بما يحوّل غزة إلى فضاء panspectron؛ أي مراقبة كلية تتجاوز البصر إلى جمع كل أشكال البيانات (TNI, 2020).
من إدارة الحياة إلى إدارة الموت
ورغم رسوخ النموذج البانوبتيكي في إدارة الحصار على غزة، أثبتت الوقائعُ أن هذا النموذج، الذي يقوم على ضبط الأجساد ومراقبتها ضمن منطق "الحياة القابلة للإدارة"، بلغ حدود فاعليته مع تصاعد ديناميات المقاومة المحلية. فقد طوّرت غزة، عبر سنوات الحصار، إستراتيجيات مضادة جعلت المراقبة الكلية عاجزة عن ضمان الخضوع الكامل للسكان.
جاءت عملية 7 أكتوبر 2023 لتكشف هذا القصور بوضوح؛ إذ تحوّل القطاع من فضاء محكوم بمنطق السيطرة الحيوية إلى فضاء يستدعي ممارسة سياسات الموت، حيث تعيد إسرائيل تشكيل إستراتيجيتها من إدارة البقاء إلى إدارة الفناء. هنا يتضح الانتقال من biopower إلى necropolitics كما يصفها مبمبي (Mbembe, 2003)، حيث لم تعد الغاية ضبط حدود الحياة، بل التحكم في إيقاع الموت. وكما يقول مبمبي:
"لا تُحكَم جماعات ضمن منطق إنتاج التأديب، بل ضمن قدرة السيادة على تقرير من يعيش ومن يُترك للمصير الكارثي... الحرب تُظهر أن البيروقراطية الحاكمة قد تحوّلت إلى سلطوية تدميرية معلنة." (Mbembe, 2003, p. 21)
الهندسة المكانية والتهجير
تقدم أطروحةُ إيال ويزمان في Hollow Land (2007) إطاراً لفهم المكان بوصفه أداة هيمنة استعمارية مركبة، حيث لا تقتصر السيطرة على القوانين بل تتجسد في البنى المعمارية والأمنية التي تُعيد تشكيل الحياة اليومية.
"يرسم خريطة معمارية/أمنية لإنشاء مؤسسات الاحتلال؛ بينما توفر هذه القراءات أدوات لتفسير عمق السيطرة الكولونيالية التي لا تظهر فقط في قوانين، وإنما في الترسيب المكاني وربما التدمير المركب المفصل." (Weizman, 2007, p. 132)
في سياق غزة، يظهر هذا بوضوح في الهدم المنهجي للأحياء السكنية شمال القطاع، بما يدفع السكان جنوباً في عملية تهجير قسري تدريجي، ويحوّل المكان نفسه إلى أداة ضغط واستنزاف وجودي.
إعادة قراءة فوكو عبر الاستعمار
تؤكد آن لورا ستولر على ضرورة "إعادة قراءة فوكو عبر أرشيفات الاستعمار"، فيما يُظهر تيموثي ميتشل أن أنظمة الضبط الحديثة، بما فيها المراقبة البانوبتيكية، هي في جوهرها نتاج مشروع إمبراطوري (Stoler, 1995; Mitchell, 1988). في ضوء هذا، يمكن فهم غزة كموقع للاستعمار الكولونيالي المتجدد الذي يستخدم أدوات حديثة لتكرار ديناميكيات السيطرة القديمة ضمن إطار استيطاني إحلالي.
خاتمة
تكشف تجربةُ غزة أنّ توصيفها كـ"أكبر سجن مفتوح" لم يعد كافياً لفهم تعقيد المشهد الراهن. فالقطاع تحوّل إلى مختبرٍ للهيمنة القصوى، حيث تتقاطع أدوات المراقبة البانوبتيكية مع إستراتيجيات النيكرو- سياسة في إنتاج فضاء استعماري يُدار وفق منطق الفناء المنظم.
إنّ عملية 7 أكتوبر لم تقتصر على إرباك معادلات الاحتلال الأمنية، بل كشفت أيضاً حدود مشروع الإخضاع الكلي، وأجبرت إسرائيل على الانتقال من سياسة تدجين الحياة إلى سياسة الإلغاء والإبادة الجماعية. ضمن هذا السياق، يصبح المكان في غزة ليس مجرد جغرافيا محاصرة، بل ساحة لإعادة تعريف العلاقة بين السيادة، العنف، والموت.
يفرض هذا التحول ضرورة إعادة التفكير في الإطار النظري المستخدم لفهم غزة؛ إذ لا تكفي قراءة فوكو في معزل عن البعد الاستعماري، بل يتطلب الأمر دمج مقاربات ما بعد كولونيالية تُبرز خصوصية العنف الاستيطاني الإحلالي، وتُعيد طرح أسئلة حول حدود السلطة الحديثة حين تتقاطع مع مشروع استعماري يسعى إلى الإلغاء الوجودي.
المراجع:
· Foucault, Michel. Surveiller et punir: Naissance de la prison. Paris: Gallimard, 1975.
· Foucault, Michel. Society Must Be Defended: Lectures at the Collège de France, 1975–76. New York: Picador, 2003.
· Foucault, Michel. Security, Territory, Population: Lectures at the Collège de France, 1977–78. New York: Palgrave Macmillan, 2007.
· Gisha. Red Lines Position Paper (2007–2010). Tel Aviv: Gisha – Legal Center for Freedom of Movement, 2010.
· HaMoked/B’Tselem. Separated Entities: Israel's Separation Policy. Jerusalem: HaMoked and B’Tselem, 2021.
· Mbembe, Achille. “Necropolitics.” Public Culture 15, no. 1 (2003): 11–40. https://doi.org/10.1215/08992363-15-1-11.
· OCHA oPt. Crossings Database. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs, 2023.
· OCHA oPt. Humanitarian Situation Update, Gaza (Post-October 2023). United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs, 2023.
· Stoler, Ann Laura. Race and the Education of Desire: Foucault's History of Sexuality and the Colonial Order of Things. Durham, NC: Duke University Press, 1995.
· Transnational Institute (TNI). All Roads Lead to Jerusalem. Amsterdam: TNI, 2020.
· Weizman, Eyal. Hollow Land: Israel's Architecture of Occupation. London: Verso, 2007.
· Mitchell, Timothy. Colonising Egypt. Cambridge: Cambridge University Press, 1988.

